لقد تغلغل الذكاء الاصطناعي في الفصول الدراسية، فكيف تتأقلم معه الجامعات والأساتذة الجامعيون والطلاب؟ أجرت المحررة بقسم الآراء في صحيفة نيويورك تايمز (مهر أحمد) حوارًا مع المؤلفة (جيسيكا غروس) والكاتبة (تريسي ماكميلان كوتوم) حول العلوم الإنسانية ودورها في رسم مسار جديد، وما إن كان ChatGPT يضاهي ملخصات SparkNotes.
فيما يلي نص الحوار بعد تحريره للاختصار والإيضاح.
أحمد: تريسي دائمة الحضور في الفصول الدراسية بصفتها أستاذة علم الاجتماع بجامعة نورث كارولينا في تشابل هيل، وجيسيكا بذلت جهدًا في إجراء مقابلات مع الآباء والطلاب ومؤخرًا مع المعلمين في مجالات العلوم الإنسانية، وذلك بهدف كتابة سلسلة مقالات حول الذكاء الاصطناعي والتعليم في نشرتها الدورية.
أود أن أبدأ بتريسي: انتقدتِ دور الذكاء الاصطناعي في التعليم ووصفتيه بأنه "تقنية عادية"، حيث يستخدم في المهام الروتينية، بينما نحتاج إلى تعزيز الخبرة التعليمية عوضًا عنه. أرجو منكِ أن توضحي تلك الفكرة، كيف تؤثر على التعليم العالي في رأيك؟
ماكميلان كوتوم: يعد الذكاء الاصطناعي امتدادًا لموجة التقنيات التعليمية التي ظهرت في الأنظمة التعليمية. ولذلك من المهم أن ننظر إليه من هذا السياق، لأن قدرًا كبيرًا من السلطة الثقافية والسياسية التي يحظى بها حاليًا مبالغ فيها مقارنة بمدى فائدته أو عدم فائدته الفعلية للطلاب والمعلمين.
توجد ضجة كبيرة، أليس كذلك؟ قدر كبير منها يقوم على افتراض أنه ينطوي على عنصر جديد، وأننا إن لم نغتم هذه التقنية الجديدة والحداثية والابتكارية ذات الغرض العام، سيتخلف قطاع التعليم عن الركب.
ولذا أعتقد أنه من الأهمية بمكان أن نعي بالسياق التاريخي. مكثت وقتًا طويلًا في الكتابة والدراسة والبحث في التكنولوجيا التعليمية في التعليم العالي، ورأيي أن الذكاء الاصطناعي ليس بتلك الحداثة المزعومة.
إنه ليس ثوريًا بهذه الدرجة المتصورة، بل هو حلقة في سلسلة متصلة من التقنيات التي وعدت بإحداث تحوّل في التعليم، بدءً من التلفاز والآلة الكاتبة وأجهزة الفيديو والأجهزة اللوحية.
إلا أن معظم الحملات الترويجية للذكاء الاصطناعي تختزله في فكرة أنه واقع مسلم به فلا بد أن يتعرف الطلاب عليه. لكن لا يوجد ما يربطه بالنتائج التعليمية، ولا أي تقييم لمخاطره على الخصوصية والبيانات والتطور العقلي والعاطفي والمعرفي للطلاب. هذا هو الدور المنوط بالتعليم.
أحمد: جسيكا، إلى أي مدى تتوافق نظرة تريسي للذكاء الاصطناعي مع ما وثّقتِه في المقالات العديدة التي كتبتِها عن كيفية استخدام المعلمين والطلاب له في الفصول الدراسية؟
غروس: تتفق تمامًا. توجد فوارق بسيطة تتعلق بكيفية استخدامه لمختلف الفئات العمرية، فأرى أنه لا مكان له من مرحلة الروضة إلى الصف السادس أو السابع. بل إن تضمين هذه الفئة في النقاش ضرب من العبث لوجود أدلة وافرة على أنهم لا يتعلمون القراءة والفهم الصحيح، حتى مع وجود الشاشات. إنهم بحاجة إلى الأدوات التقليدية: الورقة والقلم.
أما على المستوى الجامعي، فلا بد من وجود تدريبات في مختلف التخصصات حول كيفية استخدام هذه التقنية، هذا إن كانت ملائمة وستؤدي إلى تحسين البحث الجاري.
أتفق تمامًا مع تريسي فيما يتعلق بالعلوم الإنسانية، وأن استخدامات الذكاء الاصطناعي التي توصل إلى تفكير عميق وتحسين البحث محدودة للغاية.
وقد جرّبت استخدامه إذ قيل لي إنه سيساعدني في أداء أبحاثي وفي التلخيص، لكني لا أعرف الأجزاء المهمة للنص الذي أكتبه إلا بعد قراءة كامل النص.
