header

مفهومك عن العبقرية ليس في محله

14 سبتمبر 2026
٩ دقيقة قراءة

كتابة: جوش توركنت

يقدم الدكتور جوش توركنت أدناه خمس أفكار رئيسية من كتابه الحديث "العبقري والمحتال: علم الأعصاب وتحرير الإمكانات البشرية"

جوش طبيب أعصاب ومؤسس معهد علم أعصاب للأداء البشري، حيث يعمل على نقطة التلاقي بين علم الأعصاب والتعلم والقدارت البشرية. كما أنه موسيقار حائز على جوائز ومقدم بودكاست "علم الأعصاب للأداء البشري".  

الفكرة الرئيسية

إن الدماغ الذي وُلدت به يحوي بداخله نفس محرك التعلم الذي امتلكه كل عبقري على مر التاريخ. غير أن نظامًا عصبيًا خاصًا في عقلك قد قضى سنوات طوالًا في إقناعك بخلاف ذلك، حيث يروي خيالات تصور لك ما تستطيعه وما لا تستطيعه. يعتمد جوش على عقود من علوم الأعصاب لتفكيك تلك الخيالات، ويبصّرك بالمدى الحقيقي لقدرات دماغك.

1- أنت عبقري بالفعل لكنك لا ترى ذلك

بينما تقرأ هذه الكلمات ينجز دماغك مهمة في غاية التعقيد: فهو يستقبل تدفقًا مستمرًا من الرموز ويقسمها إلى أجزاء محددة هي الكلمات. ثم يبحث عن معنى كل كلمة، ويجمع تلك المعاني معًا لتكوين الأفكار، مطبقًا قواعد النحو واللغة، مع استنتاج النبرة والغاية من الكلام. وكل هذا يحدث تلقائيًا في لمح البصر وبلا أدنى جهد. أنت لا تبذل أي محاولة، بل الأمر يحدث من تلقاء نفسه.

هذا إنجاز فكري يضاهي -بل قد يفوق- ما نعده من مظاهر العبقرية. الأمر نفسه ينطبق على تمييز وجه صديق بين الزحام أو السير في غرفة يعمها الفوضى أثناء الحديث. هذه مآثر إدراكية على مستوى بالغ من التعقيد، ولم ندرك مدى عظمها إلا في الآونة الأخيرة.

لمّا شرع علماء الحاسوب في بناء آلات ذكية في منتصف القرن العشرين، ظنوا أن المشكلات التي يستصعبها البشر -كالشطرنج والرياضيات- ستكون الأصعب على أجهزة الحاسوب أيضًا، وأن الأنشطة التي نراها سهلة -كالمشي والتحدث- ستكون الأسهل في المحاكاة. غير أن تصورهم كان خاطئًا تمامًا؛ لقد ظهرت الآلات الحاسبة الجيبية منذ سبعينات القرن الماضي، وهزم حاسوب بطل العالم في الشطرنج عام 1997. لكنا لم نتمكن من بناء حواسيب قادرة على إجراء محادثة متوازنة إلا مؤخرًا، ولم تبلغ بعد مستوى البشر. أما الروبوتات التي تستطيع المشي في غرفة فوضوية دون أن تنكب على وجهها، فضلًا عن طيّ سلة من الغسيل أثناء الحديث عن وجبة العشاء، فما زالت قيد التطوير. يسمي العلماء ذلك بمفارقة مورافيك: أشد المآثر الإدراكية تعقيدًا هي أيسرها علينا، وهو ما كشف لنا مدى جهلنا بفهم عقولنا. 

لماذا ننزع إلى التقليل من شأن قدراتنا؟ لأن الدماغ يبني خبرته بتشكيل دوائر لحل المشكلات، وحين تكتمل هذه الدوائر يكف عن بذل أي جهد واع. وكلما زاد إتقان المرء لأمر ما قلّ الجهد الذي يحس به، فيتوهم أن السهولة دليل على البساطة. لكنها ليست كذلك، بل هي انعكاس للإتقان والبراعة، ولهذا قد ترى أعظم مآثر دماغك وكأنها لا شيء. 

