header

سلطان الجموع: مراجعة لكتاب صناعة السمعة في الشهرة الرقمية

23 يوليو 2026
٩ دقيقة قراءة

المقدمة

"في عام 2003 صوّر فتى كندي يبلغ من العمر أربعة عشر عامًا مقطع فيديو لنفسه وهو يتظاهر بأنه فارس يلوّح بسيف ضوئي، ورفع بعض أصحابه الفيديو -خلسةً- على شبكة الإنترنت دون علمه، وسرعان ما انتشر المقطع انتشارًا واسعًا، وأصبح الفتى شخصيةً معروفةً للغاية، ونتيجةً لتلك الشهرة؛ تعرّض لألوان المضايقات، حتى اضطر لترك المدرسة، وحاول والداه رفع دعاوى قضائية ضد عائلات الأطفال الذين نشروا الفيديو، إلا أن الأمر كان قد خرج عن السيطرة، بعدما انتشر المقطع على نطاق واسع جدًا، وبعد سنوات، بعد أن أصبح رجلًا، أجاب مرةً عن سؤال حول ما حدث له في تلك الواقعة؛ فقال: لقد سعى كل برنامج حواري في أمريكا الشمالية إلى استضافتي... كانوا يريدون تحويلي إلى فُرْجةٍ في سيرك!".

 وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا لا يبدو التصوّر الذي كان يحمله أبناء تلك الأجيال مقاربًا لما أصبحنا نتصوّره في عهودنا القريبة حول وسائل التواصل، ولما نُكنّه للشهرة من فضلٍ في تبديل الكثير من مفاهيمنا، حول قيمة الإنسان في مجتمعه، وقيمته في سوق العمل، فضلًا عن إعادة جدولة مراتب النجاح في سوق العمل، وفي سائر مناحي الحياة! وكل هذه التراتبية المخيفة التي أصبحت تأخذ معها قيمنا الأخلاقية قيمةً قيمةً لتغدق عليها من أضراب السفالة ما تشاء؛ تُنذر إلى مصائر متشابهة، كتبدُّل القيم الأخلاقية نفسها، واستحالتها إلى قيمٍ ساقطةٍ ترمي إلى النجاح المادي الصرف مبتعدةً أشدّ البُعد عن سِدرة الأخلاق.

 يبدأ الأستاذ عبدالله بن عبدالرحمن الوهيبي كتابه الرائع "صناعة السمعة في الشهرة الرقمية"، بمقدمةٍ جليلةٍ يتحدث فيها عن بروز ظاهرة "المؤثرين"، واتساع الرؤى التي تتحدث عن هذه الظاهرة. ومن الناس من طغى على تصوّره أن أصل الشهرة إنما ينحصر في الجانب الاقتصادي، فيقول القائل بهذا الرأي أن: "المؤثر هو شخصية على منصات التواصل الاجتماعي تتقن جذب الانتباه، وتجيد بناء صلات فعّالة بين السلع والجمهور المستهلِك، من خلال محتوى يعبر عن هوية شخصية تثير الاهتمام". إلا أن إدامة النظر ومراقبة تجلّيات ظاهرة بروز "المؤثرين" تتخطّى مسألة حبسه في زاويةٍ معينة كما يظنّ البعض، وقد تنبّه المؤلف إلى أن: "فهم هذه الظاهرة الجديدة وفحصها باستفاضة ودقّة منهجية يكشف عن طبقات متعددة من الثقافة السائدة أو الرائجة في مجتمعٍِ ما؛ فالأنماط الشخصية للمشاهير وأنماط المحتوى الرائج والصراعات المستمرة حيال سلوكيات المؤثرين= كلها تبرز وجوهًا من توجهات المجتمع ومعتقداته وقيمه وقواعده التي تحكم واقعه الثقافي".

