إنَّنا حين نبكي، نكونُ في أحيانٍ فرحين، ونبكي في أحيانٍ أخرى حُزنًا وألمًا، نبكي عند الولادةِ وعند الوداع، وفي غيرها من الظروف، ولكن، هل تساءَلنا يومًا لماذا نبكي؟ وهل كان للبكاء المعنى ذاته دائمًا؟ وهل للبكاء الدلالات نفسها في كلِّ الثقافات والسياقات والعصور؟ كتابُ تاريخ البكاء، هو كتابٌ موسوعي، وعملٌ مُتفنن بحق، يتتبع فيه "توم لوتز"، تاريخ الدموع من زوايا متعدّدة.
لا يكتفي لوتز بالسرد، بل يضعُ البكاء على طاولةِ التشريح، كاشفًا عن أدواره المتشابكة في تشكيلِ التجربة الإنسانيّة، إنّهُ كتاب يُعبر عن عاطفةٍ مألوفة لكنّها غامضة، وعن فعلٍ يبدو بسيطًا لكنّه مُعقدٌ جدًا.

إنَّ هذا الكتاب، بحقٍ، يعدُّ عملاً فريدًا من حيث عنوانه وموضوعه وطريقة طرحه، حيث يتناول ظاهرة البكاء من منظور شامل يجمعُ بين روافدَ متعددةٍ، كعلم وظائف الأعضاء والفسيولوجيا وعلم النفس والاجتماع والتاريخ والفلسفة والأدب والنقد والدراسات الثقافية، وهذا ما جعله نموذجًا حقيقيًّا للدراسات البينية.
وينطلقُ المؤلف من سؤالٍ ضمني طرحه سابقًا، "رولان بارت"، عمّن يستطيعُ أن يقدّمَ جوابًا شافيًا عن هذا الموضوع، أعني موضوع البكاء والنحيب.
ومن أهمّ ما يُميز هذا الكتاب، الأسلوب الانفعالي للمؤلف، حيث يميلُ لِمن سمّاهم: البُكاة، فتجد في هذا الكتاب لَمسة عاطفية لا يُمكن للقارئ ألّا يستشعرها، ويكمُن عمل المؤلف حقًّا، في قدرته على جعل هذا العمل تاريخيًّا ومُعاصرًا في الوقت ذاته، أيْ على الرغمِ من كونها دراسة تاريخية، لم يُغفل الجانب المُعاصر والواقعي إطلاقًا.
يبدأُ الكاتب نصه كإجابةٍ عن تساؤلٍ مُباشر: (لمَ الدموع؟)، ويعبرُ عن دهشةٍ سببها أنَّنا، رغم معرفتنا بالبكاء كمظهرٍ، ورُبما كأسبابٍ، إلا أنَّنا نجهلُ حقًّا كيفية البكاء على الأقلِ، من الناحية الفسيولوجية، ورغم كلَّ شيء، لا يوجد كائن يبكي وينتحب من أجل أسباب عاطفية ومعنوية كالإنسان.
رغم اشتراك بعض الكائنات الأخرى في الفعلِ نفسه، أيْ البكاء، إلا أنَّنا نَجِد الأسباب عندها أقلُ تنوعًا وغرابةً، حيثُ تعبرُ دموع الناس عن رغباتٍ مُعقدة ومُتناقضة، فنحنُ نبكي، أحيانًا، لنشعر بالتحسن، ونبكي لنتطهر، ونبكي ندمًا، وفرحًا، وألمًا، ورغبةً في التحرّر، وانسحابًا، إلى ما هُنالك من الأسباب الكثيرة والخاصة بكلِّ إنسانٍ.
أبعاد البكاء :
يستعرضُ المؤلف الوظائف البيولوجية للبكاء عند الإنسان، مُوضحًا الفرق بين الدموع القاعدية، التي ترطب العين، والدموع الانفعالية المرتبطة بالعاطفة، كما يُناقش الآراء الطبية والعلمية التي تناولت البكاء كاستجابة فيزيولوجية وبيولوجية، بدءًا من التصوّرات الطبية في العصور القديمة إلى دراسات علم النفس العصبي الحديثة.
ويكشفُ لوتز معنى البكاء من ثقافة إلى أخرى، ومن عصرٍ إلى آخر، ففي بعض المُجتمعات يُعد البكاء دليلًا على النُبل والصَفاء الروحي، بينما يُنظر إليه كعلامة ضعف أو نقص في الرجولة في ثقافات أخرى، وللدموع معانٍ مختلفةٌ بحسب الاعتبارات المختلفة:
- ففي الديانات: ترتبط، غالبًا، بالتوبة والخشية والعشق والتمجيد الإلهي، حيث يقولُ لوتز:"في التجريةِ الدينية، لا تكون الدموع فقط علامة حُزن، بل وسيلة للوصول إلى الحق، وشهادة على القرب من المقدس".
- وفي الأدب: خصوصًا في الروايات والشِّعر، حيث يُستخدم البكاء كأداة درامية، ووسيلة تأثيرية، في هذا الصدد يقولُ: "حين تُقال الكلمة في السياق الصحيح، تصبح مادة محفزة للدموع، كأنها تلامس غدد الدمع مباشرة".
- وفي السياسة والخطاب العام: حيث قد يُوظف البكاء للتأثير أو كوسيلةِ إقناع جماهيري، يقولُ: "حين يبكي زعيم أمام الكاميرا، فإن الدموع لا تكون صادقة دائمًا، لكنها تكون مدروسة".