2- العقول الاستثنائية تُبنى من أدمغة عادية

لما توفي أينشتاين عام 1955 حرص العلماء بشغف على فحص دماغه، إذ تبنى أكثرهم ما أسميه "سردية الدماغ المميز" للعبقرية، أي فكرة أن العباقرة يولدون بتركيبة دماغية مختلفة ومميزة. وبعد أدق فحص تشريحي خضع له أي دماغ في التاريخ، لم يجد أحد أي خلايا دماغية مميزة لدى أينشتاين، لا عصبونات ذهبية ولا مشابك عصبية ماسية، حتى إن وزن دماغه أقل من متوسط الوزن الطبيعي. أعجب ما في دماغ أينشتاين أنه كان عاديًا إلى حد الملال.

كان يمكن توفير عناء كل ذلك الجهد لو أنهم استمعوا لأينشتاين حين قال "ليست لدي أي مواهب خاصة، غير أني شديد الفضول". فلم يعتقد أنه مولود بدماغ خاص، بل يرى أنه بنى دماغه من خلال التعلم الشغوف على مدار حياته. كان يرى أن العبقرية لا تنشأ من تركيبة دماغية خاصة، بل من طريقة استغلال تلك التركيبة التي نملكها جميعًا.

وعلوم الأعصاب تؤيد فكرته، فعلى مستوى العصبونات والشبكات العصبية نجد أن تعلم العزف على البيانو أو رقصة الخطوتين أو الفيزياء النظرية كلها تتم بالعمليات نفسها تمامًا. إن جميع قدراتنا الإدراكية الاستثنائية تبنى بنفس محرك التعلم الموجود داخل كل دماغ، ذلك المحرك هو عبقريتك، وهو لا يفارقك أبدًا.

3- الصوت الذي برأسك مسؤول علاقات عامة، وليس ناطقًا بالحقيقة

شرع علماء الأعصاب في ستينات القرن الماضي في العمل مع مجموعة فريدة من المرضى، فقد فصل الجراحون شقي الدماغ عن بعضهما لعلاج حالات الصرع الحاد، مما منح الباحثين فرصة استثنائية لإرسال رسالة إلى أحد الشقين دون علم الشق الآخر.

وفي إحدى التجارب النموذجية أومض الباحثون كلمة "امش" في الشق الأيمن من دماغ أحد المرضى، وبالفعل نهض الرجل وبدأ السير. لكن الشق الأيسر (المسؤول عن التحدث) لم يشهد الأمر أبدًا. وحين سُئل الرجل عن سبب نهوضه، قد تظن أنه ليس لديه أدنى فكرة، لكنه اخترع سببًا: "أظنني سمعت أجراس الكنيسة تدق فأردت الذهاب النافذة لأرى". وقد تكرر ذلك مع كل مريض خضع للتجربة، فكان الشق الأيسر يختلق تفسيرات لسلوكيات لم يتسبب فيه عوضًا عن الاعتراف بجهله.

اكتشف أولئك الباحثون نظامًا في الدماغ وظيفته الوحيدة هي رواية قصة حياتك. لكنه لا يروي الحقيقة، بل يؤلف أحداثًا يسهل تصديقها للحفاظ على هوية ثابتة ومنطقية في عينيك وأمام الآخرين. لا شك أنك تعي هذا الصوت جيدًا، إنه المتحدث الداخلي في عقلك وناقدك الدفين. إنه الصوت الذي حسم  قبل سنوات إن كنت من أهل الرياضيات أم تفضل الموسيقى، وهو الصوت الذي يملي عليك ما تستطيعه وما لا تستطيعه، وما يجعلك تبدو ذكيًا أو تبدو أحمق. 