وانطلاقًا من هذه المقدمة الوافية، لا يرمي المؤلِّف من خلال هذا المؤلَّف إلى شيءٍ من التحليل الاقتصادي أو الدراسة الإعلامية. بل يقصد إلى أمرٍ أعظم نفاذًا من كل ما سلف، وهو أن ينفذ إلى النفس البشرية من خلال توجيهها توجيهًا أخلاقيًا يطمح أن يقرّبها إلى التزكية السلوكية.

صدر الكتاب عن دار "مقاربة" للنشر والتوزيع في عام 2025، ويقع في 175 صفحة.

 

بواعث الشهرة

 قد لا يبدو عنوان الفصل وافيًا بالنظر إلى جملة الفصول التي أفردها المؤلف في كتابه، والتي تحدّثت عن ظواهر مختلفةٍ بعضها قد ينزع إلى أن يكون عضوًا في توليفة عنوانٍ آخر، أو يحسُن بغيري من المراجِعين أن يضع هذه الفصول تحت لواءات عناوين أخرى. وعلى كل حال، حتى وإن تبدّلت هذه اللواءات؛ فإني وجدتُ فصول الكتاب تنضوي تحت لواءاتٍ ثلاث، أولها: بواعث الشهرة: وفيه يتحدث عن الأصول التي بعثَتْ حب الشهرة في قلوب الناس. وثانيها: سلطان الشهرة: وكيف أنها تُخمر عقل المشهور لتُصيِّره عبدًا مطيعًا لها. وثالثها: سبل الوقاية من الشهرة: وفيه يتحدث عن طرق الوقاية من شرّ الشهرة المستطير.

لنبدأ في مراجعتنا بالتحدث عن المشكلة الأولى، وهي بواعث الشهرة. يتحدث المؤلف في هذا الفصل من الكتاب عن تغلغل هذا الباعث في نفوس أبناء المجتمعات الغربية والعربية، وكيف أنه أصبح ينال مركزًا رفيعًا في سلّم اهتمامات الكثير من أبناء هذه المجتمعات، وربما ركّز المؤلف جهده في بسط الإحصائيات والاستبانات التي تركّز على الأجيال الصغيرة أكثر من البالغين، نظرًا للعروة التي توثّقتْ بين الأجيال الحديثة وبين بروز معضلة الشهرة.

يرى المؤلف أن أسمى غايات المشهور في زماننا هي تحصيل المكانة والجاه الاجتماعي، ولكن ارتباط تحصيل هذه المكانة الاجتماعية بين المشاهير بتكوين "السمعة الرقمية" جعلهم ينشغلون بطلب هذه السمعة وصنعها ورعايتها، وقد أورد المؤلف الكثير من الشواهد الدالّة على انصياع المشاهير لطلب هذه السمعة، خصوصًا في أواخر تسعينيات القرن العشرين، مع بدء تمدّد وسائل التواصل بوصفها ميدانًا رحبًا يتسابق فيه المشاهير لنيل سمعةٍ راقية، وقد جمع في بيان هذه الظاهرة عددًا من الإحصائيات التي تدعم قوله.

ومن اللفتات الجميلة التي أحسن المؤلف في القبض عليها -وما أكثرها في هذا الكتاب- رصده لثلاث جهاتٍ ساهمت في تغيير مفهوم الشهرة، وسأحاول إيجازها بوضع شاهدٍ على كل جهةٍ من الجهات، وأولها: الوسيط الناقل؛ وقد تعرّض فيه لعددٍ من حالات تبدّل مفهوم الشهرة عند العامة، بدءًا من القصة التي نقلها من التراث، والتي تتحدث عن رجلٍ اكترى رجلًا آخر من أجل أن يسبّه في موسم الحج! ثم كيف تبدّلتْ الأحوال مع تقدم الزمن فأصبحتْ وسيلة الشهرة هي التأليف والتصنيف، ثم أخذتْ وسائل الشهرة بُعدًا آخر مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.

