header

خمسة تصورات خاطئة حول حكمة الجموع

02 نوفمبر 2026
١٢ دقيقة قراءة

كتابة: ديمون سنتولا

يقدم ديمون سنتولا خمس أفكار من كتابه الحديث "التفكير القويم: العلم الحديث للذكاء الجمعي".

يعمل ديمون أستاذًا بجامعة بنسلفانيا حيث يدير "مجموعة ديناميكيات الشبكات"، ويدرس كيفية انتشار الأفكار والسلوكيات عبر الشبكات الاجتماعية، وكيف تشكّل تلك الشبكات ذكاءنا الجمعي.

ما الفكرة الرئيسية؟

التأثير الاجتماعي بذاته لا يتسم بالحكمة أو الحُمق، ولا بالقدرة على توحيد الناس أو استقطابهم، ولا بالنزوع إلى الإبداعية أو التقليدية. ما يحدد النتيجة في أي من تلك التحديات هو وجود الهيكل المناسب الذي يضبط تدفق هذا التأثير ليحوله إلى ذكاء. وما إن نفهم آلية عمل هذه الهياكل سنتمكن من تصميم شبكات تساعد الناس على تبادل المعرفة وتحسين اتخاذ القرارات وحل المشكلات التي يعجز أي منا عن حلها بمفرده.

١. تفنيد أسطورة التفكير الجمعي

اكتسبت فكرة "التفكير الجمعي" شعبيتها بفضل عالم النفس إيرفينغ جانيس، فبعد دراسته عملية اتخاذ القرار في البيت الأبيض خلال إدارتي كينيدي وجونسون، ذهب إلى أن الولاء وروح الزمالة بين المستشارين ذوي التعليم العالي أدت إلى كبح التفكير النقدي. على سبيل المثال، قبل غزو خليج الخنازير وضع مستشارو الرئيس كينيدي -بكل ثقة- عدة افتراضات خاطئة حول القوة العسكرية لفيدل كاسترو، ثم آلت العملية إلى فشل تاريخي ذريع.

يرى جانيس أن الدرس غايةً في الوضوح: فعندما تجتمع فئة من الناس معًا ويؤثر بعضهم على بعض، فإنهم -حتى أذكاهم- يرتكبون نفس الأخطاء في التقدير والتقييم.

ومع أن إخفاق غزو خليج الخنازير يؤكد وجود خلل ما، فإنه لا يثبت أن التأثير الاجتماعي هو الجاني. تشير أبحاثي التي أجريتها على مدار العقدين الماضيين إلى تفسير أدق: وهو أن مستوى ذكاء الأذكياء ينخفض حين يهيمن صوت واحد على شبكة النقاش. ولكن خلافًا لما تقرره نظرية التفكير الجمعي: يزداد الناس ذكاءً نتيجة تأثير الأقران في شبكاتهم عندما يوزَّع هذا التأثير بالتساوي على أفراد المجموعة، أي في الشبكات التي يتمتع فيها الأفراد بقدر متكافئ من التأثير والقوة.

ولاختبار هذه الفكرة أنشأت مع فريقي 32 مجتمعًا افتراضيًا على الإنترنت لمناقشة سلامة اللقاحات. ووضعنا في كل مجتمع عميلًا مضلِّلًا يدّعي مرارًا وتكرارًا أن الاستجابات التحسسية التي تهدد الحياة بلغت قرابة 10000 حالة، بينما العدد الحقيقي كان 35 حالة فقط.

شغل العميل المضلل موضع التأثير المركزي في الشبكات المركزية (أو شبكات ضخ المعلومات بكثافة، التي ينشر فيها فرد واحد أفكاره بين كافة أفراد المجموعة). وكما هو متوقع ازدادت نسبة خطأ المجموعة زيادة هائلة -50% تقريبًا- أما غير المتوقع فهو أن النقاشات ازدادت حدّة وغلب عليها الطابع العاطفي.