هذا ما أسميه بالمحتال. والمحتال هنا ليس مجرد تعبير مجازي، بل مفهوم يأتي مباشرة من علم الأعصاب. فهذه الآلية السردية شبكة دماغية حقيقية ومخصصة تعمل داخل كل واحد منا. لكن المشكلة هي أن جانب المحتال وجانب العبقري لا يستطيعان إدارة التروس العصبية في آن واحد. وعليه، فإن مدى ما تبلغه من قدراتك الاستثنائية يعتمد على أيهما يمسك بزمام القيادة.

4- دماغك ليس ثابتًا على مدار اليوم

إن الدماغ الذي كتب رسائل البريد الإلكتروني هذا الصباح، والدماغ الذي أصابه الخمول بعد الغداء، والدماغ الذي سيرافقك أثناء الاستحمام الليلة ليست كلها ذات الدماغ، بل هي حالات أو أوضاع تشغيل متمايزة لنفس الآلة. كل وضع يستطيع الوصول إلى أجزاء مختلفة من مخزون معرفتك، وكل وضع له نقاط قوة ونقاط ضعف.

لعلك عاينت هذه التجربة من قبل. استحضر آخر مرة استغلق عليك اسم كان على لسانك، كنت موقنًا أنك تعرفه، لكن لا يجدي أي قدر من الجهد لتذكره، ثم بعد ساعة إذا بالاسم يأتي متهاديًا إلى عقلك. أين كان مختفيًا؟ لقد كان محفوظًا بعيدًا في دماغك كل ذلك الوقت، لم يمسسه شيء. المفارقة هنا هي أن وضع البحث نفسه هو الذي يحول دون تذكر الاسم، ولم يتمكن دماغك من النفاذ إلى تلك الدوائر العصبية إلا حينما تحول دماغك إلى حالة ذهنية مختلفة.

وهذا عين السبب الذي يجعل المتحدث يرتج عليه القول وهو على المنصة، ثم يتذكر كل كلمة بعد خمس دقائق من مغادرة المسرح. إن ما يستطيع دماغك إنجازه في أي لحظة يعتمد على الوضع الذهني الذي يكون عليه. وهو ما يعني أيضًا أنك حتمًا تتمتع بمواهب لم تكتشفها بعد. 

لقد شهدت -بحكم عملي طبيب أعصاب- إلى أي مدى يبلغ هذا الأمر. أتاني مرة مريض، بائع سيارات في الثالثة والستين من عمره، بدأ فجأة في رسم لوحات بديعة ودقيقة في حين كان نوع من الخرف يدمر مراكز اللغة في دماغه. لم يأخذ الرجل قط درسًا في الفن، بل كان يتردد خجلًا من رسم أي شيء بسيط لو طلب منه. ومع ذلك ظهرت هذه الموهبة الفنية من أحد أجزاء دماغه مع تدهور جزء آخر. تشير الأبحاث إلى أن هذه ليست حالة استثنائية في أدمغة نادرة، بل تنطبق عليها كافة. 

ولهذا السبب كان كثير من كبار المفكرين يتعمدون تغيير حالتهم الذهنية. فأينشتاين كان يأخذ جولات طويلة في الغابات، وداروين شق مسارًا في الحصى خلف منزله يتمشى فيه كل ظهيرة، وسلفادور دالي كان يغفو على كرسي وهو ممسك مفتاحًا بين أطراف أصابعه بحيث ما إن غلبه النعاس سقط المفتاح على الأرض وأيقظه وما زالت صور أحلامه حية في ذهنه. لم يكن أي من هؤلاء متكاسلين، بل أدركوا أن السير والقيلولة وأحلام اليقظة هي سبيل إنجاز العمل الحقيقي. هكذا تحيا أفضل الأفكار. تلك الأفكار التي لا يمكن الوصول لها مهما أجهدت نفسك بالجلوس أمام المكتب. 