وثانيها: المفهوم والدلالة؛ وفي هذا الجانب يتحدث عن تغيّر مفهوم الشهرة ودلالتها مع تبدّل الأزمان، فلم تعد تلك الشهرة المبرَّرةً عند أسلافنا هي نفسها الشهرة في زماننا، ففي زماننا: “أصبح المشهور شخصٌ يُعرف بشهرته"، أي أن الشهرة المعاصرة أصبحت علّة نفسها! ويقول المؤلف تأكيدًا لذلك: "وقع انزياحٌ كبيرٌ في موقع الشهرة من كونها دلالةً على سمة أو صفة، لتصبح أحوالًا وتصرفاتٍ مخصوصة يسلكها بعض الناس، فيغدو محلًّا لأحاديث الجمهور ووسائل الإعلام المختلفة، أي: انفصال الشهرة عن القيمة والمعنى" .

أما ثالثها، فهي: التغلغل الشامل؛ وفيها يلفت عناية القارئ إلى تضخّم قيمة الشهرة مع ضبابيّة المعايير التي تتطلبها هذه الشهرة في زماننا. ولا أفوّت ذِكْرَ لفتةٍ بارعةٍ نقلها المؤلفعن أحد الباحثين، حينما تحدّث عن علاقة إشراك الحواسّ بمدى استمتاع المشاهِد بمحتوى "البث المباشر"، وكيف أن ازدياد عدد الحواس المشاركة في هذه التجربة تعطي المشاهِد "شعورًا اندماجيًّا بسبب الفورية" .

 

سلطان الشهرة

 يتضح من تسمية العنوان أنه يعرّج على المضامين التي نثرها المؤلف في كتابه والتي تتحدث عن ضحايا سطوة الشهرة، وكيف أنها أَخْمَرَتْ عقول المؤثّرين فصيَّرَتهم عبيدًا لها. ومن الأمور الدالّة على حسن اضطلاع المؤلف بمادة كتابه؛ أنه جعل في أول الفصول التي تتحدث عن سلطان الشهرة فصلًا سمّاه "جولةٌ في مصنع الشهرة"، ثم تلاه بفصلٍ سمّاه "تأثير خفق النعال"، حتى أتمّ تجويده بفصلي "سُكرة الجاه" و "سلطان الجموع". فكأن المؤلف بذلك أراد أن يُشْرك القارئ في جولته في مصنع الشهرة، حتى يُفهمه أن مصائر نماذج المؤثرين صائرةٌ لا محالة إلى السُكرة وإلى الانقياد خلف الجموع. 

يتحدث المؤلف في إحدى الفصول عن أسباب انقياد المشهور إلى تزيين صورته المشهورة أمام العامة، ويطرح المؤلف في ذلك جملةً من الأسباب، ولكنه يخصّص علّتين نفسيّتين لذلك، فيقول في الأولى: "أن المرء إذا كان محلًّا لنظر الناس فإنه يكون حينئذٍ أكثر استشعارًا لذاته وصورته الظاهرة، ويكون ذهنه أكثر انشغالًا بوَقْع هيئته وكلامه وأفعاله؛ لإدراكه موضع عيون الناظرين إليه".

أما العلة الثانية فيعزوها إلى أن "الشهرة إنما تقع للقلّة من الناس، وانتماء المرء إلى مجموعة اجتماعية نادرة وصغيرة نسبيًا (المشاهير والمؤثرين في هذه الحالة) يزيد من انشغاله بذاته، وكلما كانت المجموعة أصغر وأميز وأرفع مقامًا؛ زاد اهتمامه بنفسه" .

ومن غريب طغيان الشهرة على عقول مُريديها؛ أنها تنزع بالمرء لا إلى الافتخار بإنجازاته الذاتية، بل بإنجازاتٍ يستمدّها من أحد قرابته الناجحين، وقد أطلق بعض الباحثين على هذه الظاهرة اسم "التزيّن بمجد الغير"، وينقل المؤلف في ذلك قولًا عن أحد الباحثين: "ترى كثيرًا ممن يحقق أحد معارفه نجاحًا، يسارع إلى التفاخر بعلاقته به، ويُظهر السرور بذلك، كأنما يرغب في اقتطاع حظٍّ من الذكر والثناء".

