header

مسيرة التفكير إلى محطّة الشكّ!

24 أغسطس 2026
٩ دقيقة قراءة

المقدمة

يزدرد الإنسان ريق الورطة متأفِّفًا من ضيق الحال التي وصل إليها، تُلزمه الظروف على أن يكدح من أجل اختلاق رغبةٍ جديدةٍ تُغشّي وقع الورطات الحياتية التي أثقلت كاهله. يدرك هذا الإنسان المسكين في دخيلته أن إيقاع الحياة لا يسري إلا على وقع هذه النغمات المضطربة، إذ أن اشتداد النوائب أصلٌ من أصول مسيرة هذه الحياة وليس أمرًا طارئًا عليها.

لقد عمِل الإنسان منذ أقدم العصور على أن يضع قواعده الخاصة في هذه الحياة، وأن يضع حدًّا لمسيرة هذا الاضطراب المحموم. لم يكن تفكيره بمعنى هذه الحياة أمرًا ثانويا، أو شأنًا من شؤون النخب المثقّفة في الأزمنة الماضية -وإن كان انصراف النخب المثقّفة إلى مثل هذا النوع من التفكير هو الغالب-.

لا أقول أنه يجب على صروف الدهر أن تتواضَع على هيئة قوانينٍ يُسيّرها الإنسان كيف يشاء، بل أن من حق هذا المسكين أن يضع قواعده التي تنظّم طريقة عيشه. أليست هذه هي المهمة النبيلة التي تجرَّع من أجلها "سقراط" السمّ في الساحة العمومية؟

قد يَرِد إلى ذهن المتلقّي أن في تقعيد الحياة بإملاءاتٍ يفرضها الإنسان على نفسه قدرًا من التعقيد الذي يصيب نمط الحياة بالشلل، بينما يخالف المؤلف ذلك، عندما يقول أن الحياة البسيطة هي الحياة التي يعيشها الإنسان وفق قواعده الخاصة التي ارتضاها لنفسه. ولكن ما أشقّ سَلْك هذا الطريق إذ "أن العودة إلى الحياة البسيطة هي الرحلة الأصعب، بعد أن ضيّعنا الطريق إليها في غمرة الأوهام الكبرى!". هذا ما يقوله "سعيد ناشيد" في كتابه "التداوي بالفلسفة"، والذي صدر عن دار التنوير في عام 2018. يقع الكتاب في 171 صفحة.

أهمية التفكير الفلسفي

قبل أن يدخل الإنسان في غمرة الحديث عن سبل تنظيم حياته وإدارتها، وقبل أن تتخطّفه الأوهام التي يسردها خبراء تطوير الذات في كتبهم حول هذا الأمر؛ يجب عليه أن يسأل نفسه هذا السؤال: ما علاقة التفكير النقدي بالقدرة على الحياة؟ إن التفكير الفلسفي معنيٌّ بكل ما ذُكر بالمقدمة سالفة الذكر. التفكير في القوالب والمفاهيم التي فرضَتْ نفسها على طريقة تفكيرنا واجبٌ على كل امرئٍ، أو كما يقول المؤلف: "الأهم من الأشياء هو طريقة تفكيرنا في الأشياء".

يأخذنا المؤلف في سؤالٍ آخر يتصل بالسؤال الفائت فيقول: ماذا لو غاب الفلاسفة عن التاريخ؟ لو لم يتكلّموا؟ لو لم يكتبوا؟ لا شكّ أن قدرًا عاليًا من الأسئلة الوجودية والمصيرية سيطفو على السطح دون إجاباتٍ شافية لو لم يكن للفلاسفة أي دورٍ في التاريخ، ليس لأن أدوات الفلسفة هي المعنية لوحدها بفرض إجاباتٍ محددة، بل لأنها توفّر ميدانًا رحبًا تلتحم فيه الأفكار بالخيالات، مما يُلهِم الفيلسوف بخلق أفكارٍ إبداعيةٍ يعجز العلماء عن الإتيان بها.