وعلى الجانب الآخر، حدث شيء مذهل في الشبكات المتساوية التي يوزع فيها التأثير بالتكافؤ. فمع أن العميل المضلل ذاته قد بث فيها نفس المزاعم التحريضية، فقد صارت المجتمعات في تلك الشبكات أكثر دقة، حيث انخفضت نسبة الخطأ بنحو 25%. كما كانت النقاشات أكثر تحضرًا، واطمأن عدد أكبر من المشاركين للتعبير عن آرائهم بحرية. 

تبادل الناس التأثير على بعضهم في كلا النوعين من الشبكات، غير أن أحد الهيكلين أدى إلى تضخيم الزيف والأكاذيب، فيما دفع الآخر المجتمع إلى استدركها وتصويبها. لم تكن المشكلات التي ظهرت خلال إدارتي كينيدي وجونسون نتيجة حتمية لتفكير المستشارين معًا، إنما كانت نتيجة تفكيرهم معًا ضمن هيكل هرمي أدى إلى مركزة التأثير الاجتماعي داخل الغرفة، مما قوّض ذكاء أولئك المستشارين.

٢. تفنيد أسطورة غُرف الصدى

ثاني أساطير الذكاء الجمعي أن قصر التواصل على مَن يوافقوننا الرأي يفضي بالضرورة إلى زيادة الاستقطاب. بعبارة أخرى، لو لم يتحدث الديمقراطيون إلا مع أبناء حزبهم، وكذلك الجمهوريون، فسيزداد كلا الفريقين تطرفًا وستتسع الفجوة القائمة بينهم. تسمى هذه المجموعات التي تجمع ذوي التفكير المماثل "غرف الصدى".

قد يبدو هذا الافتراض بديهيًا، لكن لمّا اختبرت الأمر مع فريقي مباشرة في تجربة شملت زهاء 1500 ديمقراطي وجمهوري وجدنا العكس تمامًا: عندما يتوزع التأثير بالتساوي داخل غرف الصدى، فالمحادثات القائمة بين أصحاب التفكير المماثل تقلّل الاستقطاب فعليًا وتقرّب المشاركين من استيعاب الحقائق ذاتها.

طرحنا في دراستنا على الديمقراطيين والجمهوريين أسئلةً واقعية ذات طابع سياسي مشحون متعلقة بالهجرة والإنفاق العسكري والبطالة وحرب العراق. ثم قسّمناهم بين مجموعات متجانسة سياسيًا: أي غرف صدى ديمقراطية وأخرى جمهورية. تقتضي الحكمة السائدة أن تضخم غرف الصدى تلك التحيزَ الحزبي.

لكن عبر اثنتي عشرة تجربة متكررة أدت غرف الصدى المتساوية إلى زيادة الذكاء الجمعي لدى كلتا المجموعتين. بل وأكثر ما يدعو للدهشة أن الاستقطاب بين الديمقراطيين والجمهوريين انخفض بنسبة 50% تقريبًا، فقد اقتربت المجموعتان من فهم الحقائق مما أفضى إلى تقليص الفجوة فيما بينهما.

لكن ما السبب في ذلك؟ لأن الناس في غرف الصدى كانوا على استعداد للتعلم من أقرانهم، والأهم أن التأثير كان موزعًا بالتساوي، مما منع أي صوت متطرف من الهيمنة على المحادثة. ولما اختبرنا ما قد يحدث لو كانت غرف الصدى مركزية البنية، وجدنا أن أي تحيز في المركز كان يجذب كلتا المجموعتين في اتجاهين متعاكسين نحو التطرف، فارتفعت نسبة الخطأ وزادت حدة الاستقطاب فيهما جميعًا.

