كتابة: إريك أثاس
يقدم إريك أثاس فيما يلي خمس أفكار رئيسية من كتابه الجديد "مقاومة الإذعان للجديد: لماذا تسلبك المستجدات وقتك ومالك وسعادتك، وكيف تسترد حياتك".
يعمل إريك محررًا في صحيفة نيويورك تايمز حيث يساعد الصحفيين على تحصيل أدوات ومهارات جديدة لاستخدامها في تحسين السرد الصحفي، وقبل انضمامه إلى الصحيفة عام 2016 عمل في شبكة NPR وصحيفة واشنطن بوست.

ما الفكرة الرئيسية؟
فُطرت أدمغتنا على حب التجديد والتوق إليه، غير أننا اليوم غارقون في فيض لا ينتهي من المستجدات. حين نتعلم مقاومة المستجدات الفارغة وعدم الانسياق وراءها، فإنا نسترد أوقاتنا وأموالنا وانتباهنا لاستثمارها فيما يُثري حياتنا بحق.
1- يميل البشر بطبيعتهم إلى التجديد
جُبل الإنسان على الالتفات لكل جديد والإعراض عما ألفه واعتاده، وقد أوضح لي ديفيد إيغلمان عالم الأعصاب من جامعة ستانفورد أن أدمغتنا تقبع في صمت وظلمة تامة، وتحاول إنشاء نموذج داخلي للعالم الخارجي. ولمّا كانت الأشياء الجديدة غير مدرجة في النموذج، يضطر الدماغ إلى الوقوف عندها وتسجيلها في الذاكرة سعيًا إلى التنبؤ بها في المرات القادمة.
أثبتت الأبحاث أنه عندما نمر على شيء جديد -كسيارة براقة أو ثوب أنيق أو مقطع فيديو مسلّ- فإنا نحصل على جرعة دوبامين تدفعنا لاستكشافه. لكن بداخلنا دافعًا أعمق قد يحركنا للبحث عن الجديد، فقد كشفت الدراسات أن الجدة نفسها قد تكون هي المكافأة التي تسعى أدمغتنا إلى اقتناصها. فنحن لا نلهث وراء المستجدات لمتعة اقتناء منتجات جديدة فحسب، بل لمجرد كونها جديدة.
لهذه الظاهرة تفسير تطوري؛ تخيل أسلافنا القدماء يعثرون على مصادر غذاء جديدة ومناطق صيد لم يطرقوها من قبل، حينها كان التيقّظ للأصوات الغريبة ضرورة للبقاء آمنين، وبمرور الزمن استكشفوا بقاعًا جديدة من الأرض واخترعوا أدوات جديدة، وهكذا ظل افتتاننا بالجديد ميزة تطورية جليّة لعقود طويلة.
2- نحن نواجه وابلًا متزايدًا من المستجدات
ما زالت أدمغتنا حتى اليوم تتوق إلى التجديد، غير أن الأشياء الجديدة لم تعد نادرة. غدا في متناول أيدينا مئات الملايين من المنتجات الجديدة وإمداد لا ينتهي من المعارف والمحتوى الحديث، وبوسعنا الحصول على ذلك كله فورًا: عبر الشراء بنقرة واحدة أو وسائل الدفع عبر الهاتف أو خدمات "اشترِ الآن وادفع لاحقًا". تلك وغيرها من ابتكارات التجزئة تمنحنا وصولًا سلسًا إلى كل ما هو جديد، ففي هذه اللحظة تستطيع ابتياع شيء جديد واستهلاكه ببضع نقرات على هاتفك أو حاسوبك.
