كتابة: جين بندي
"الكتابة الأكاديمية: حين يكون القارئ محور الاهتمام" كتاب من تأليف ليونارد كاسوتو، يتناول موضوع الكتابة العلمية، دون أن يغفل أهمية الوضوح والأسلوب الجذاب. تنطبق توصيات هذا الكتاب على كافة أشكال الكتابة، بما في ذلك مجلات أخبار المشاهير التي قد تصادفها عند منصة دفع الحساب في المتجر. يطرح كاسوتو تساؤلًا جوهريًا: "لِم تكتب شيئًا لن ترغب أنت نفسك في قراءته؟" نشأ العديد من الكتّاب، وأنا منهم، على تعليمات صارمة بعدم إقحام أنفسهم في كتابتهم أبدًا، غير أن كاسوتو يعقب على ذلك بقوله "إن القاعدة العامة ضد استخدام ضمير المتكلم (أنا) قاعدة فاسدة… فأنت هو المتحدث لا أحد غيرك" وبناءً عليه، فهو يجيز للكاتب تضمين ضمير المتكلم أثناء التأليف، خاصة عند نقد المعارض الفنية حيث يغدو صوت الكاتب العنصر الأساسي. فيما يلي قبس من نصائح كاسوتو مرفقة مع تعليقي عليها.

يقول كاسوتو: "حين لا يستمتع القارئ العادي بما يقرأ، فإنه يدع الكتاب أو المقالة وينشغل بشيء آخر أو ربما يذهب للعب البولينغ". كثير من المجلدات الأكاديمية تأخذ القرّاء إلى تفرعات وتفاصيل شتى وتطيل في ذلك دون أن تبين متى العودة إلى المسار الرئيسي، مما يصرف القارئ سريعًا عن النص. إن العبارة الواردة في المسرحية الغنائية Once Upon a Mattress (1959) "قد تميز السيدة من مظهرها الأنيق، لكن الأميرة الأصيلة نادرة للغاية" تنطبق على فن السرد. فالكتابة الحسنة، "كالأميرة الأصيلة"، نادرة الوجود وسط هذا الكم الهائل من الكتابات الرنانة والمبتذلة.
قد تتضمن الصياغة مفاهيم غامضة متراصة بعضها فوق بعض، فلا يرى القارئ في الورقة سوى جلسة تفاخر يستعرض فيها المؤلف براعته وذكاءه. والكتّاب المولعون بالسخرية يعلمون مدى سهولة الاستعانة بويكيبيديا لاستيفاء المعلومات المهملة. وفقًا لكاسوتو، فإن "المجرد والملموس يحتاج كل منهما الآخر… فالمجرد ينظم الفكر، بينما يوضحه الملموس بضرب الأمثل"، لذا وجب على الكاتب تحقيق توازن بينهما لتعزيز اهتمام القارئ وتيسير فهم النص. إليك مثالًا: لا تكتف بالتأمل النظري في شخصية سيزان الذي تشكل كتل ألوانه المكدسة لوحةً طبيعية، وتدّعي أنها تثير شجونك، بل سلط الضوء على لوحة بعينها ووضح العلاقة بين أحجام كتل الألوان، لتتجاوز في بحثك الكم الهائل من النقاد الذين حللوا رفضه للمنظور وشخصيته الحادة.
من صور المغالطات أيضًا كتابة المقالات الطويلة للغاية بغرض إثبات عبقرية الكاتب: "يتسم أكثر الكتابات الأكاديمية بالإسهاب والتضخم… والكتاب الأكاديميون الذين يتحاشون العبارات البسيطة ينتجون فقرات متشابكة تتطلب من القارئ جهدًا شاقًا لتفكيك الإشكالات والغموض". تحظى المقالات الطويلة في المساقات الجامعية بدرجات أعلى من المقالات القصيرة والمحكمة، ونتيجة لذلك يخرج الخريجون إلى الواقع ليمطرونا بوابل من الكتابات الغثة الركيكة. وهنا يوصي كاسوتو الكاتب: "اعصر نصّك حتى تستخرج منه الحشو والزوائد" من يدري لعل العالم الأكاديمي يدرك يومًا أن العبرة بالجودة لا بالكم.
يؤكد كاسوتو على أهمية "عرض أطروحتك في البداية، مع بيان كيف ستتدرج في عرض حجتك". وبحكم عملي في هيئة تحرير مجلة AICA الإلكترونية، فإني أطالع مقالات لكتّاب من شتى أنحاء العالم، وأرى أن تضمين ورقة واحدة موضوعات عديدة من أكثر الأخطاء شيوعًا بين الكتّاب، إذ يبدأ الكتّاب بمعالجة موضوع معين، ثم في منتصف المقالة يقحمون موضوعًا آخر، والذي يسقط ويُهمل غالبًا قبل الوصول إلى الخاتمة. يقترح كاسوتو أن "تطور فكرة بدمجها في أخرى… [و/أو] أبرز التباين بينهما". لا بأس بإدخال موضوع جديد يخدم مسار سردك، شريطة أن توضح سبب تضمينه، وتذكر جميع الموضوعات في الفقرة الختامية.