تغدو غرف الصدى خطيرة عندما يتحكم عدد ضئيل من الأصوات في تدفق المعلومات، أي عندما تتمركز السلطة حول مصدر واحد لضخ المعلومات بكثافة. أما عندما يوزع التأثير بالتساوي، فإن تبادل الأفكار بين الأقران المتماثلين في المجتمعات الموثوقة يُشعر بالأمان ويساعد على كشف التحيزات -وتصحيحها-


٣. فنيد أسطورة أن الخبراء يبلون حسنًا حين يعملون بمفردهم

لنأخذ الأطباء على سبيل المثال: غالبًا ما تعامَل الأخطاء الطبية على أنها إخفاقات فردية، كأن تُعزى إلى نقص خبرة الطبيب أو ضيق وقته أو قصور تدريبه أو افتقاره إلى الدافع، ويتمثل الحل الشائع في منح الأطباء المزيد من الوقت والمال والتدريب. غير أن توفير المزيد من المصادر أو المكافآت للأطباء لا يقلل معدل الأخطاء الطبية، فأكثر الأخطاء مهنية -وهذا ينطبق على مختلف المجالات سواء الطب أو الاستثمار في الأسهم- تُعزى إلى أنماط مشتركة من القناعات التي تترسخ عبر الشبكات المهنية. المال لا يغير كل ذلك، بل قد يفاقم المشكلة.

أجريت بالتعاون مع فريقي دراسة جمعنا فيها ما يزيد على 3000 طبيب من جميع أنحاء الولايات المتحدة، وطلبنا منهم تقييم عدد من الحالات الطبية تشمل أمراض القلب والسكري وآلام الظهر ورعاية المسنين. نظر كل طبيب على حدة في حالات عدد من المجموعات التجريبية، وفي مجموعات أخرى أُدرج الأطباء في شبكات متكافئة لتبادل المعلومات دون الكشف عن الهوية، فكان بإمكانهم الاطلاع على التقييمات التشخيصية لأقرانهم في تلك الشبكات لكن دون رؤية القرارات العلاجية.

وبعد نحو خمس دقائق من تبادل الآراء بين مجموعات الشبكة، تضاعفت جودة الدقة التشخيصية للأطباء مقارنة بمجموعات التقييم المستقل. وقد تُرجم هذا مباشرة إلى قرارات علاجية أنجع، فما يقرب من ثلث الأطباء الذين اختاروا علاجًا خاطئًا أول الأمر تغيرت توصياتهم إلى العلاج المناسب لمرضاهم.

ثم تعمّقنا أكثر في البحث لمعرفة دور الشبكات في إصلاح القطاع الطبي. درسنا هذه المرة قدرة الهيكل الشبكي نفسه على المساهمة في معالجة التحيز العرقي والجنساني في الرعاية الطبية. استعنا بما يقرب من 1000 طبيب لتقييم حالتين مرضيتين متطابقتين تمامًا: رجل أبيض وامرأة سوداء يعانيان من العلة ذاتها ويستحقان نفس العلاج المعتمد في الدليل الطبي. كانت المفاجأة في بداية الدراسة أن احتمال صرف الأطباء المرأة السوداء إلى منزلها، عوضًا عن حجزها بالمشفى، أعلى ثلاثة أضعاف من احتمال اتخاذ القرار ذاته في حق الرجل الأبيض. لكن كل شيء تغير بعدما تبادل الأطباء تقييماتهم السريرية في شبكات متكافئة، فقد زادت دقة تقديراتهم، مما أخرج توصياتهم من "المنطقة الرمادية" التي يتسلل منها التحيز اللاواعي لتشكيل الخطة العلاجية للمريض. وفي غضون بضع دقائق اختفى التفاوت في معاملة المرضى.

لم يزوَّد أي من الأطباء الذين شملتهم دراستنا بحقائق طبية إضافية ولا مال ولا وقت، ولم يتلق أي منهم محاضرة حول التحيز والثقافة. إنما الشبكة وحدها كانت كفيلة بتغيير تفسيرهم للمعلومات التي بين أيديهم، وقادتهم إلى توظيف ما يعرفونه باحترافية وإنصاف.

٤. تفنيد أسطورة أن الشعبية ليست سوى انسياق أعمى وراء القطيع

تقوم الأسطورة الرابعة على معتقد شائع حول الشعبية: وهو أن الكتب الأكثر مبيعًا أو الأغاني الرائجة أو الأفكار السائدة إنما نجحت لأن الناس ينساقون بلا بصيرة وراء ما يحظى بالشعبية. لكن الشعبية قد تكون أحيانًا شكلًا قويًا من أشكال الذكاء الجمعي. 