يذهب المؤلف في ناحيةٍ أخرى إلى التأكيد على أن رغبة الإنسان في تحصيل الجاه هي من صميم فطرته الإنسانية، ولا أدلُّ على ذلك من الشواهد الكثيرة التي تثبت أن حيازة الإنسان على مكانةٍ كبرى أعظم أثرًا في النفس من زيادة الراتب! إذ أن الزيادة في محصول الإنسان من المال والنِّعَم تُحَدُّ بحدود، إلا هذه النفس فلا شيء يُشبعها! ودعونا ندعم ما ذُكِر آنفًا بحديثٍ نقله المؤلف عن أبي حامد الغزالي حين قال: "الرغبة بالسيادة الباطنية والتعظيم القلبي والإجلال الروحي؛ نزعاتٌ تنطوي -في جوهرها- على توقٍ دفينٍ إلى التألّه"، وقد يجيب مثل هذا القول على توق النفس البشرية الدفين إلى حب الصيت والاحتفاء الدائم بها.

 

الخاتمة: سبل الوقاية

 في الفصول الأخيرة من الكتاب تبرز الخلفية الشرعية التي ينتمي إليها مؤلفنا، وذلك عند حديثه عن الوسائل التي تعيننا على مكافحة سلطان الجموع في وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب حديثه اللافت عن فضائل الخمول، والخمول الذي يقصده المؤلف ليس هو الخمول الذي نعرفه باصطلاح زماننا. وإذا رجعنا إلى الاستعمال القديم للخمول، فبإمكاننا أن نورد شاهدًا واحدًا يبيّن لنا هذا المعنى، كقول أحد أهل السلف في إحدى كتب التراجم: "اختار الخمول وترك الشهرة". ومما يُلاحَظ في هذا النص الذي نقلناه سلفًا؛ أن الخمول جاء على سبيل المدح والثناء، لأن الأوائل في ذلك الحين كانوا يقدّرون من يبتعد عن الشهرة، ويصفونه في مجالسهم بالديانة والصلاح.

يخلُص المؤلف في مثل هذه الفصول من الكتاب إلى عددٍ من الوسائل التي تعين المستَخْدِم على الوقاية من الخضوع للجموع، وقد سرد فيها عددًا من السبل التي لا يتّسع بنا المقام لإيرادها كلها، ولكننا سنسرد بعضًا منها، كحديثه عن ضرورة الانعتاق عن طلب رضا الناس وأن يولّي الإنسان ظاهره وباطنه لله -سبحانه وتعالى-، والتنويه على حقيقة أن هذا الجمهور الذي ينهك الإنسان نفسه في طلب رضاه إنما هو جمهور مُتخيَّل، وكثيرٌ مما يعتقده هذا المستخدم عن هذا الجمهور إنما هو عائدٌ إلى خيالاته التي تستند على أرقامٍ جامدةٍ لا تُفصح عن الحقيقة. 

وبعد أن أرشدنا المؤلف إلى تعميق صلتنا بالله -سبحانه وتعالى- والانعتاق من إسار الجمهور، وصرف الهم عن الانتباه لما يقوله هذا الجمهور المُتخيَّل؛ يُتمّم ذِكْرَ أسباب الوقاية بالحرص على لزوم الصحبة الصالحة التي لا تتملَّق الإنسان ولا تكذّبه، بل تكاشِفُه بصدق؛ لأن مثل هذه الصحبة الصالحة تعين الإنسان على معرفة نفسه على حقيقتها، وتخرجه من الفقاعة التي تحبسه الشهرة فيها.

ونختم المراجعة بما نقله المؤلف عن أبي سليمان الخطابي في ذكر فضائل الخمول، حين قال أنّ العزلة: "معينةٌ لمن أراد نظرًا في علم، أو إثارة لدفين رأي، واستنباطًا لحكمة؛ لأن شيئًا منها لا يجيء إلا مع خلاء الذرع وفراغ القلب، ومخالطة الناس مَلهاةٌ ومشغَلة".


شارك الصفحة

المزيد من المراجعات