مع أن من يخالف سؤال المؤلف قد يَرِد في ذهنه أن في الأمم من حَمَل مِشْعَل التقدّم الحضاري دون أن يكون الفلاسفة رافدًا له في ذلك، والأمثلة في ذلك كثيرة. قد تُقلّد دولةٌ من الدول غيرها في تسيير نظامها السياسي، وقد تنهض في نظامها الاقتصادي فتصنع سوقًا ناهضًا ينافس الدول الكبرى، وقد تتسنَّم قياد الدول الأعلى تعليمًا؛ إلا أنها ستظل تفقد القدرة السحرية التي تمكّنها من الخلق والإبداع، إذ أنها لا تملك صلاحية "التقدم" الحضاري، وستظل تعجز عن الإتيان بأنساقٍ علميةٍ جديدةٍ تضفي طابع السحر على طبيعة حركة تقدُّم هذه العلوم، لأنها -وبكل بساطة- تفتقر إلى التفكير الفلسفي، مثلُها في ذلك مَثَل الرجل الذي يُحْسن استخدام آلةٍ معينة، ولكنه لا يُحسن برمجتها! وحتى يعضِّد المؤلف حججه في شمولية الفلسفة على سائر العلوم، يذكر أن لكل علمٍ نقطة بدايةٍ انطلق من خلالها، إلا الفلسفة، فإن تاريخها "هو تاريخ تطور العقل الإنساني"!

 

هل تعالجنا الفلسفة؟

الذي يطّلع اطّلاعًا يسيرًا -كما هو الحال معي- في تاريخ الفلسفة الإغريقية، يدرك إلى أي مدى كانت تختلط وظيفة "الحكيم" بوظيفة "الطبيب"، أو قل أنهما شيءٌ واحد كما تورد بعض الشواهد التاريخية، ولكن هذه الوظيفة لا تقف عند حدّ التشخيص الصحي، أو الجراحة، أو معالجة الأعراض الظاهرة التي يعاني منها كل إنسانٍ بين الحين والآخر. إن مناط هذه الوظيفة أوسع مما نظن، إنها تنفُذ إلى المساحة التي لا يتحكم فيها إلا الإنسان، أو كما يقول المؤلف: "العالم الداخلي للشخص. عالم خاضع لسلطة الشخص ما لم يتنازل عنه بنفسه جراء جبنه أو جهله".

وقد وجد المؤلف مادّةً خصبةً لحديثه هذا في عزاءات الفلاسفة الرواقيين حول المصائب التي يجابهها الإنسان في حياته، ومن تأويلاته لفلسفاتهم أنه قسّم عوالم البشر إلى عالَمين، عالم خارجي: يشتمل على كل ما يطرأ في حياة الإنسان من أمورٍ خارجةٍ عن ذاته، كأن يكون سجينًا في زنزانة انفرادية، وهو عالمٌ لا يتحكم فيه إلا بنحوٍ جزئي. وعالمٌ داخلي: يشتمل على أفكاره وتصوراته، ومواقفه، وأمزجته، ومعارفه؛ أي العالم الذي يبقى تحت سيطرته في كل الظروف.

يسوق المؤلف مثالًا للتفريق بين العالَمين الداخلي والخارجي، فيقول: "إنني أريد أن يأتي العالم الخارجي وفق توقعاتي بالتمام. مثلًا، فقط لأني قررت القيام بنزهة أعتقد بأن الجو يجب أن يبقى جميلًا. لذلك يكفي أن تهطل أمطار في تلك اللحظة حتى أشعر بالغضب". ويدعم قوله هذا بما جاء في أقوال الفيلسوف الرواقي "سينيكا" حول هذا الأمر، فيقول: "ما أثار غضبي جاء من الواقع الخارجي الذي أريده أن يأتي وفق توقعاتي، لكن هذا الواقع يقع خارج مجال تحكمي".

ومن الواضح في الأفكار التي وردت سلفًا عدم إيراد المؤلف حدودًا واضحةً تفصل ما بين"الرضا" و "الأنانية"، بل جعلها المؤلف في سائر إحالاته شيئًا واحدا!

يورد المؤلف في ناحيةٍ أخرى، علاجًا لواحدٍ من أشد الأدواء التي تعترض طريق تفكير الإنسان، وهي انشغاله بالماضي بشكلٍ يصرفه عن التفكير في واقعه الذي يتحكّم به. يجب على الإنسان أن يصرف جهده في التفكير في واقعه الذي يعيشه قبل أن يتحول هذا الواقع إلى ماضٍ! فإن كل ما تعيشه الآن ذاهبٌ لا محالة إلى عالَم "الماضي".