5- دماغك لم يفقد قدرته على التغيير، بل انتفت الحاجة إليه

طوال معظم القرن القرن العشرين كان علماء الأعصاب على يقين أن دماغ الإنسان البالغ لا يمكن أن يتغير. وقد قال ذلك بصراحة سانتياغو رامون إي كاخال الأب الروحي لعلم الأعصاب الحديث "إن المسارات العصبية في مراكز أدمغة البالغين ثابتة ومكتملة وغير قابلة للتغير". وهكذا بدا أن مقولة "العلم في الكبر كالنقش على الماء" تدعمها قوة العلم وسلطته، وكأن إمكانات المرء لها تاريخ صلاحية لا تتعداه.

ثم مع أواخر القرن العشرين أدركنا أننا أبعد ما نكون عن الصواب، فقدرة الدماغ على التغيير وإعادة تشكيل نفسه واكتساب معارف ومهارات جديدة ومعقدة تدوم مدى الحياة. يظل الدماغ مرنًا طوال العمر.

لكن إن كانت الآلة قائمة وسليمة، فلِم يبدو التعلم في سن الخمسين أصعب منه في سن الخامسة؟ يتغير البالغون بوتيرة أقل لقلة احتياجهم إلى التغيير. لقد قدمتَ إلى هذا الكوكب بلا أي وصلة عصبية، ولذلك فالطفولة مشروع بناء طويل ومحتدم. وبحلول سن البلوغ تكون المهارات الأساسية قد اكتملت وتعمل بالفعل. ونظرًا لأن الدماغ عضو بالغ الكفاءة، فإنه يتبع قاعدة بسيطة: ما دام الشيء غير معطوب فلا داعي لإصلاحه. هذه خاصية وليست عيبًا.

هذا يعني أن إعادة توصيل الشبكات العصبية لن يحدث من تلقاء نفسه بعد الآن. فدماغك لن يعيد بناء نفسه إلا حين يقتنع بأن الجهد المبذول يستحق العناء. فمثلًا تعلم العزف على القيثارة في سن 60 -من الناحية الدقيقة- ليس حالة طوارئ للبقاء على قيد الحياة. ومن ثم لا بد أن تمنح عبقريتك سببًا يدعوها للاهتمام، ولا سبب أقوى من الفضول.

كلما بكّرت في البدء كان أحسن لأن المرونة العصبية نفسها قابلة للتغير والتكيف، فكلما قل الجهد المبذول في التعلم، ازداد تحصيله صعوبة، لأن الدماغ لا يُبقي على الآلية التي لا يستخدمها. لكن الأمر يسير في الاتجاه المعاكس أيضًا، ويظهر أثره من اللحظة التي تبدأ فيها. إن المحرك الذي بنى أعظم المآثر الإدراكية في تاريخ البشرية ما زال معك، وما زال نشطًا، وما زال قادرًا على تحقيق مآثر جديدة، إنما مفتاحه الفضول ووقوده التعلم. السؤال المتبقي هو: إلى أين ستوجهه في خطواتك القادمة؟

المصدر

شارك الصفحة

المزيد من المراجعات

مسيرة التفكير إلى محطّة الشكّ!

مسيرة التفكير إلى محطّة الشكّ!

قد يَرِد إلى ذهن المتلقّي أن في تقعيد الحياة بإملاءاتٍ يفرضها الإنسان على نفسه قدرًا من التعقيد الذي يصيب نمط الحياة بالشلل.

كتابة: محمد بن ناصر الكربي
المضادات الميمية: لماذا تقاوم بعض الأفكار الانتشار؟

المضادات الميمية: لماذا تقاوم بعض الأفكار الانتشار؟

توق الميمات للمشاركة والانتشار، فعندما نصادف ميمًا مستحسنًا، فإن رغبتنا الفطرية الأولى هي نقله إلى شخص آخر.

ترجمة: يارا عمّار
البحرُ المُضطَرب بلا ضِفاف: قراءةٌ نقديَّةٌ في الطمأنينة الفلسفيِّة

البحرُ المُضطَرب بلا ضِفاف: قراءةٌ نقديَّةٌ في الطمأنينة الفلسفيِّة

ليس هذا الكتابُ مِما يُقرأ على عجلٍ، ولا مِما يُلقى على النفس إلقاءً عابرًا ثم يُنسى.

سارة المطيري