من الصعب أن تبحث في ذاكرتك عن أول تلاوة متقنة وجميلة سمعتها في حياتك لا يكون مصدرها مذياع جدتك أو والدتك، وكذلك كانت ذكراي الأولى مع التلاوات حين كنت وقفت مندهشًا من الطمأنينة التي دهمتني وأنا أستمع بالمصادفة لصوت الشيخ عبد الله خياط رحمه الله من مذياع جدتي حين أرسلتني لأحضر دواءها، فلبثت واقفًا أنصت لآي الكتاب.
حين يقرأ الشيخ عبد الله خياط تسمع هديل حمام الحرم، وتنبعث في عينيك حمرة أخّاذة، منبعها ذكريات رواق المطاف القديم، ولون قناديله، وسجاده الأحمر، وحاويات ماء زمزم البرتقالية، ورفوف المصاحف المذهّبة، وتستطعم عذوبة ماء زمزم، وتشم رائحته القديمة (هل توافقوني حين أقول بأنه كان لماء زمزم رائحة؟ أم أنها ذاكرتي المخاتلة؟)، وأريج البخور والمستكة والعود والورد الطائفي، وتكاد تتحسس برودة رخام الحرم تحت قدميك!
أيُّ نعمةٍ منحنا الله حين حفظت التسجيلات هذا الكنز الوافر من التلاوات المتقنة! ولعل فضل ذلك يعود في جانب منه إلى انطلاق البث الإذاعي، وإلى تقليد ابتكره محررو الإذاعات الأوائل، يقضي بأن تُستهل البرامج بتلاوة لكبار القراء، مثلما يحكي الأستاذ هيثم أبو زيد في كتابه "التلاوة المصرية: قصة التوهج ومسارات الانطفاء"، الصادر عن دار العين هذا العام، في أكثر من ثلاثمئة صفحة.

فحين انطلق بث الإذاعة المصرية بالقاهرة عام 1934م، اختارت أن تستفتح برامجها بتلاوة للقارئ محمد رفعت رحمه الله، فقرأ من أول سورة الفتح. ثم غدا هذا التقليد سمةً للإذاعات العربية، من الخليج إلى المحيط، وامتد إلى إذاعات إسلامية في أنحاء العالم.
يتناول الكتاب فن التلاوة الذي ظلت لمصر فيه الريادة، رغم ما مرّ به من تحولات وتحديات؛ فقد ارتبطت أصوات قرائها بتفاصيل الحياة اليومية للناس؛ في بيوتهم وأعمالهم وتنقلاتهم وأفراحهم ومآتمهم، ويعبّر هيثم أبو زيد عن ذلك بتوضح أن التلاوة المصرية: «تطورت لتغدو تعبيرًا عن هوية ثقافية مصرية ذات بعد إسلامي جامع. وقد حمل صوت القارئ في مصر ما يتجاوز المحتوى النصي للقرآن، ليصبح تجسيدًا للصوت الجمعي الذي يُمثل المخيال الديني للأمة».
يبحث الكتاب في أسرار هذه العبقرية الفنية التي جادت بها مصر للعالم الإسلامي؛ فيتقصّى خصائص التلاوة عند روّادها، وينقّب عن العناصر التي جمعت بينهم على اختلاف مسالكهم، حيث مضى المؤلف في ذلك بصبر دؤوب، استمع خلاله إلى خمس مصاحف كاملة، فضلًا عن عشرات التلاوات الأخرى، ثم رسم المسارات المؤسفة التي أفضت إلى تفريط المسؤولين في مقومات هذه العبقرية، وما ترتب عليه من أفولها، ومقترحًا خريطة لاستعادة الريادة المصرية، مدعومة بنماذج استرشادية.
لكنني كنت أنهب الصفحات باحثًا عن المنشاوي!
عصر الاحتجاج
يتخذ هيثم أبو زيد من مفهوم "عصر الاحتجاج" المعروف في دراسات العربية أداةً لتحديد المعايير التي تقوم عليها التلاوة المصرية، فيرجع إلى القراء الذين اعتمدتهم الإذاعة المصرية منذ تأسيسها حتى منتصف خمسينيات القرن الماضي، ويرى في ممارساتهم النموذج الذي استقر عليه هذا الفن.
