ليس هذا الكتابُ مِما يُقرأ على عجلٍ، ولا مِما يُلقى على النفس إلقاءً عابرًا ثم يُنسى؛ بل هو من تلك الكتب التي تستفزّ في القارئ قلقًا يستمرُّ طويلًا، وتستخرجُ من أغواره أسئلةً طالما تجنّبها أو سوّفها.
كتابُ الطمأنينة الفلسفية لـسعيد ناشيد ليس عرْضًا للفلسفة بقدر ما هو محاولةٌ لمنازلة الاضطراب الإنسانيّ في عقر داره، حيث تتنازع النفسَ قوى لا تُرى، وتتجاذبها اختيارات لا تُحصى.

مُنذ الصفحاتِ الأولى، يقطع المؤلّف مع التصور المدرَسي للفلسفة، ذلك التصور الذي حوّلها إلى حشدٍ من المصطلحات الباردة، وأقوالٍ محفوظة لا روح فيها؛ فهو يُعيدها إلى أصلها الأول: إلى كونها سعيًا حارًّا في طلب السكينة، ورياضةً للنّفس على احتمال الوجود، وليس هذا بالقولِ الجديد في ذاته، فقد عرفته مدارس اليونان الأولى، ولكن الجديد فيه هنا أنه يُستعاد في سياقٍ إنسانيٍّ مُعاصر، حيث تضخّمت أسباب القلق، وتكاثرت وجوه التشتت.
غير أنَّ القارئ لا يلبث أنْ يلحظ أنَّ هذه الدعوى، على وجاهتها، لا تُبنى بناءً مُحكمًا، بل تُلقى إلقاءً يقتربُ من أسلوب الخاطرة المُتأمِّلة، أكثر مِما يقترب من صناعة الفلسفة المُحكمة؛ فالمؤلّف يُكثِر من الإشاراتِ إلى الفلسفات القديمة، ويستدعي مفاهيم من قبيل السكينة والرواقية، لكنه لا يَعمد إلى تحليلها تحليلًا دقيقًا، ولا إلى ردّها إلى أصولها الفكرية ردًّا يُشفي الغليلَ، فكأنَّما هو يستأنسُ بها استئناسًا، من دونِ يَستندَ إليها استنادًا.
ويمضي الكتاب إلى واحدة من أدقّ قضاياه: قضية الاختيار، وهنا يُصيب المؤلّف موضعَ الألم إصابةً حَسنة، إذ يبيّن أنَّ الإنسان لا يُعذَّب بما يختار فحسب، بل بما يتركه وراءه من إمكانات، فكلّ اختيار، في حقيقته، هو إقصاءٌ لعددٍ لا يُحصى من الحيوات المُمكنة، وكأنَّ المرء يدفن في كلِّ قرارٍ يتخذه نسخًا أخرى من نفسه لم تُكتب لها الحياة، وهذه لمحةٌ تقترب من أعماق التجربة الوجودية، وتكشف عن حسّ فلسفي عالٍ.
غير أن هذه الفكرة، على عمقها، تُعرض عرضًا لا يبلغ بها مداها الأقصى، إذ كان حريًّا بالمؤلف أن يُمعن النظر في نتائجها الأخلاقية والعملية، وأن يسأل: كيف يعيشُ الإنسان وهو يحمل في صدره هذا المقبرة من الإمكانات؟ لكن الكتاب يكتفي بالإشارة، ويترك القارئ في منتصف الطريق، ولربما أراد الكاتب أن يفتح الآفاق للقارئ، دون مصادرات أو إجابات مُعلّبة له.
ثمَّ ينتقلُ إلى تصوير النَّفس فإذا هي عنده بحرٌ مضطرب، تتلاطمُ فيه التيارات، ولا تُعرف له ضفاف، وهذه الصورة، على ما فيها من جمالٍ، ليست إلا استعارةً قديمة في ثوبٍ جديد، غير أنَّ المؤلف يُحسن توظيفها حين يربطها بعلمِ النفس الحديث، فيُذكّر بأنَّ الإنسان ليس سيد نفسه كما يتوهم، بل هو محكومٌ بقوى خفية، تمتد جذورها في طفولتِه، بل في تاريخِه البيولوجي والرمزي.