إن بداخلنا رغبة فطرية في التجديد في عالم يفيض بالمستحدثات، وهذا مزيج خطير. لهذا السبب بالتحديد ننفق أموالًا طائلة على منتجات جديدة لا نحتاجها، ونستسلم لتقنيات برّاقة لا تزيد حياتنا إلا تعقيدًا، وتتراكم الفوضى في منازلنا بمعدل يفوق قدرتنا على ترتيبها. كما أنه أحد أسباب الصعوبة الشديدة في مقاومة التجارب الرقمية، فتطبيقات التواصل الاجتماعي وروبوتات الدردشة بالذكاء الاصطناعي تُشبع أدمغتنا المتعطشة للتجديد.
قد نستهلك الأشياء الجديدة لظننا أنها ستجلب لنا السعادة، فنحن نطارد الشعور بالمتعة الذي يعترينا لحظة تمزيق غلاف طرد جديد أو تحميل تطبيق جديد، لكن هذا الشعور سريع الزوال. ناقشت هذا الأمر مع لوري سانتوس، الأستاذة في جامعة ييل والخبيرة في مجال السعادة، فأكدت أن الأشياء الجديدة لا تقود إلى السعادة الدائمة، وشبّهت الحال بمن يقف على سير متحرك يلهث وراء رغبات متجددة للظفر بشعور السعادة مرة تلو الأخرى.
3- الشركات التجارية تؤثر على قراراتنا عند كل خطوة
تستحثنا الشركات التجارية باستمرار على الشراء والتحميل والاشتراك بأساليب لا يسهل التفطن لها دائمًا؛ فمثلًا عروض "التخفيضات المؤقتة"، أو الإعلان عن السلعة بـ "كمية محدودة"، يوظف فيها المفهوم النفسي المعروف بـ "مبدأ الندرة"، فالعلم بقلّة المعروض يزيد شغفنا به، وهذه ليست سوى واحدة من الطرق العديدة التي تستغل بها الشركات علم النفس للتأثير في قراراتنا.
تتجلى في حياتنا اليومية استراتيجيات لا تحصى شبيهة بمبدأ الندرة؛ إليك مثالًا: عندما تصل إلى صفحة الدفع وتجد مؤقت العد التنازلي ينذرك بأنه ليس أمامك سوى دقائق معدودة لإتمام عملية الشراء، هذا نموذج لما يسمى بالإلحاح الزائف، إذ تثير المؤقتات شعور التوتر والقلق مما يدفعنا لإتمام المعاملة لمجرد التخفيف من ذلك الشعور المزعج.
وفي أحيان أخرى تلجأ الشركات إلى الخداع لإقناعنا بالانسياق وراء الجديد، حيث تستخدم ادعاءات باطلة توهمنا بأن المنتج أو الخدمة تقدم ما تعجز عنه في الواقع. وحتى المراجعات والتقييمات على الإنترنت لم تعد محل ثقة، فقد أجريت تجربة استقصائية سرية لاكتشاف مدى سهولة الحصول على أموال مقابل كتابة مراجعة إيجابية.
تتكاتف جهود الإقناع هذه مع وسائل التواصل الاجتماعي، حيث نقع تحت سطوة العلاقات شبه الاجتماعية مع المؤثرين الذين يتربّحون من إقناعنا بشراء أقنعة المعالجة بالضوء الأحمر أو محمصات الخبز المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
4- بإمكاننا أن نتحرر من قبضة المستحدثات الفارغة
قد يبدو الوضع ثقيلًا على النفس، فكلما اتصلنا بالإنترنت استُهدفنا بإعلانات المنتجات الجديدة، وتنهال علينا التنبيهات على مدار اليوم، والشركات التجارية تستغل آليات عمل أدمغتنا لإقناعنا بمواصلة الترقية والشراء والتحميل. غير أن بإمكانك التحرر من هذا السيل المتزايد، بوسعك أن تستعيد السيطرة على ما يدخل حياتك من جديد، فتحفظ بذلك وقتك ومالك وانتباهك وسعادتك.