يورد المؤلف في هذه المسألة قولًا رائعًا للفيلسوف الفرنسي "آلان باديو" في إحدى خواطره: "لا نملك سوى الحاضر، أما الماضي والمستقبل فلا وجود لهما إلا حين نفكر فيهما، إنهما آراء، ولسا وقائع".

بعد كل ما ذكرته لكم في هذا الفصل، هل وجدتم حدودًا واضحةً تفصل ما بين وظيفتي "الطبيب" و "الحكيم" عند الفلاسفة الأوائل؟ 

هل يُعدُّ الشكّ رافدًا أساسيًا للفلسفة؟

في عددٍ من الفصول التي نثرها المؤلف من منتصف الكتاب إلى ما قبل آخره بقليل؛ يحاول أن يبسط للشكّ أرضيةً تجعله أساسًا لها، كأن كل هذه العزاءات التي يمرُّ بها الإنسان ما هي إلا عتباتٌ تبدأ من الشكّ وتنتهي إلى الشكّ!

لا يبعد الإنسان عن الحقيقة حين يقول أن تعطيل العقل يعطّل بدوره عددًا من الأعضاء التي تُكمِل دور العقل، أو بحسب تعبير المؤلف: "العقل مثل سائر الأعضاء، إذا لم يعمل يموت". ويدعم قوله هذا بما قاله الفيلسوف "إيمانويل كانت": "وحين تعطل عقلك، فلن تتلقى أي أمرٍ أخلاقي من داخل ذاتك".

بحسب ما أشار إليه المؤلف في الفصول السابقة، أنه يجب علينا أن نُبقي قناعاتنا في حالة تأهبٍ لأي اهتزازٍ متوقّع، فالحقائق التي توصّل إليها العلماء قبلنا ما هي إلا كومةٌ من الأخطاء والتجارب الفاشلة، إذ أن "تاريخ العلم هو تاريخ أخطاء العلم" كما يقول الفيلسوف "باشلار".

لم تكن قناعات "فرويد" لتتأثر، وتصل إلى ما وصلت إليه من نتائج مؤثرةٍ في مسيرة علم النفس؛ لولا هزّة "اللاوعي" التي تغيّر من بعدها علم النفس إلى الأبد، ولم تكن لقيامة "كارل ماركس" أي قيمةٍ لولا هزّة "الاقتصاد السياسي" التي أيقظت ثورته، ولم تكن لشكوك "فوكو" وتساؤلاته أي قيمةٍ عند أرباب "التفكيكيين" لولا هزّة "آليات السلطة". كل هذه الاهتزازات كان باعثها مخاوف وشكوكٌ حامَتْ حول عقول هؤلاء الفلاسفة، فأثمرَتْ أفكارهم الفلسفية المعروفة.

وبالعودة إلى سؤال هذا الفصل، أودُّ أن أسوق موقفي تجاه ما قاله المؤلف بأن أقول: يعدُّ الشكّ رافدًا من الروافد الأساسية التي تفتح للعقل أبوابًا واسعةً من المعرفة، ولكنه -وهذه هي الحقيقة التي يجب أن تنطلق من دخيلة كل مسلم- ليس هو الرافد الأساسي الذي تنطلق منه كل الأفكار والمنجزات البشرية، لم يكُن الإنسان في بَدْء حياته شكّاكًا! لقد كان آدمُ في لحظة خلقه مؤمنًا، والحق ما قاله أحد مفكّرينا: "أنا مؤمن إذن أنا موجود".

وإذا أردنا أن نسير على سَنَنِ سلفنا الصالح في طرق اتّباع المعرفة؛ فسنجد أن "الشكّ" عندهم ما هو إلا تكتيكٌ مرحليّ للوصول إلى الحقيقة، وليس استراتيجيةً كما يظنّ روّاد المدرسة التجريبية، أي أنه ليس غايةً في ذاته، كما أنه يجب على المسلم أن يفهم أن هدف المعرفة في الإسلام هو "تيسير وظيفة الاستخلاف في الأرض عروجًا إلى الله، وليس هدفها قهر الطبيعة والإنسان".

