header

إطلاق عنان "العبقرية الداخلية": خمسة أسئلة لديفيد آدم

يارا عمار
يارا عماريارا عمار
15 سبتمبر 2025
٦ دقيقة قراءة

"لم يعد يرضى الجيل الجديد من العلماء بمجرد مراقبة نشاط الدماغ ووصفه، بل يرغبون في التدخل فيه وتغييره وتحسينه، وهو ما يطلق عليه التعزيز العصبي".

ديفيد آدم

 

يقدّم آدم في كتابه الجديد "العبقرية الداخلية: إطلاق العنان لإمكانات الدماغ" دراسة شاملة حول التعزيز العصبي، وهو مزيج من التقنيات والعلاجات الدوائية التي تهدف إلى زيادة مستوى الذكاء. آدم كاتب ومحرر علمي مقيم في لندن، وسبق أن كتب عن اضطراب الوسواس القهري وتاريخه وصراعه معه في كتابه "رجل لا يستطيع التوقف" (2014).

تحدثت مع آدم عن التعزيز العصبي في هذه الحلقة من سلسلة "Undark Five". تناولنا موضوعات شتى من بينها: هل من العدل تعزيز القدرات الإدراكية لدى بعض الناس دون غيرهم؟ ولماذا ينزعج كثيرون من موضوع الذكاء؟ وهل المنشطات الذهنية ستجعلنا جميعًا مثل أينشتاين يومًا ما؟ فيما يلي نص حوارنا بعد تحريره للإيجاز والإيضاح.

س: شهد علم الأعصاب تحولًا من محاولة فهم آلية عمل الدماغ إلى تعزيزه. كيف حدث ذلك؟

ج: أعتقد أن الأمر لا يقتصر على تعزيز الدماغ، بل يتعدى إلى التدخل فيه. أرى نموذجًا متكررًا في العلم: يبدأ بالمراقبة، ثم محاولة الفهم والتفسير، وينتهي بالتدخل. فمثلًا في العالم الطبيعي: ننظر إلى الفضاء، ونتساءل عن النجوم، ثم نبدأ في حساب المسافة التي تبعدها، وبعد ذلك نصمم سفينة فضائية لتأخذنا إلى هناك.

في رأيي سبب هذا التحول في علم الأعصاب هو الأدوات التي يجري تطويرها. فحتى ثمانينات القرن المنصرم كان فهم ما يحدث في الدماغ يتطلب الانتظار حتى يصاب أحد بسكتة دماغية، ثم مراقبة الوظائف الإدراكية التي فقدها، وأخيرًا تحديد الجزء المتضرر من الدماغ.

ثم ظهرت تقنية جديدة لمسح الدماغ وصرنا نستعين بها حتى رسمنا خريطة تقريبية للدماغ لكنها نافعة. والآن بين أيدينا أدوات تتيح لنا التدخل دون جراحة. بطبيعة الحال لن ننقّب في رؤوس الناس لإجراء الدراسات البحثية، لكن الآن يمكننا القيام بإجراءات خارجية لتوجيه سلوك الخلايا الدماغية، أو إدخال تغيير عليها، ثم رصد النتائج. أعتقد أن الدافع للأمر هو التكنولوجيا المتاحة للعلماء بقدر ما هو مدفوع بأي حاجة أو رغبة في القيام بذلك.

س: توجد العديد من الإشكالات الأخلاقية المحيطة بالتعزيز العصبي، منها إن كان استخدامه يعد نوعًا من الخداع، أو إن كان يمنح مستخدميه مزية غير عادلة. كتبت عن تجربتك الشخصية مع التعزيز العصبي -تحديدًا باستخدام عقار المودافينيل والتحفيز الكهربائي للدماغ- أثناء إجرائك اختبار معدل الذكاء ما أدى إلى تأهيلك للانضمام لجمعية منسا لذوي الذكاء المرتفع، هل هذا غش؟

ج: لا أظن أن لدينا من العلم ما يكفي لاتخاذ قرار صائب في هذه اللحظة. إن كان نوعًا من الغش، فهذا يستلزم أن الأمر ينطوي على المنافسة، أليس كذلك؟ لكن عندما نتحدث عن استخدام التعزيز الإدراكي، فإنا نقصده في الغالب للمهام اليومية. أما إن كان في الأمر منافسة، كمباراة شطرنج مثلًا، فرأيي في هذه الحالة أن اللجوء إلى التعزيز العصبي سيكون غشًا، هذا إن لم يكن متاحًا للجميع.

أما بخصوص الاختبارات الأكاديمية، فمن الصعب أن أقطع بأنه غش لوجود عوامل أخرى تؤثر على أداء الطالب. إن افترضنا أن المعزز الإدراكي يمنح مزية غير عادلة، فقد يُقال إن هناك عوامل تتيح نفس المزية. فمثلًا بعض الناس يحققون أفضل أداء في الصباح، وبعضهم بعد الظهيرة. فحتى تكون المعززات الإدراكية نوعًا من الغش، فلا بد أن نفترض أن الفرص متكافئة بالفعل، وهو ما لا أعتقده. لنضرب مثالًا بطفل يذهب إلى مدرسة في حي فقير بالمدينة حيث جودة التدريس متدنية والفوضى تعم الفصل: هل يعد غشًا إن تناول شيئًا يساعده على التذكر؟ أم أن الغش أن يدفع شخص للالتحاق بمدرسة خاصة خالية من كل تلك السلبيات؟

نعم أرى أنه كان غشًا عندما أجريت اختبار معدل الذكاء. فاختبارات معدل الذكاء تتعلق بالقدرة على استخدام المعلومات والمنطق وتوجيه العقل إلى مهام معينة، والمعززات الإدراكية تساعد في ذلك. لقد منحت نفسي مزية على الآخرين.