ويضم هذا الجيل قائمة من الأعلام، تبدأ بالشيخ محمد رفعت وتنتهي بالشيخ محمد صديق المنشاوي، وتتوسطها أسماء كبيرة، منها عبد الفتاح الشعشاعي، وعلي محمود، وطه الفشني، وأبو العينين شعيشع، ومصطفى إسماعيل، وكامل البهتيمي، ومحمود خليل الحصري، ومحمود علي البنا، وعبد الباسط عبد الصمد، وغيرهم من القراء الذين أسهموا في تشكيل ملامح المدرسة المصرية، رحمهم الله جميعًا.
ويختار المؤلف عشرة قراء من هذه القائمة ليتقصّى أسرار أدائهم في فصلين، ثم يفرد فصلًا ثالثًا لعبقرية مصطفى إسماعيل. أما أنا فكنت أبحث عن المنشاوي تحديدًا؛ أردت من الكتاب أن يكشف لي سرّ ذلك الأثر الذي تتركه تلاوته في نفسي، وأن يمنحني لغةً أفهم بها هذه الصلة التي تبدو لي أعمق من مجرد الإعجاب بصوت جميل.
كان أستاذي في الصف الأول الابتدائي يعلمنا القرآن بأشرطة "المصحف المعلم" لمحمود خليل الحصري، وكانت تسجيلات "المصحف المرتل" لعبد الباسط عبد الصمد وعلي الحذيفي تملأ البيوت والسيارات، أما أنا فكنت أترقب تلاوات المنشاوي، وقد وجدت في صوته دفئًا وعذوبةً استقرّا في روحي، فأفرح كلما باغتتني تلاوته مصادفةً عبر الإذاعة، أو سمعتها من قناة المجد للقرآن الكريم، ولا سيما في برنامج "تلاوات نادرة"، الذي كان يتيح لنا الاستماع إلى تسجيلات من الحفلات، لا المصاحف المرتلة والمجودة.
وكم فرحت حين وجدت المؤلف يؤكد على صدق انطباعي بأني أحببت المنشاوي لخلو صوته من الحدة التي أجدها عند غيره، فهو يقول عن صوته: «وموهبة المنشاوي كانت كبيرة واستثنائية: صوت آسر، عريض، خال تماما من الحدة، دافئ القرار، درجاته الخفيضة غنية بالعُرب، وهذا أمر نادر جدا، وفي بعض التسجيلات اقترب صوت الشيخ من مساحة ديوانين».
وحين قدم المنشاوي إلى القاهرة، كانت الساحة تعج بأصوات فريدة صنعت لكل منها مكانةً وجمهورًا، لكن موهبته الاستثنائية التي صقلها وأحسن توظيفها سرعان ما استقطبت جمهورًا وجد في تلاوته شيئًا يتجاوز براعة الأداء وجمال الصوت، جمهورًا يبحث عن طمأنينة تسري في النفس، وخشوع يصعب ردّه إلى عناصر فنية محددة.
وهذا ما يلتقطه أبو زيد حين يكتب: «صحيح أن الصوت أحد أهم مكونات التلاوة القرآنية، لكن الشيخ المنشاوي كان من القراء الذين استطاعوا أن يربطوا بين الصوت والإنسانية بطرق غير تقليدية»، ثم يمضي في وصف تلك الصلة التي أقامها المنشاوي بين صوته ومستمعيه، حتى غدت تلاوته رسالةً عاطفية تتجاوز الأداء الفني، وتلامس في الإنسان شيئًا من أعماقه، وتفتح له بابًا إلى لحظات من الخشوع، فيكون المستمع حين يُنصت إلى المنشاوي وكأنه في مناجاة مع الله.
يقول الأستاذ هيثم في وصف المصحف المرتل للشيخ المنشاوي:
«يحافظ المنشاوي في ترتيله على صفاء النبرة وخلوها من التعقيد المفرط، مع الاحتفاظ بثراء المقام وتفاصيل الأداء. هذه المعادلة الدقيقة تمنحه قدرة على الوصول إلى جمهور واسع، من المتخصصين الذين يلتقطون دقائق البناء المقامي، إلى عامة المستمعين الذين يتذوقون النبرة العاطفية المباشرة. هذا التوازن بين البساطة والعمق هو ما يمنح ترتيله خلوده، ويجعله قادرًا على التأثير في أجيال متعاقبة دون أن يفقد قيمته الفنية أو رسالته الروحية».