كما يركّز المؤلف على التحولات في التعبير عن المشاعر عبر العصور، حيث يلتفت علماء النفس وعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيا تلك التحولات والنظرات التي تكتنف موضوع البكاء، فلقد تحول البكاء العلني في القرون الوسطى وعصر الباروك، إلى الكبت العاطفي في عصر التنوير، وظهرت ثقافة التحفُظ في العصر الفيكتوري، ثم تحوّلت في القرن العشرين، حيث أصبحت الدموع الشخصية تُفهم كنوع من الصدق العاطفي أو وسيلة للعلاجِ الذاتي.
البكاء والجندر :
يتحدث لوتز عن البكاء وعلاقته بالهوية الجندرية، ويطرح أسئلةً عدّة، منها: كيف يُسمح للنساء بالبكاء أكثر من الرجال اجتماعيًا؟ وهل هذا متعلق بطبيعة بيولوجية أم نتاج لتربية ثقافيّة؟ فقد البكاء الطبيعي والمقبول، من سماتِ النساء، وأما الرجل الذي يبكي، فغالبًا ما يُنظر إليه على أنّه ضعيف أو غير مُتماسك أو غير رُجولي.
ويحلّل لوتز هذا الموقف باعتباره نتاجًا لأدوار اجتماعية موروثة، وليس بسبب اختلاف بيولوجي جوهري، قائلًا: "إنِّنا نبكي أحيانًا لأنَّنا مدعوون للبكاء، لأنَّ الدور الاجتماعي يتطلبه، وليس لأنَّ العاطفة الحقيقية تَلُح علينا"، وفي كلامه إشارة إلى البكاء الذي قد يُضطر إليه في المناسبات الحزينة.
يشرحُ لوتز كيف أنَّ الرجال، في عصورٍ سابقة، مثل الفرسان في العصور الوسطى أو حتى رجال الدين في العصور المسيحية المبكرة، كان يُشجعون أحيانًا على البكاء، كدليل على التقوى أو الشجاعة الأخلاقية. ثم جاءت العصور الحديثة، خاصةً عصر التنوير والعقلانية، حيث بدأ قمعُ البكاء عند الرجال بوصفه غير عقلاني، وغير لائق بالرجولة الحديثة.
يقولُ لوتز: "البكاء علامة ضعف عند الرجال، ولكنه تعبيرٌ رقيق عند النساء، هذه أسطورة الجندر التي ندفع ثمنها نفسيًّا".
ولم يكتفِ لوتز بالإشارة إلى أنَّ النساء هنَّ من يُسمح لهنَّ بالبكاء أكثر من الرجال، بل ويُحلل كيف أنَّ البكاء باتَ جزءًا من هوية الأنثى في المخيال الاجتماعي، ويُستخدم أحيانًا لتأكيد الصدق أو لطلب التعاطف، ويقولُ: "إنَّ الدموع العاطفية هي ما يجعل الإنسان مخلوقًا اجتماعيًّا، فهي ليست استجابة بقدر ما هي رسالة". لكنهُ أيضًا، يحذّر من شيطنة دموع النساء، إذ يرى أنَّ الثقافة الشعبية والأنظمة الأبوية قد تستخدم بكاء المرأة لتجريدها من العقلانية، أو لتصويرها ككائن هستيري أو ضعيف.
إجمالًا، إنَّ الكتاب موسوعي في طرحه، يجمعُ بين التأريخ والتحليل الثقافي، ويُضيء جانبًا إنسانيًا عميقًا طالما تم تجاهله، وهو دموع الإنسان، لماذا تنهمر، ومتى تُعد فضيلة أو عبئًا، وقد امتزج أسلوب الكاتب بين العمُق الأكاديمي والطابع السردي، مِمّا يجعله مُناسبًا للقراء العامين والباحثين المهتمين بالتاريخ الثقافي والعاطفة البشرية.
وما أرادهُ الكاتب، هو محاولة لإثباتِ أشياء كثيرة، منها أنَّ البكاء الحقيقي غير المصطنع سلاح قوي، ولا يدل على الضعف إطلاقًا، بل يدل على قوةِ شعورٍ، وعلوٍ في الإحساسِ، وصدقٍ في العاطفة: "البكاءُ لا يعني العجز، بل يعني أنك ما زلت تسمعُ العالم وتستجيب له، دموعك تقول إنك لستَ من حجر".
شارك الصفحة
المزيد من المراجعات

لماذا يستسلم عقلك لدوّامات الأفكار؟ وكيف تتحرر منها؟
إن الأنماط التي اعتدتها من الاجترار تستحق منك أن تتأملها بلطف وتفهمها عوضًا عن جلد ذاتك أو الشعور بالخزي

سلطان الجموع: مراجعة لكتاب صناعة السمعة في الشهرة الرقمية
وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا لا يبدو التصوّر الذي كان يحمله أبناء تلك الأجيال مقاربًا لما أصبحنا نتصوّره في عهودنا القريبة حول وسائل التواصل

ما لا ينبغي للمقارِن جهله: مراجعة لكتاب الأدب المقارن
محمد ناصر الكُربْي