يتساءل كاسوتو "ما الذي يحتاج القارئ معرفته حتى يستوعب حجتك؟ وما الوقت الأنسب لذلك؟". يمكن الاستهلال بفقرة تمهيدية مشوقة تسبق فقرة الأطروحة وتعطي القارئ لمحة لما هو آت. ويرى أنه "من الانتقالات الموثوقة: تكرار كلمة أو عبارة من ختام فقرة ما قرب بداية الفقرة التي تليها". غير أن ذلك يتطلب الحذر والدقة، لأن كثرة التكرار توهن النص وتجعله مملًا. حتى الصحف الخفيفة تحتاج إلى تدفق سلس لكي يستطيع القارئ متابعة آخر أخبار الفن والمشاهير.
يوضح كاسوتو أن "الإشارات السياقية الجيدة توضح وضع حجتك في أي مرحلة من المقالة"، كما قد تساعد القارئ في التعرف على أي تغيير قادم في السرد، مما يبقيه مندمجًا ويغنيه عن اللجوء إلى محركات البحث لفهم النص. ويرى أيضًا أن "الفواصل والعناوين الفرعية توفر محطات يستريح فيها القراء ليعيدوا النظر فيما قرأوه"، فإضافة عناوين فرعية بخط بارز داخل الفصل تحول دون تشتيت القارئ، وتفيد مَن يرغب في العودة إلى فقرات معينة.
إن الكتابة المعقدة، على أهميتها في مجالات متخصصة بعينها، فلا بد أيضًا من حسن صياغتها. يتأمل كاسوتو في ذلك "قد تكون مسافرًا عبر تضاريس وعرة يتخللها العديد من المنعطفات والطرق الملتوية. في تلك الحالة يحسن أن تنبه الراكب مسبقًا، حتى يهيأ نفسه ولا يتأرجح يمنة ويسرة". ولئن كان حسنًا أن تدفع نفسك لاستكشاف ساحات أشد تعقيدًا، فاحذر من الولوج فيما لا خبرة لك فيه، لأن القرّاء ماهرون في كشف الزيف والادعاء. على سبيل المثال، شاع في الآونة الأخيرة أن ينسّق الفنانون مع العلماء مشروعات مشتركة، ومع ذلك يجب أن يعتني كل طرف مشارك بما يقع في نطاق خبرته.
مما يوصي به كاسوتو: "اكتب لتنال انتباه القارئ". نعم أنت لست مسؤولًا عن إرضاء جميع القراء، لكنك ملزم بالكتابة بإيجاز ووضوح. ومع ذلك قد ترغب في مخاطبة جمهور بعينه، فمثلًا مؤلفو كتب الطهي وهواة الأنشطة الخارجية يميلون إلى إمتاع القراء. تنبه إلى أن منصات مثل أمازون، أو متاجر المطارات تحكم شهرة الكاتب. ولذلك ينبغي أن تستوفي البحث، فكثير من الكتب رفيعة المستوى راقية الأسلوب تُحرم من الانتشار أو التقييمات العالية. وبالمثل، فإن قبول نشر كتابتك في مجلة مرموقة يعد إنجازًا بحد ذاته. بيد أن بناء قاعدة جماهيرية في الصحافة الشعبية تصحبه جوانب سلبية، كالالتزام بقواعد التحرير الصارمة التي قد تكبح الإبداعية. من الحكمة أن تتبين معالم المشهد الذي تتحرك فيه، ثم تحدد إن كان السعي في هذه المساحة يستحق أم لا، مع الأخذ في الاعتبار طبيعة الشهرة التي قد تنالها. يؤكد كاسوتو على أنك "قد تكون معتبرًا، وقد لا تكون، لكنك لن تحظى بالاحترام أبدًا لو تقاعست عن أداء مهمتك". على الكاتب أن يتحلى الثقة، فالمشككين يتربصون في كل خطوة.
يقول كاسوتو إننا "ننشأ على الاقتباس لكونه أكثر الطرق مباشرة لإضفاء المصداقية والقوة على النص". طالما كان الاستشهاد بالنصوص وسيلة ممتازة لإطالة الورقة البحثية، خاصة عندما يصعب تفكيك موضوع الدراسة في النطاق الزمني المتاح. غير أن كاسوتو يوصي الكاتب "لا تقتبس قولًا يكرر المضمون الذي صغته للتو". هذه ساحة أخرى تتطلب براعة، لأنك قد تريد التحصن برأي خبير ليعضد ما وصلت إليه، وبالتالي فقد تتشابه عبارتك مع العبارة المستعارة. هنا يحسن أن تتذكر ما يختتم به "متى ما اقتبست فأنت تعطي الميكروفون لشخص آخر ليُسمع صوته".