هراء صوتي
لن تجد في الكتاب حكايات مطوّلة عن نشأة القراء وحياتهم الشخصية، إلا بالقدر الذي يقتضيه السياق؛ فاهتمام المؤلف منصب بالدرجة الأولى على فن التلاوة نفسه، وتشريح عناصره الفنية، من المقامات، وخصائص الأصوات قوةً وجمالًا، إلى إحكام التجويد، والتلاوة بالقراءات العشر.
ومن تآلف هذه العناصر وتكاملها تشكّلت المدرسة المصرية، حتى غدت فنًّا له ملامحه وجمالياته الخاصة، وهو ما يلخصه هيثم أبو زيد بقوله: «ومن هنا نشأت الطبيعة الخاصة لجماليات التلاوة: فهي فعل تعبدي لا ينفصل عن كونه ممارسة صوتية ذات قدرة على الإمتاع والتأثير».
حين تتصفح جديد الإصدارات في دور النشر، ستجد كتبًا كثيرة تستعيد سير القراء، وتوثّق حكاياتهم وتجاربهم، وتتوقف عند جماليات أدائهم وخصائصه الفنية. وقد يبدو هذا الزخم علامةً على ازدهار فن التلاوة المصرية، لكنه أقرب إلى توثيق منجز حقبة بلغت مداها، وأخذت تنحسر، حتى غدت الكتابات تستعيد أمجاد الفن أكثر مما تواكب تجددها.
فقد دخلت التلاوة المصرية مرحلة اختلطت فيها المعايير الفنية بالألقاب والشعارات، وكثر الحديث عن المقامات وأسمائها دون إدراك لبنيتها، وترابطها، وكيفية توظيفها في نسيج التلاوة، فغلب الاهتمام بالاستعراض اللحني على العناية بجمال الأداء ووقاره.
ويتتبع أبو زيد مسارات هذا الانحسار، ويرد بدايتها إلى تخفيف مسؤولي الإذاعة شروط اختيار القراء واعتمادهم، وهي شروط أسهمت في فرز المواهب، وصقل قدراتها الفنية، وحماية التلاوة من الانزلاق إلى المبالغة والصياح، أو محاكاة الأداء الغنائي على حساب جلال القرآن الكريم.
ويضيف إلى ذلك غياب البيئة النقدية الواعية، واتساع مساحة المجاملات والمصالح المادية، حتى تصدّر المشهد من يفتقرون إلى أدوات النقد، وأصبح تسويق القراء وتوجيه أذواق الجمهور محكومًا بانطباعات شخصية وأحكام عابرة.
ومن هنا يرى المؤلف أن استعادة الريادة تبدأ بإعادة الاعتبار للناقد المتخصص، الذي يجمع أربعة علوم: التجويد والقراءات، وعلم الصوت، والموسيقى، ومعرفة خصائص المدرسة المصرية، ويقول: «إن أخطر ما يواجه أي حراك إصلاحي في ميدان التلاوة ليس وجود الرداءة في الأداء فحسب، بل أن يتصدر لمواجهتها من يفتقدون الأدوات التي تمكّنهم من التمييز بين الأداء السليم والمعيب».
ويحذّر من أن النقد القائم على الانطباعات الشخصية، دون معرفة فنية، لا يثمر إلا أحكامًا عشوائية؛ فثمة فارق بين أن تستحسن تلاوة أو تستثقلها، وأن تصدر حكمًا نقديًا على أدائها، وحين يضيع هذا الفارق، يتحول النقد إلى «مجرد هراء صوتي».
درسٌ اسمه محمود عبد الحكم
تعرّفت إلى صوت الشيخ محمود عبد الحكم مصادفة حين فتحت قناة القرآن الكريم، التي تبث مشاهد الحرم المكي على مدار اليوم، وتتخللها تلاوات لكبار قراء العالم الإسلامي. استوقفني صوته الثقيل الرصين، صوت لا يفاجئك بانعطاف حاد، ولا يستدرجك إلى ترقب تحول مقامي مبهر، وإنما يمضي في تلاوته بهدوء وانسياب. ثم صار رفيقًا لرحلاتي بين جدة ومكة أيام دراستي الجامعية، أستمع إليه في الطريق، فيخفف عن قلبي أثقال الدراسة ومشاغل الأيام، ويملأ وحشة المسافة بأنس وسكينة يصعب وصفهما.