ما الذي يجعل ما يراه الذكاء الاصطناعي مهمًا هو نفسه ما أراه مهمًا للحجة التي أسعى إلى بنائها؟ أكرر مرة أخرى، الكتابة والتفكير عملية معرفية مخصصة للغاية، فالذكاء الاصطناعي ليس بإمكانه أن يخبرني بما أفكر فيه حول شيء لم أقرأه بعد. قولي هذا غير منطقي، لكن لا بد من توضيح الأمر في هذه المرحلة لأنه يروَّج له على أنه أداة بشرية شافية لكل داء وقادرة على التفكير في كل شيء.
أحمد: على ذكر العلوم الإنسانية، كتبتِ يا جيسيكا مقالة عن تعامل أساتذة العلوم الإنسانية مع الطلاب الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي في الفصول الدراسية، ويبدو أنهم يدركون هذه الحقيقة ويتعاملون على أساسها.
ماذا استخلصتِ من الحديث مع هؤلاء الأساتذة؟
جيسيكا: لقد كان ملهمًا -على عكس ما توقعت- أن أكتشف أنّ كثيرًا من أساتذة العلوم الإنسانية يجدّدون أساليبهم حتى تعتمد أكثر على الأنشطة والاختبارات التي تبني مجتمعًا في البيئة الدراسية، وفي المجتمع الخارجي أيضًا.
على سبيل المثال، حدّثتني أستاذة في كلية بيلويت، وهي كلية خاصة صغيرة للفنون الحرة في ويسكونسن، عن تدريس رواية "المحرومون" لأورسولا ك. لو جوين، وقالت إن جزءً من المقرر أن يجري الطلاب نقاشات حول الرواية في المكتبات والمدارس العامة ومراكز رعاية المسنين.
أخبرتني أن جزءً أساسيًا من المنهج يتضمن تدريب الطلاب وتمثيل الأدوار قبل فعالياتنا الخارجية مع المجتمع، ثم التأمل فيما تعلموه من تجاربهم، وما الذي قد يغيّرونه، وكيف سيعرضون المهارات الجديدة التي اكتسبوها على أصحاب العمل المحتملين.
ما أراه محل اهتمام أنها لم تحظر استخدام الذكاء الاصطناعي مباشرة في فصلها الدراسي، بل كلّفت الطلاب بإجراء نقاشات فيما بينهم حول ما يرونه مناسبًا ووضع مدونة سلوك يتفقون على الالتزام بها.
ذلك يرجع إلى أمر سمعته من أساتذة كُثر، وهي أنهم لا يريدون أن يقوموا بدور الشرطي، فلا يرغبون في إهدار وقتهم في مراقبة استخدام البالغين لهذه التقنية. لا بد من إجراء نقاشات شفافة حول الاستخدامات المناسبة وغير المناسبة لأن مجرد حظره لم يعد يُجدي.
أحمد: تريسي أنتِ أستاذة جامعية، هل لديكِ أساليب لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الفصول الدراسية أو المساحات التعليمية؟
ماكميلان كوتوم: أنا باحثة في العلوم الاجتماعية النقدية، ما يعني أن النقد مهنتي، فنحن نستخدمه لهذا الغرض غالبًا، على الأقل في فصلي الدراسي.
استخدمنا الذكاء الاصطناعي بهدف فهمه بوصفه نظامًا اجتماعيًا تقنيًا، فبحثنا في: طريقة استخدامه المتوقعة، والمخاطر المترتبة على استعماله، والافتراضات الخفية في هذه التقنية التي قد تعزز أوجه عدم المساواة الموجودة أو تؤدي إلى ظهور أشكال أخرى.
من أكثر المهام التي أفضّلها وكلفت الطلاب بها أعوامًا عديدة: مهمة البحث والاستكشاف، فأطلب منهم في بداية الفصل الدراسي أن يكتشفوا حقوق بياناتهم بصفتهم طلابًا جامعيين.
كما أطلب منهم توثيق العملية التي اكتشفوا من خلالها حقوق بياناتهم، ثم تحديد التقنيات التي يُتوقع منهم استخدامها في الروتين اليومي لإنجاز أعمالهم التعليمية وتكليفاتهم الدراسية.
إننا نقضي الفصل الدراسي بأكمله في محاولة اكتشاف كيفية استخدام شيء مثل الذكاء الاصطناعي للبيانات التي يغذّيه بها الطلاب. كل مرة ترفع ورقة حتى يعيد الذكاء الاصطناعي صياغتها، وكل مرة توجّهه بتفاصيل تكليف دراسي، كل هذا يذهب إلى جهاز شخص آخر.
كانت إحدى المهام المستمرة على مدار الفصل الدراسي عبارة عن نقاش حول المقايضات الأخلاقية والقانونية التي نقدمها مقابل الراحة، خاصة ما نتنازل عنه من الخصوصية.