يقول كاسوتو "يتعين عليك الإقرار بالحجة المضادة حتى تكون مقنعًا تمامًا". ومع أن هذا أمر مسلم به في الكتابة الأكاديمية، فإن استخدام أسلوب جدلي، حتى في الصحافة الشعبية، كفيل بإضفاء الإثارة والحيوية على المقالة. في فيلم رجل الموسيقى ينشئ روبرت بريستون فرقة موسيقية بالاعتماد على جاذبيته الشخصية، فرغم أنه لم يتعلم الموسيقى، فإنه يترنم بأسلوب ساحر عن أهمية النغمة المعاكسة في النوتة الموسيقية. النغمة المعاكسة والحجج المضادة كلاهما كالملح في الطعام، يضفيان قوة على الموسيقى وعلى الكلمات، مع الإقرار بأن الملحنين والمؤلفين ليسوا حمقى، بل مستعدين للمعركة. وكما الحال في اللوحات الفنية، فالألوان الداكنة هي التي تُبرز الألوان الأساسية.
إن الايقاع أحد المقومات التي أفضلها في الكتابة الرصينة، ومن اقتراحات كاسوتو "التنويع بين الجمل القصيرة والجمل الطويلة لتكوين إيقاع موسيقي". وأضيف أن التنوع في أطوال الكلمات ومفرداتها ينشئ إيقاعًا أيضًا.
يشجع كاسوتو الكاتب "لا تخش من كسر القواعد، طالما أن ذلك يخدم غايتك". وبناءً عليه، فعلامات الترقيم الفواصل قابلة للتغيير والتبديل، ومؤخرًا تعرضت القواعد النحوية للهجوم إذ يعدها البعض الآن إرثًا استعماريًا. وإني بصفتي محررة أرى الكتاب المتقنين لا يمانعون في استخدام القواعد النحوية السليمة، وينبهون القراء عند استخدام العامية.
يعد الاستغلاق على الكاتب إحدى المشكلات الشائعة، ومن وصايا كاسوتو لعلاجه "أوصيك بالتخطيط لمهمة الكتابة التي بين يديك بالكتابة الفعلية، لا بمجرد التفكير والتأمل قبل أن تجلس على مكتبك"، كما يدعو شعار نايكي "افعلها وحسب". ولئن كان صحيحًا أن من حلول الاستغلاق القفز مباشرة إلى النص، فإن بلورة الورقة أثناء الاستحمام يجدي معي. كما أني أبدل بين الكتابة والرسم، إذ يستحسن التنويع بين عدة منافذ إبداعية. والكتابة على الحاسوب ممتازة في تحريك الجمل، لكن طباعة المقالة تساعد على جلاء الأخطاء. كما أن مناقشة المقالة مع صديق وطلب ملاحظاته وتعليقاته أمر مفيد. وقد وجدت أنه إذا بدت إيقاع المسودة غير متناسقة، فهي كذلك غالبًا، ويغدو التعديل أيسر حين تكون المسودة متماسكة. أتفق أنا وكاسوتو على مبدأ: خصص وقتًا لإعادة الصياغة واحتفظ بالمواد الزائدة للاستعانة بها في مقالة أخرى.
يقول كاسوتو لا تكتف بـ "التكرار الآلي لما ذكر في المقدمة… بل يجب أن تكون الخاتمة إضافة جديدة". تتمثل مهمتك في تلخيص محاور النص بإيجاز، مع الختم بلمسة مختلفة، لكن لا تفتح موضوعًا لا تستطيع إنهاءه، إلا إن كنت تعتزم كتابة جزء ثان. على حد تعبير جورج إم. كوهان "اجعلهم يبتسمون عندما تقول وداعًا (1903)".
شارك الصفحة
المزيد من المراجعات

مفهومك عن العبقرية ليس في محله
كلما زاد إتقان المرء لأمر ما قلّ الجهد الذي يحس به، فيتوهم أن السهولة دليل على البساطة.

مسيرة التفكير إلى محطّة الشكّ!
قد يَرِد إلى ذهن المتلقّي أن في تقعيد الحياة بإملاءاتٍ يفرضها الإنسان على نفسه قدرًا من التعقيد الذي يصيب نمط الحياة بالشلل.

المضادات الميمية: لماذا تقاوم بعض الأفكار الانتشار؟
توق الميمات للمشاركة والانتشار، فعندما نصادف ميمًا مستحسنًا، فإن رغبتنا الفطرية الأولى هي نقله إلى شخص آخر.
