لا بد أنك على علم بأن التعلم المستمر ضروري للمواكبة والترقّي في حياتك المهنية أيًا كان مجالك وعدد سنوات التعليم الرسمي التي قضيتها. يوجهنا برادلي آر ستاتس، وهو أستاذ في كلية كينان فلاجلر لإدارة الأعمال بجامعة نورث كارولينا ومستشار عالمي في مجال التعليم، إلى السبيل لإتقان هذه المهارة في كتابه :لا تنقطع عن التعلم: واكب واكتشف نفسك وازدهر.
يبدأ ستاتس بتعريف ما يسميه بـ "المتعلم الديناميكي"، ثم يستعرض ثمان خطوات لبلوغ هذا الوصف، ويدعم كلامه بحكايات شيّقة ودراسات بحثية. ونظرًا للتأثير المستمر للتكنولوجيا على كثير من القطاعات والوظائف، فإن قراءة هذا الكتاب ضرورية لكل من يرغب في حفظ مكانته في ظل التحولات القادمة.
ما الذي دفعك إلى تأليف هذا الكتاب؟
ساد اعتقاد لسنوات طويلة بأننا نعيش في عصر اقتصاد المعرفة، فالأغزر معرفة هو مَن ينجح ويزدهر. لكني أرى أن هذه التسمية لم تعد كافية لوصف واقعنا اليوم، فالمعرفة وإن كانت ضرورية تتغير بسرعة فائقة، مما يجعل القدرة على التعلم هي السبيل لتحقيق النجاح على المدى البعيد. كما قال ساتيا ناديلا الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت "صاحب عقلية التعلم المستمر سيتفوق دائمًا على من يظن أنه يعلم كل شيء". إن التخصص والعولمة والرقمنة والتحليل والذكاء الاصطناعي مجرد عدد قليل من القوى التي تعيد تشكيل عالمنا باستمرار، مما يجعل التعلم الآن أهم من أي وقت مضى. وإذا ما انقطعنا عن التعلم، فإننا نجازف بالتخلف وراء الركب.
وهنا تكمن المفارقة: رغم أن النجاح في البيئة المعاصرة مرهون بالتعلم المستمر، فإننا لا نُحسن التعلم. كثيرًا ما ننشغل في حل مشكلات أمس بعد فوات الأوان بدلًا من استباق مشكلات الغد قبل الآخرين. لماذا نواجه كل هذا العناء في التعلم؟ تظهر الأبحاث أننا أسوأ أعداء لأنفسنا في ميدان التعلم، ذلك لأننا نفعل غالبًا عكس ما يعيننا على التعلم. ولذلك أسعى في هذا الكتاب إلى إبراز التحديات التي نواجهها، ثم أقدم استراتيجيات قائمة على البحث العلمي لتجاوزها.
وضحت كيف انتقلت من مجال الاستثمار الجريء إلى المجال الأكاديمي، لكن كيف اتجهت بعد ذلك إلى دراسة كيفية التعلم تحديدًا؟
كنت طوال حياتي مفتونًا بالاختلافات التي لمستها في عملية التعلم، فالأفراد والفرق والمنظمات التي يبدو أنها تمتلك نفس الموارد يختلف أداؤها تمام الاختلاف. وقد اقتنعت مع المراقبة المستمرة أن التعلم هو السبب الجوهري وراء ذلك. ومن هنا تساءلت: كيف نُحسن التعلم؟ هذا هو السؤال الذي أعادني إلى المجال الأكاديمي وصرفني عن عالم الاستثمار الجرئ. اعتقدت في البداية أن الأمر لا يتعدى دراسة العملية، ولذلك سعيت لنيل شهادة الدكتوراه في إدارة العمليات. لكن سرعان ما أدركت أن العمليات السليمة دون حسن تصرف لن تؤتي ثمارها، ولذلك أسست عملي على علم السلوك. ومع دمج العمليات والعلم السلوكي تمكنت من تقديم رؤية فريدة في الكتاب، وهي متعلقة بـ (1) ما يجب فعله (2) ولماذا لا نفعله (3) وكيف نغير سلوكياتنا حتى نتعلم.
كيف وضعت المبادئ الثمانية التي ذكرتها في الكتاب (التعلم من الإخفاق، التركيز على العملية لا النتائج، طرح الأسئلة، الراحة والتأمل، كن على سجيتك، استثمر نقاط قوتك، الجمع بين التخصص والتنويع، التعلم من الآخرين)؟ وهل توجد مبادئ أخرى كادت أن تُدرج في القائمة؟
أصدق إجابة هي أن هذا هو السبب الذي جعلني أقضي 14 عامًا في الدراسة لتأليف الكتاب. عكفت على الدراسة والبحث منذ دخلت المجال الأكاديمي. وفي أثناء عملي مع الأفراد والمنظمات وإجراء أبحاثي ومطالعة بحوث الآخرين، سعيت إلى فهم مواطن الخلل التي نقع فيها، وقد ظهر كل واحد من هذه العناصر الثمانية مرارًا وتكرارًا. نحن في مسيرتنا التعليمية نكافح من أجل النتائج، ونبذل جهدًا متواصلًا غالبًا ما يكون عقيمًا، ولا نركز على ما يميزنا، ونستهدف التجارب غير المناسبة لنا. تلخص المبادئ الثمانية تلك التحديات.
أكثر نقطية مثيرة للاهتمام لكن لم يخصص لها فصل مستقل هي "الوقت". إن تأملنا في التعلم والأداء سنجد صراعًا أساسيًا بين المدى القريب والمدى البعيد. فعلى المدى القريب نحتاج إلى إنجاز المهام، وهذا يدفعنا إلى تكرار ما اعتدنا عليه. وفي المقابل، رغم أن التعلم يعود علينا بفوائد جمة على المدى البعيد، فإننا نهمله بحجة ضيق الوقت. دمجت الحديث عن الوقت في فصول متعددة (مثل طرح الأسئلة، أو استعادة النشاط والتأمل) مع أنه يستحق أن يُفرد له فصل خاص به، وربما كتاب كامل.