س: ماذا عن متلازمة الموهوب (سافانت)، وهي حالة يُظهر المصابون بها نوعًا محددًا من العبقرية رغم معاناتهم من اضطرابات عقلية شديدة؟

ج: أعتقد أن العباقرة يظهرون أمرين أساسيين: مدى الاختلاف في القدرات التي يمكن تحقيقها، حيث يؤدون المهام بسرعة وكفاءة تفوقنا رغم استخدام نفس الأداة الأساسية [الدماغ]. كما يثبتون أنه يمكن إتقان مهارة ذهنية إتقانًا يفوق العادة دون أن تكون بقية المهارات على نفس المستوى. وهذا يناقض أكثر النظريات السائدة عن الذكاء، والتي تفترض أن جميع المهارات مرتبطة بقدرة واحدة أساسية.

 

 

س: ذكرت أن محاولات قياس الذكاء وتحسينه تزعج كثيرًا من الناس، لماذا؟

ج: من السهل أن تجد أمثلة على إساءة استخدام قياسات الذكاء. كانت اختبارات معدل الذكاء مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بعلم تحسين النسل، والتي وصلت فيه النازية إلى أشد المستويات تطرفًا وترويعًا، حتى استفاق العالم وأدرك أنه كان خطأ فادحًا. يوجد قلق مشروع من تكرار الأمر لأن الدوافع والاتجاهات الممقوتة التي قادت إليه ما زالت موجودة، فبعض الناس لديهم وجهة نظر سياسية مستعدة لاستخدام أي مؤشر ظاهري على وجود اختلاف بين فئات البشر لدعم تحيزاتهم.

س: هل تخشى من مبالغة داعمي هذا المجال في ادعاءاتهم، كتحويل جميع البشر إلى أينشتاين؟

ج: من يزعم أنه يفهم آلية عمل الدماغ فعليًا إما جاهل أو كاذب، وسيظل الوضع كذلك وقتًا طويلًا. كل ما يُدعى أنه قائم على فرضيات صارمة لا بد أن يكتنفه الشك، فنحن ما زلنا في مرحلة التجربة والمراقبة، هذه هي طريقة تعاملنا مع الدماغ. وكثير من أدوية الأمراض العقلية قائمة على المبدأ ذاته، يُعطى المريض عقارًا، فإن تحسّن نعتمد هذا الدواء، ثم نحاول تحديد آلية عمله.

أرى بعض أجهزة تحفيز الدماغ مطروحة في السوق بالفعل، والتي يبالغ صانعوها في قدر معرفتنا عن الدماغ. هم يحاولون أن يفسروا التغييرات التي يرصدونها، لكنهم يبالغون في رأيي. ورغم ذلك قد تكون هذه التغييرات حقيقية، وهنا تكمن الإثارة، فالدماغ مقعد لكنه قابل للتغيير.

توجد تقنيات معينة نستخدمها بالفعل لتغيير طريقة عمل الدماغ وتنظيمه لنفسه. وكلما جربنا أكثر زادت اكتشافاتنا وزادت فرصنا الواعدة للتدخل في هذه الطرق. لا أظن أن التأثيرات ستكون ضخمة، لكنها في الحقيقة لا يلزم أن تكون كذلك لكي تحدث أثرًا.

بوسعنا أن نجزم بأننا لن نحول الجميع إلى أينشتاين، فليس كل أحد لديه إمكانية لأن يكون مثل أينشتاين. كل ما بيدنا هو أن نساعد الناس على بلوغ أقصى إمكاناتهم، وللأسف ستظل الموهبة بعيدة المنال عن البعض.

إضافة إلى ذلك، إن كان ثمن أحد هذه الأجهزة 500 دولار، فستكون سبيلًا آخر للنخبة لضمان الامتيازات لأنفسهم. توجد حجة أخلاقية وقيمية مفادها أن المنشطات الذهنية -إن ثبتت فعاليتها- لا بد أن تعطى للفئات الأدنى تعويضًا لهم.

كان فينا أينشتاين، أليس كذلك؟ هذا دليل على أننا لسنا بحاجة إلى التعزيز الإدراكي حتى يخرج من بيننا أمثال أينشاتين. ولا أعتقد أن هذا هو الهدف الحقيقي. بل الهدف هو التركيز على الفئة الوسطى العريضة التي تكافح من أجل الموارد والعناية والوظائف والمال. سيتولى العباقرة أمر أنفسهم، أما البقية فهم من يحتاجون إلى المعززات الإدراكية.

المصدر

 

شارك الصفحة

المزيد من الحوارات

ما التأثير الفعلي الذكاء الاصطناعي على التعليم؟

ما التأثير الفعلي الذكاء الاصطناعي على التعليم؟

الذكاء الاصطناعي ليس بإمكانه أن يخبرني بما أفكر فيه حول شيء لم أقرأه بعد.

يارا عمار
لا تنقطع عن التعلم: حوار مع المؤلف برادلي آر ستاتس

لا تنقطع عن التعلم: حوار مع المؤلف برادلي آر ستاتس

لا بد أنك على علم بأن التعلم المستمر ضروري للمواكبة والترقّي

يارا عمار
حوار مع جيمس بوسكيت

حوار مع جيمس بوسكيت

حول إعادة تأطير تاريخ العلوم

يارا عمار