حوار: سامانثا لين بيرفاس
الجامعات مستودعات للأفكار العظيمة، فلماذا إذًا تتسم الكتابة الأكاديمية بالرتابة؟ يرى ليونارد كاسوتو أن أصل المشكلة هو الغفلة عن حقيقة أساسية، وهي أن الكتابة الحسنة هي التي تُبقي القارئ شغوفًا ومهتمًا بما يقرأ (إشارة: أتقن فن السرد القصصي).
كاسوتو أستاذ اللغة الإنجليزية بجامعة فوردهام وصحفي حصل على البكالوريوس عام 1985 والدكتوراه عام 1989، وقد صدر له كتابًا جديدًا بعنوان "الكتابة الأكاديمية: حين يكون القارئ محور الاهتمام". يقول إنه استوحى فكرة المشروع أثناء تدريسه مساق (الكتابة التفسيرية) في مرحلة الدراسات العليا، حيث كان يساعد الكتّاب، على اختلاف أصولهم واهتماماتهم، على صقل مهاراتهم في التواصل، خاصة في مجال الكتابة الأكاديمية.
وقد اقترنت رغبة كاسوتو في جعل الكتابة الأكاديمية أيسر وأكثر جاذبية في العقود الأخيرة مع مشاركته في النقاشات الدائرة حول إعادة النظر في برامج الدراسات العليا. يصبو هذا المسعى إلى التركيز على الأبحاث التي تسهم في خدمة المجتمع، عوضًا عن الاقتصار على الاهتمامات الأكاديمية الغامضة والضيقة، إلى جانب تأهيل الباحث ليُحسن عرض تلك الأبحاث على شرائح جماهيرية متنوعة.

أجرى كاسوتو مؤخرًا حوارًا مع مجلة the Gazette حول طبيعة عمله، وقد حررت المحادثة للإيجاز والإيضاح.
استهللت كتابك بالإشارة إلى أن كافة الكتّاب الأكاديميين يبدأون مسيرتهم بالكتابة لشخص واحد: المعلم. ما الذي يجعل ذلك مشكلًا؟
هذا هو المشهد الأولي للكتابة الأكاديمية: يكتب طالب ما ورقة ما لمعلم ما في مكان ما. تحدث هذه العملية مرارًا وتكرارًا، ومن خلالها نمر بمرحلة التنشئة التي تدمجنا في مجتمع الكتّاب الأكاديميين.
والسمة المميزة لذلك المشهد الأولي سمةٌ أعتقد أنها لا تنال اهتمامًا يذكر، وهي أن القارئ (المعلم في هذه الحالة) يتقاضى أجرًا مقابل القراءة. وأن تنشأ كاتبًا جمهورك الوحيد شخص لا يصيبه الملل أو الفتور لأنه يتقاضى أجرًا مقابل القراءة حتى السطر الأخير، فأنت تتشرب فكرة أن القارئ لا يهم كثيرًا، وأنه سيستمر معك حتى النهاية مهما كان.
هنا تكمن جذور العادات السلبية المحتملة التي تتفاقم مع تقدم الكاتب. وإن أحد الأهداف الأساسية للكتاب هو دفع الكتّاب إلى استيعاب طبيعة هذه العلاقة ومحاولة تجاوزها، أي أن يكتب المرء مع افتراض أن القارئ غير مأجور. حينها ستتحسن النتائج على جميع الأصعدة.
للكتابة الأكاديمية سمعة سيئة، خاصة بين القرّاء الذين يقدّرون النثر الحسن. هل ترى هذا النقد مستحقًا؟
نعم يستحق وزيادة، ولذلك يجمع الكتاب بين كونه دليلًا عمليًا وتوجيهيًا. هذه هي الروح التي تسود بين صفحاته.
لكن من الأهداف المحورية أيضا فهم الكتّاب الأكاديميين بوصفهم مجتمعًا واحدًا. نحن حين نكتب لا نكتب لأنفسنا فحسب، وإذا ما عزلنا جمهورنا -فرادى وجماعات- فإنا نغدو جزءً من مشكلة أعمق ننشئها بأيدينا.
لا بد أن تكون الأكاديميا والتعليم العالي منفعةً عامة للمجتمع، وحتى يتحقق هذا يتعين أن نجد أساليب تواصل تُسمع الناس وتُفهمهم رسالتنا، سواء كان الكاتب عالمًا يكتب عن صناعة أشباه الموصلات، أو أستاذًا في العلوم السياسية يكتب عن الطريقة السليمة لفهم السياق الجيوسياسي لحدث يجري في مكان ما بالعالم؛ لو أردنا للأكاديميا أن تؤدي دورها في خدمة الجمهور، فلا بد أن يكون التواصل بلغة سليمة ومستقيمة، وإلا لنشأ ازدراء للمشروع الأكاديمي بأكمله، ونمت الشكوك حول كل ما يصدر عنه. إنها مسؤولية منوطة بالمجتمع ككل.
لا بد أن تكون النصائح والإرشادات حول الارتقاء بمستوى الكتابة هدفًا جماعيًا، علينا أن نرتقي بأسلوبنا وأن نصلح العلاقة بين الجامعة والمجتمع حتى نستمر في رعاية مصالحنا المتبادلة.