مما أحبه في هذه المهمة أنني -كوني الأستاذة- أخدعهم، أليس كذلك؟ أنا من وضعت المهمة، وأعلم أنه محال أن يصلوا إلى الإجابة، لكن من المهم أن يدركوا انعدام الشفافية في كل طبقة من طبقات التقنية التي تدخل إلى مؤسسة أو إلى منظومة تعليمية.
وكلما أدخلنا تقنية جديدة، ازداد الأمر صعوبة على الطالب أن يفهم مسؤولياته والحقوق التي يتنازل عنها في المقابل.
يمكنني أن أقول إن الذكاء الاصطناعي هو الأكثر غموضًا من بين جميع ابتكارات تقنيات التعليم التي استخدمناها في التعليم العالي على مدار السنوات 10-15 الماضية، وبالتالي فهو من أكثرها إثارة للقلق في نظري، لأنه يحوّل المخاطر والمسؤوليات على الطلاب المساكين، مما يصعّب عليهم إيجاد حل عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي.
تبقى أمر لم نتحدث عنه أبدًا تقريبًا: مَن المسؤول عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي؟ ما مسؤوليتنا تجاه إدخال شيء إلى النظام قد تكون له تداعيات معقدة وواسعة على البيئة، وعلى قضية انعدام المساواة، ولماذا تدفعنا المؤسسات إلى ذلك؟
أحمد: أحد الأسئلة التي تراودني: ما مدى حداثة هذه التقنية أو اختلافها عن التقنيات التي سبقتها؟ SparkNotes على سبيل المثال موجود منذ زمن، وطالما حاول الطلاب أن يجدوا طريقًا يسيرًا لتلخيص الكتب الدسمة. فهل يختلف الأمر إن كان الذكاء الاصطناعي هو ما يقوم بهذه المهمة؟
ماكميلان كوتوم: أشارت جيسيكا إلى نقطة محورية في الأبحاث العلمية الجارية حول تعقيد عملية التعلم، وهي أن التعلم في الأساس عملية اجتماعية وترابطية، حيث يتحقق في سياق العلاقات المتبادلة.
عندما كنت تقرأ ملخصات SparkNotes لحكايات كانتربري -التي هي أول عهدي بـ SparkNotes قبل سنوات عديدة- كان لا بد أن تخرج لاقتنائها ورقيًا.
لقد كانت وسيلة مادية. وكانت هناك ثقافة سائدة تؤكد مضمون الرسالة التي تحملها تلك الوسيلة المادية نفسها: هذه ليست علاقة، هذا ليس شخصًا يحدثني.
نحن نعلم يقينًا أننا أكثر ميلًا للوثوق بالمعلومات -خاصة إن كانت جديدة- عندما نشعر أننا حصّلناها في سياق علاقة ما. ولهذا السبب عندما تذهب إلى المكتبة للبحث عن إجابة وتبوء جميع محاولاتك بالفشل، ما الذي تفعله؟ تلجأ إلى أمين المكتبة، أليس كذلك؟ ذلك لأن ما نريده هو إنسان يساعدنا في فهم ما نجهله.
SparkNotes لا يشكّل هذا الخطر، فأنت تعلم أن الكتاب ليس شيئًا تفاعليًا، وتعي أنه ليس المفترض أن تثق به بالضرورة كما تثق في المعلم أو أمين المكتبة.
أعتقد أن خطر الذكاء الاصطناعي يكمن في أنه يغلّف ما هو في الأساس مجرد ملخصات للتفسيرات الشائعة للنص، لكنه يقدمها بطريقة توحي بوجود علاقة شخصية.
ولهذا السبب نسمع تلك القصص المرعبة -مع الإقرار بأنها ما زالت نادرة- عن أشخاص يظنون أنهم وقعوا في حب الذكاء الاصطناعي أو أعادوا إحياء شخص عزيز في هيئة ذكاء اصطناعي.
الخطر هنا هو أن ذهنك لا يُحسن التمييز بين صوت الآلة والصوت البشري.
أرى أن هذه آلية مختلفة تمامًا لتقديم المعلومات لم يثبت الذكاء الاصطناعي أهليته لها، الذكاء الاصطناعي لا يستحق تلك الثقة التي نوليها للبشر عندما نتلقى منه المعلومات.
شارك الصفحة
المزيد من الحوارات

إطلاق عنان "العبقرية الداخلية": خمسة أسئلة لديفيد آدم
لم يعد يرضى الجيل الجديد من العلماء بمجرد مراقبة نشاط الدماغ ووصفه

لا تنقطع عن التعلم: حوار مع المؤلف برادلي آر ستاتس
لا بد أنك على علم بأن التعلم المستمر ضروري للمواكبة والترقّي

حوار مع جيمس بوسكيت
حول إعادة تأطير تاريخ العلوم