تحدثت مع عدد من علماء الاجتماع وعلماء النفس والخبراء في اتخاذ القرار حول استراتيجيات مثبتة علميًا لمقاومة الرغبة المستمرة في استهلاك كل ما هو جديد، وتوصلت إلى أن من أهم الخطوات التي قد تتخذها أن تعيد تشكيل تدفق المستحدثات إلى حياتك، وهو ما أسميه "فجوة المستحدثات"، أي البُعد الزماني والمكاني الذي يفصل بين لحظة رؤيتك للشيء الجديد ولحظة اقتنائه. يكمن السر في توسيع هذه الفجوة، بحيث تضع وقتًا ومسافة أطول بينك وبين المستجدات الفارغة المحتملة.
وبذلك ستعيد موازنة المعادلة، مما يصعّب الانسياق وراء المستجدات، كما ستزداد تيقظًا لادعاءات المنتجات المضللة وأساليب التأثير. وعلى المستوى العملي، سيمنحك هذا المسلك وقتًا أطول للتأني واتخاذ قرارات سديدة، وربما تدرك حينها أنك لست بحاجة إلى الترقية لأن ما تملكه يؤدي الغرض على أكمل وجه.
لو وجدت نفسك تضغط على أيقونة "اشتر" بكثرة فاحذف بيانات بطاقتك الائتمانية المحفوظة حتى تصعّب إتمام الشراء، وإن لم تستطع الابتعاد عن التطبيقات التي تغذي شغفك بالجديد فاحذفها من هاتفك. وإليك حلًا إبداعيًا تعلمته من كايتي ميلكمان الباحثة في العلوم الاجتماعية بجامعة بنسلفانيا: اقطع على نفسك عهدًا بكبح عادات التسوق أو استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. هذه التغييرات الصغيرة من شأنها أن توسّع فجوة الجديد وتعيد إليك زمام التحكم في المغريات الجديدة.
5- من الجديد ما هو ذو قيمة
ليس الهدف من رفض المستجدات أن تغلق الباب أمام كل ما هو جديد، فكثير من التجارب والمنتجات والخدمات الجديدة قيّمة وتثري حياتنا، غير أنها متوارية وسط وابل المستجدات عديمة النفع.
بدايةً، يجدر بنا التفتيش عن التجارب الجديدة المُرضية، كالسفر إلى أماكن جديدة وتذوق أطعمة غير مألوفة وتعلم مهارات تتحدى قدراتك في العمل. ناقشت ذلك مع آرون هيلر، وهو أخصائي في علم النفس وعالم في الأعصاب بجامعة ميامي، فأكد أن المرء يمكنه تحسين جودة حياته باستكشاف أماكن جديدة من مدينته.
قد تضفي المنتجات الجديدة المعنى على حياتنا لو كانت متماشية مع قيمنا، فكتاب جديد قد يعلمك فكرة نافعة، وحذاء ركض جديد قد يساعدك في بلوغ خط النهاية في الماراثون، وسترة جديدة ابتعتها في العطلة قد ترسم الابتسامة على وجهك كلما ارتديتها، وبالطبع لو تعطل شيء ما فقد يلزم استبداله.
رغم ما في الأمر من مفارقة، فإن رفض الانسياق وراء الجديد يكسبك براعة في انتقاء النافع منه.
المصدر
شارك الصفحة
المزيد من المراجعات

الكتابة الأكاديمية: حين يكون القارئ محور الاهتمام
إن القاعدة العامة ضد استخدام ضمير المتكلم (أنا) قاعدة فاسدة… فأنت هو المتحدث لا أحد غيرك

مفهومك عن العبقرية ليس في محله
كلما زاد إتقان المرء لأمر ما قلّ الجهد الذي يحس به، فيتوهم أن السهولة دليل على البساطة.

مسيرة التفكير إلى محطّة الشكّ!
قد يَرِد إلى ذهن المتلقّي أن في تقعيد الحياة بإملاءاتٍ يفرضها الإنسان على نفسه قدرًا من التعقيد الذي يصيب نمط الحياة بالشلل.