ما أبرز العثرات التي يقع فيها الكتّاب الأكاديميون؟
إليك عددًا من المزالق الكبرى: أولها أن كثيرًا من الكتّاب الأكاديميين لا يدركون أهمية السرد القصصي؛ القصص وسيلة التواصل بين البشر من قبل تعلم الكتابة، فالبشر كائنات سرد القصص، نحيا بالقصة، وكل أطروحة إنما هي قصة، وكل قصة نرويها أطروحة. وبما أن الكتّاب الأكاديميين يرون أنفسهم أصحاب الحجج والبراهين، فلا بد أن يطرحوا هذه الحجج في قالب سردي، وإلا فقدت قدرتها على التأثير والإقناع.
ثانيًا، الكتابة الأكاديمية مليئة بالمصطلحات التخصصية المعقدة. المصطلحات في حد ذاتها ليست مذمومة، بل قد تكون وسيلة إيجاز حين يتحدث المرء مع مَن يشاركونه اللغة، لكنها أيضًا تنشئ تمايزًا بين فئة داخلية وفئة خارجية، أي من يفهمونها ومن لا يفهمونها. لو لم يكن قارئك عضوًا من الفئة الداخلية فأنت -بكل بساطة- تتصرف معه بأسلوب جاف ومنفر، كأنك تقول "أنا لا أكترث بك". وهذا النوع من العلاقات لا يثمر عن التعاون، لا في الحاضر ولا في المستقبل.
ثالثًا، لا يدرك كثير من الكتّاب الأكاديميين طبيعة العلاقة الضرورية بين المجرد والملموس، فمن دون الملموس يغدو المجرد مجموعة من الأفكار الهلامية المحلقة بالفضاء، فكلما ظن القارئ أنه أمسك بها، تبيّن له أنها أطياف تتلاشى. ومن دون المجرد سيكون الملموس كومة من الحجارة لا أكثر، أي مجموعة من الحقائق المفككة التي لا يربطها رابط. إننا بحاجة إلى تعايش المجرد والملموس جنبًا الى جنب، ومتى أغفل الكاتب هذه العلاقة الضرورية، ضعفت قدرته على الإقناع.
طرحت في كتابك فكرة أن الكتابة الأكاديمية يمكن أن تكون ممتعة، فكيف يفيد هذا الإمتاع الباحث أو الطالب؟
أرى أن الخطوة الأولى هي أن يتذكّر الكتّاب أنهم بشر يخاطبون بشرًا مثلهم. ثمة فارق بين الكتابة العلمية الجيدة والرديئة، ولا يقتصر الأمر على مسألة الوضوح فحسب، فالكتابة العلمية الحسنة يتحركها أيضًا الحس الإنساني، والذي قد يأخذ أشكاًلا متعددة.
ضمّنت الكتاب كثيرًا من الاستعارات الحيوية، وليس غرضها تعليميًا فحسب، بل إمتاع القارئ أيضًا. توجد طرق عديدة للتعبير عن الذات أو إبراز صوت الكاتب. وصحيح أن تقاليد بعض التخصصات قد تضع ضوابط محددة في هذا الصدد، لكن هذا لا يمنع أن يكون للكاتب صوته وهويته.
غالبًا ما تُرى الكتابة الإبداعية والكتابة الأكاديمية نمطين متعارضين، فهل يمكن أن تكون الكتابة الأكاديمية إبداعيةً؟
"الكتابة الإبداعية" تعبير اصطلاحي نستخدمه في الحديث عن السرد الروائي والشعر والمسرح، لكن إن تأملنا في معناه الدقيق لوجدنا أن "الإبداعي" هو ما كان أصيلًا وحيويًا.
قد تجد كثيرًا من الأعمال الروائية أو الشعرية أو المسرحية غير إبداعية بحكم هذا التعريف، لكونها نمطية ومبتذلة وبلا روح. وبالعكس هناك كتابات غير أدبية -كالأكاديمية- تُظهر كافة الصفات التي ننسبها إلى الإبداع، فتجد فيها أصالة وروحًا ويتجسد فيها معنى الحياة.