ويحسن الوقوف عند هذا المزج، فالمزجُ بين الفلسفة وعلم النفس أضاف للكتاب قوة، لأنه يُخرج الفلسفة من تجريدها، ويُلبسها حرارةُ التجربة الإنسانية وصدقَها ولكن المؤلف هنا ينقل من هذه العلوم نقلًا حرًّا، لا يُميّز فيه دائمًا بين ما هو مقطوعٌ به وبين ما هو ظنّ، ولا يُحيل إلى مصادر تُعين القارئ على التحقق والمراجعة.
وأما الطمأنينة نفسها، التي جعلها عنوانًا وغاية، فإنه لا يقدّمها بوصفها نعمةً تُمنح، بل مهارةً تُكتسب، وهذه فكرة جليلة، إذ تردّ الإنسان إلى مسؤوليته، وتخرجه من وهم الاتكال على الخارج؛ فالطمأنينة، في هذا التصور، ليست سكونًا سلبيًا، بل هي ثمرة جهدٍ طويل في فَهم النفس وترويضها. غير أن المؤلّف مع تقريره لهذه الحقيقة، لا يمدّ القارئ بالأدوات الكافية لتحقيقها، فيبقى الكلام في بعضِ المواضع معلقًا في أفق المثال.
ويبلغ الكتاب ذروته، أو موضع جدله، حين يتناول التدين المعاصر، فيُفرّق بين تدينٍ عميق يُلامس الوجود، وتدينٍ سطحيّ يتخذ من الطقوس ملجأً سريعًا للقلق، وهنا يتكلمُ بجرأة، فيصيب حينًا ويُجاوز حينًا، فلا شك أن في الواقع صورًا من التدين الشكلي الذي لا يورث طمأنينة، ولكن تعميم الحكم، وإغفال التجارب الدينية الصادقة، يُضعف الحجة، ويجعلها أقرب إلى الرأي الشخصي منها إلى التحليل العميق الصادق.
ولعلّ أبرز ما يؤخذ على الكتاب، أنه أقرب إلى دعوةٍ وجدانيّة منه إلى بناءٍ فكري متماسك؛ فهو يُحسِن إثارة السؤال، ولا يُحسِن دائمًا إحكام الجواب؛ ويُجيد الوصف، ولا يبلغ دائمًا حدّ التحليل، ومع ذلك، فإنَّ في هذا النقص نفسِه سرًّا من أسرار تأثيره، إذ يترك في القارئ فراغًا لا يُملأ إلا بمزيدٍ من التفكير، فليس هذا كتابًا يُعطيك الطمأنينة، بل كتابٌ يُقلقك لتطلبها، وهذه من أشرفِ وظائف الفلسفة؛ أنْ توقظَ في الإنسانِ أسئلته، وتدفعه إلى التفكير والبحث بدل الاكتفاء بإجاباتٍ مُعلّبة.
وخُلاصة القول: إنَّ سعيد ناشيد قد نجحَ في أنْ يُعيد للفلسفة صوتها الإنسانيّ، بعد أنْ كادت تُختزل في ضجيج المصطلحات؛ ولكنه لم يبلغ بها بعدُ مرتبة البناء الراسخ الذي يُقيم في النفس علمًا يُستضاءُ به، لا مجرد خاطرٍ يُستأنس به.
في الختام، إنَّ الكتابَ خطوةٌ على الطريق، لا نهاية الطريق؛ ورحلةٌ إلى المعنى، لا إحاطةٌ به، ومن أراد الطمأنينة، فلن يجدها في الصفحات، بل فيما تُوقظه هذه الصفحات في نفسِه من سعيٍ لا ينقطع.
شارك الصفحة
المزيد من المراجعات

المضادات الميمية: لماذا تقاوم بعض الأفكار الانتشار؟
توق الميمات للمشاركة والانتشار، فعندما نصادف ميمًا مستحسنًا، فإن رغبتنا الفطرية الأولى هي نقله إلى شخص آخر.

لماذا يستسلم عقلك لدوّامات الأفكار؟ وكيف تتحرر منها؟
إن الأنماط التي اعتدتها من الاجترار تستحق منك أن تتأملها بلطف وتفهمها عوضًا عن جلد ذاتك أو الشعور بالخزي

سلطان الجموع: مراجعة لكتاب صناعة السمعة في الشهرة الرقمية
وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا لا يبدو التصوّر الذي كان يحمله أبناء تلك الأجيال مقاربًا لما أصبحنا نتصوّره في عهودنا القريبة حول وسائل التواصل