أي المبادئ الثمانية يمثل تحديًا شخصيًا لك؟ وكيف تغلبت عليه؟
الإخفاق بلا شك. تحدثت في الكتاب عن عدة تحديات مرتبطة بالإخفاق، كالخوف منه الذي يمنعنا من المخاطرة، والمعاناة منه عند وقوعه، والادعاء أحيانًا أن ما حدث لم يكن إخفاقًا. تكمن مشكلتي في النقطة الثانية: فعندما أخفق أشعر بالتوتر ويتسلل إليّ الشك في قدراتي. ورغم علمي أنه لا يلزم أن تنجح كل محاولة جديدة، وإن نجحت كلها فهذا يعني أني لا أتحدى نفسي، لكن هذا لا يخفف من وطأة الشعور بالإخفاق. لن أقول إني تغلبت على هذا التحدي، لكن أعتقد أن التحديات التعليمية لا نصل معها إلى "حل" نهائي، بل نتحسن في التعامل معها. ولذلك أذكّر نفسي دائمًا بأن الإخفاق في تجربة الأشياء الجديدة ليس "خطأ"، بل جزء من العملية التعليمية، كما أن التفكير فيما سيحدث إن لم أخض التجربة طريقة ممتازة لتقبله. أخيرًا، أدرك أن الإخفاق في هذه اللحظة ليس نهاية المطاف، مع أني كنت أتمنى إصابة الهدف من المرة الأولى، إلا أن التعمق بصدق في أفهم أسباب الخلل أحد سبل التعلم والتحسن في المستقبل.
ماذا إن اتخذ أحد رغبته في التعلم ذريعة لترك العمل، ما يُعرف بـ "شلل التعلم"؟ هل واجهت مثل هذه الحالة من قبل؟ وكيف توجههم للجمع بين التعلم والعمل؟
هذا سؤال ممتاز. اقتبست في كتابي قول باراسيلسوس مؤسس علم السموم الحديث "جميع المواد سامة بلا استثناء، الجرعة المناسبة وحدها هي ما تفرق بين السم والدواء". مقصده أن الإفراط في شيء حسن قد يضر، وهذا ما ينطبق على التعليم أيضًا. نحن بحاجة إلى التعلم طوال مسيرتنا، لكن لا ينبغي أن نركز عليه بشدة لدرجة العزوف عن العمل. أحب هذه النصيحة: "استعد، سدد، ارم". بعبارة أخرى، خذ وقتك في التفكير فيما عليك إنجازه، ثم ابدأ مباشرة. واحرص أثناء ذلك على مراقبة ما يحدث وتصحيح المسار إن لزم الأمر.
ما الذي بوسعنا أن نقوم به يوميًا حتى نضمن أننا نتعلم قدر المستطاع؟
التأمل. خصص 10-15 دقيقة في نهاية كل يوم للتأمل فيما تعلمته وفي تأثيره على أفعالك في اليوم التالي. يكمن التحدي في أننا لا نصبر على هذا الوقت، ولا نرى له قيمة. أجرينا دراسة كُلف فيها المشاركون بتعلم مهمة جديدة، ثم خُيّروا بين قضاء ثلاث دقائق في ممارستها أو ثلاث دقائق في التأمل فيها. اختار 82% الممارسة، لكن في المهام التالية فاق المتأملون "الفاعلين" بنسبة 22%. نحن نتعلم بدرجة أفضل عندما نجمع بين العمل والتفكير، فقد أثبت علم الأعصاب أن كلا النوعين من التعلم يغيران الدماغ بطرق مختلفة لكنها متكاملة. وفي بحث آخر أجرينا تجربة ميدانية ضمن برنامج تدريبيي في منظمة للخدمات التكنولوجية، ووجدنا أن الأفراد الذين تأملوا فاقوا المجموعة المقابلة بنسبة 31%. إن دمج التأمل في يومك تغيير يسير لكن يحمل في طياته تأثيرًا عظيمًا.
شارك الصفحة
المزيد من الحوارات

ما التأثير الفعلي الذكاء الاصطناعي على التعليم؟
الذكاء الاصطناعي ليس بإمكانه أن يخبرني بما أفكر فيه حول شيء لم أقرأه بعد.

إطلاق عنان "العبقرية الداخلية": خمسة أسئلة لديفيد آدم
لم يعد يرضى الجيل الجديد من العلماء بمجرد مراقبة نشاط الدماغ ووصفه

حوار مع جيمس بوسكيت
حول إعادة تأطير تاريخ العلوم