ينبغي أن يرى جميع الكتّاب أنفسهم كتّابًا إبداعيين، فلن يقدم الكاتب أفضل ما لديه إلا إن سعى إلى ابتكار شيء غير مسبوق.
ينبع بعض العادات السلبية في الكتابة من القلق الأكاديمي أو خوف الكاتب من أن يُرى "مغفلًا" كما عبرت عن ذلك ببراعة، كيف يتجاوز الكتاب هذا القلق؟
تعزز الثقافة الأكاديمية بعض العادات السلبية المتعلقة بالتفكير والسلوك، مثل أن كثيرًا من المنتسبين إليها يرون إظهار الذكاء أهم من أسلوب التواصل، لكن خوف الكاتب من وصفه بـ "قلة الذكاء" يدفعه إلى بناء شتى أنواع الدفاعات التي تعيق الفهم والتواصل، وكأنه يقول للقارئ "يتطلب فهم هذا النص جهدًا كافيًا، وإن عجزت فهذه مشكلتك".
أعتقد أن كثيرًا من القراء الأكاديميين قد ذاقوا مرارة المعاناة مع نصوص أكاديمية بهذا الأسلوب. نحن لم نتعلم أن الكتابة الواضحة والأنيقة أحق بأن تكون مؤشرًا على الذكاء، وأجدر بالاحترام، وأجدى في نقل العلم.
لكن الثقافة راسخة ومستقرة، وأنا أدرك مدى صعوبة تغيير هذه الثقافات، وهذا الكتاب ما هو إلا لفتة ودعوة لنا لمراجعة الثقافة التي ينتج في ظلها أغلب الكتابات الأكاديمية.
تجدر الإشارة إلى أن الوعي العام بالذكاء الاصطناعي -لا سيما شات جي بي تي الذي يُستخدم في الكتابة- قد اقتحم الساحة أثناء عملك على هذا الكتاب، كيف ترى دور الذكاء الاصطناعي في الكتابة الأكاديمية، هل يدعمها أم يضر بها؟
الذكاء الاصطناعي مجرد أداة، وقد استوعبنا تأثير التقنيات الجديدة سابقًا وأعتقد أننا سنفعل ذلك مجددًا. يثير الذكاء الاصطناعي مخاوف مبررة في كثير من مجالات عملنا، لكن أعتقد أنه في النهاية سيأخذ مكانه في مجموعة أدواتنا، ونحن سنستوفي ما يلزم حتى نستخدمه بوعي وإنتاجية.
أعتقد أن الخوف من أن يحل الذكاء الاصطناعي محلنا متكلف ومبالغ فيه، وذلك لأهمية الحس الإنساني. ما زلنا في بداية رحلة التعلم كيفية استخدامه، لكني آمل أن ينتفع الكتاب في النهاية من امتلاك أداة جديدة في جعبتهم، خاصة إن كانت تسرّع إنجاز أعمالهم.
ما الذي تأمل أن يخرج به القراء من كتابك؟
يحتاج الكاتب أن يستحضر أن القارئ الذي يتواصل معه إنسان حقيقي، فلو أدركنا وقدّرنا أن أولئك الناس يتطلعون إلى التعلم منا نحن الكتاب، سنستوعب حينها احتياجاتهم ونتوقعها، وسننتج أعمالًا أحسن قد تشكّل جزءً من شيء أكبر منا جميعًا.
إن الكتابة الأكاديمية مشروع مشترك، وحري بكل كاتب أن يسعى ليبلغ أفضل أداء ممكن. نحن في هذه الساحة معًا علينا أن نستوعب حاجة المجتمع الأكاديمي إلى كتابة حسنة حتى يكون حضورنا ممتدًا ومثمرًا في المجتمع الأكبر.
شارك الصفحة
المزيد من الحوارات

ما التأثير الفعلي الذكاء الاصطناعي على التعليم؟
الذكاء الاصطناعي ليس بإمكانه أن يخبرني بما أفكر فيه حول شيء لم أقرأه بعد.

إطلاق عنان "العبقرية الداخلية": خمسة أسئلة لديفيد آدم
لم يعد يرضى الجيل الجديد من العلماء بمجرد مراقبة نشاط الدماغ ووصفه

لا تنقطع عن التعلم: حوار مع المؤلف برادلي آر ستاتس
لا بد أنك على علم بأن التعلم المستمر ضروري للمواكبة والترقّي