التفكير في المفاهيم

تشكِّل المفاهيم النظرية إطارًا واسعًا يشتمل على الأفكار التي تنتجها الأمم في كل عصرٍ من العصور. ومسألةُ أنها مفاهيمُ نظرية موجودة في العقل، لا يجعلها ضربًا من ضروب الترف الفكري الصرف، بل هي البذرة الأصيلة التي تتحدّد من بعدها قيمةُ الفكرة، كما ورد في ذكر مفهوم "الدولة"، عندما قال المؤلف: "لكن وجود «مفهوم الدولة» في العقل كمفهوم مجرد، هو الذي يجعل منه إطارًا مشتركًا للحياة المدنية والمؤسساتية والفعالة". ثم يُتْبِع المؤلف حديثه هذا بحديثٍ مفاده أن تطوّر المفاهيم مرهونٌ بتطور العقل البشري، وهو التطوّر الذي يُحتِّم تطوُّر قدرة الإنسان على تدبير الحياة المدنية في إطار المؤسسات، ونحو ذلك من الأمور.

يتّخذ المؤلف من خلال الأفكار السابقة ذريعةً واضحةً لفكرة تسويغ تطوير الخطاب الديني، بوصفه خطابًا يقوم على أفكارٍ جامدةٍ لا تخضع للعقل البشري! كأنه أراد بتلك السيرورة التي تؤزُّنا نحو التفكير في كل المفاهيم والمسلّمات التي نُسلّم بها؛ أن يدفعنا إلى قلب مفاهيم الشريعة الإسلامية، بوصفها موازيةً لتلك المفاهيم التي تتبدَّل بتبدّل العقل وتطوّره! ومن العجيب أن يُسلّم دكاترة الفلسفة بصدق الأفكار الفلسفية التي تنبع من الوازع الروحاني، كأفكار أفلاطون حول المُثُل، أو أفكار إيمانويل كانت حول العقل الأخلاقي، غير عابئين بالشرائع التي تُقرّها الأديان السماوية! فهل روحانية الفلسفة أجلّ وأسمى من روحانية الدين؟، ومن يستمدُّ شرعيته من الآخر؟.

حاول المؤلف من منتصف الكتاب إلى آخر فصلٍ فيه؛ أن يبذر الأرضية بألغام الشكّ في كل فصل، فجوّد في جزئياتٍ وأخطأ في أخرى، غير أنّ ما أراد المؤلف أن يحصده القارئ في منتهى الكتاب؛ أن يجعل من التفكير أصلًا للوصول إلى القناعات والمُسلّمات الراسخة، ثم ينفض من عقله بعد ذلك كل قناعةٍ ترسّخت فيه، بعد أول هزةٍ تُحْدِثها أرضية الشكّ!


شارك الصفحة

المزيد من المراجعات

المضادات الميمية: لماذا تقاوم بعض الأفكار الانتشار؟

المضادات الميمية: لماذا تقاوم بعض الأفكار الانتشار؟

توق الميمات للمشاركة والانتشار، فعندما نصادف ميمًا مستحسنًا، فإن رغبتنا الفطرية الأولى هي نقله إلى شخص آخر.

ترجمة: يارا عمّار
البحرُ المُضطَرب بلا ضِفاف: قراءةٌ نقديَّةٌ في الطمأنينة الفلسفيِّة

البحرُ المُضطَرب بلا ضِفاف: قراءةٌ نقديَّةٌ في الطمأنينة الفلسفيِّة

ليس هذا الكتابُ مِما يُقرأ على عجلٍ، ولا مِما يُلقى على النفس إلقاءً عابرًا ثم يُنسى.

سارة المطيري
لماذا يستسلم عقلك لدوّامات الأفكار؟ وكيف تتحرر منها؟

لماذا يستسلم عقلك لدوّامات الأفكار؟ وكيف تتحرر منها؟

إن الأنماط التي اعتدتها من الاجترار تستحق منك أن تتأملها بلطف وتفهمها عوضًا عن جلد ذاتك أو الشعور بالخزي

كتابة: دونا جاكسون ترجمة: يارا عمّار