وأحببت أن هيثم أبو زيد اتخذ من تلاوة الشيخ عبد الحكم نموذجًا يقدمه للقراء الشباب، الذين قد تستهوي بعضهم المسارات الأدائية الصعبة، والقفلات الحادة، والتفنن المقامي الذي ينتهي أحيانًا إلى استعراض المهارة الصوتية على حساب روح التلاوة. ويطرح المؤلف السؤال الصعب: كيف حاز عبد الحكم مكانته بين كبار القراء، مع أنه لم يمتلك الصوت بالغ القوة، ولا كان من أصحاب القفلات التي تنتزع صيحات الإعجاب، أو أهل الإبهار النغمي؟
يرى أبو زيد أن سر ذلك يكمن في معرفة عبد الحكم الدقيقة بإمكاناته الصوتية، وإحسانه توظيفها، فقد عرف حدود صوته، واختار المساحات التي تلائم طبيعته، حتى غدا قراره العميق الدافئ من أحب طبقاته إلى المستمعين. أتقن الجملة التقليدية وأداها بأصالة وأناقة وانسجام، دون أن يسعى إلى اختراع أسلوب يميزه أو تقليد غيره.
وكان عبد الحكم بعيدًا عن أشكال الإبهار التي تستجلب إعجاب الجمهور على حساب أصول التلاوة، ساكن الجوارح، تعلوه مهابة ووقار، وتصدر تلاوته عن صدق وإخلاص، دون تكلف للخشوع أو استعراض للمهارة، ولذلك كانت تلاوته يغشاها الجلال، أيًّا كان المسار المقامي الذي يسلكه.
ويختصر أبو زيد درسه للقراء الشباب في عبارة بليغة: «كن عاديا أصيلا، ولا تكن ذهبا مغشوشا»، فالقارئ مطالب بأن يعرف إمكاناته ويحسن توظيفها، وأن يدرك أن الجملة التقليدية المتقنة خير من الجملة المقلدة، وأن احترام أهل المعرفة والذوق أبقى من تصفيق الجمهور العابر.
ويرى المؤلف أن تجربة عبد الحكم تتجاوز الإتقان الصوتي والرصانة الفنية، لتقدم تصورًا للتلاوة بوصفها عبادة جمالية؛ فهي حضور كامل مع القرآن، وانشغال بالمعنى، يجعل الصوت وسيلة لبث السكينة وإيصال المعنى، لا لاستعراض الذات واستمالة المستمعين.
يرسخ الكتاب فكرة أن ما أبدعه القراء المصريون عبر عقود طويلة كان ثمرة معرفة وإتقان وذوق ووعي بحرمة النص الذي يتلونه. وبين توثيق هذا التراث، وتشخيص ما أصاب مسيرته من انحسار، تبرز الحاجة إلى استعادة العناية بالتلاوة علمًا وممارسةً ونقدًا، لتظل آيات القرآن تُتلى كما تستحق، ويظل جمال أدائها معينًا على تدبرها، والإنصات إليها، والتأثر بمعانيها.
شارك الصفحة
المزيد من المراجعات

كيف تتخذ قرارات سديدة في عالم يمطرك بالمغريات؟
حين نتعلم مقاومة المستجدات الفارغة وعدم الانسياق وراءها، فإنا نسترد أوقاتنا وأموالنا وانتباهنا لاستثمارها فيما يُثري حياتنا بحق

الكتابة الأكاديمية: حين يكون القارئ محور الاهتمام
إن القاعدة العامة ضد استخدام ضمير المتكلم (أنا) قاعدة فاسدة… فأنت هو المتحدث لا أحد غيرك

مفهومك عن العبقرية ليس في محله
كلما زاد إتقان المرء لأمر ما قلّ الجهد الذي يحس به، فيتوهم أن السهولة دليل على البساطة.