لنضرب مثالًا بهاري بوتر: هل تعلم أن أول رواية للمؤلفة جوان رولينغ "هاري بوتر وحجر الفيلسوف" قد رفضتها 12 دار نشر قبل أن تُقبل أخيرًا؟ لكن بمجرد نشرها تحوّلت إلى عمل كلاسيكي خالد. أو تأمل حالة "دكتور سوس": فقد رفضت 27 دار نشر كتابه الأول. وبينما هو في طريقه إلى المنزل عازمًا على حرق مخطوطته، التقى بصديق قديم انضم للتو إلى دار نشر. كان تلك المصادفة الغريبة هي السبيل لإبرام عقد أثمر في النهاية عن أعمال كلاسيكية مثل "القط ذو القبعة" و"كيف سرق غرينش عيد الميلاد" وغيرهما الكثير.

فهل النجاحات الثقافية مجرد مصادفات تاريخية، أم أن الجماهير يستطيعون تمييز الجودة التي يغفل عنها الخبراء؟ تشير الأبحاث إلى أن الشعبية والرواج الثقافي يمكن أن يضخّم أعلى المنتجات جودة ويساعد الجماهير في اكتشاف الأفكار التي غفل عنها الخبراء في البداية. غير أن العامل الحاسم لإعمال هذه الديناميكية هو وجود بنية سوقية تضمن للبدائل المهجورة في البداية فرصة أن تظل حية مدة تكفي لاكتشافها.

أجرى صديقي في الدراسات العليا (مات سالجانيك) دراسة مبهرة (غدت شهيرة الآن) تكشف كيفية حدوث ذلك. ففي عام 2004، أسس موقعًا لتحميل الموسيقى اسمه MusicLab  واستقطب أكثر من 10000 مراهق للاستماع إلى أغاني فرق موسيقية مجهولة وتحميلها. قسّم مات المشاركين إلى ثماني عوالم متطابقة في البداية، لكل منها قائمة تصنيف خاصة للأغاني الأكثر رواجًا بناءً على عدد مرات التحميل، ثم راقب كيفية تطور شعبيتها: هل سيختار كل عالم أغنيته الناجحة "عشوائيًا" أم أن كل مجموعة مستقلة ستتجه نحو الأغنية الفائزة ذاتها؟

اللافت للنظر أن الأغنية ذاتها تصدرت القائمة في جميع العوالم الثمانية. والأكثر إثارة للدهشة أنه عندما أجرى مات وفريقه تجربة أخرى تلاعبوا فيها بترتيب القائمة بوضع أفضل أغنية -تلك التي حظت بشعبية ثابتة في العوالم الثمانية- في أدنى مرتبة، استطاع جماهير المراهقين اكتشافها في بضع ساعات وسرعان ما صعدت إلى المرتبة الأولى!

إن التقييم المجتمعي لا يساعد الناس في اكتشاف الخيارات الحسنة فحسب، بل يمكن أن يصحح القوائم والترتيب بفعالية حين يحدث تلاعب بالنتائج الرسمية. وهذه النتيجة القوية تشهد على مدى كفاء الذكاء الجمعي المترتب على الشعبية. غير أن هذا الانقياد الجماعي قد يحيد عن مساره حين تُستبعد بسرعة الخيارات التي لا تحظى بالشعبية، فمثلًا  لو أن هاري بوتر أو أعمال دكتور سوس اختفت بعد الرفض الأولي لمَا أتيحت للقراء أبدًا فرصة اكتشافها.

ليست الشعبية دليلًا على الجودة بالضرورة. لكن عندما تتسم الأسواق الثقافية بالعدالة وتتيح لجميع الخيارات فرصة اكتشافها، فتلك الشعبية التي تأتي من التقييم المجتمعي قد توفر شكلًا قويًا من أشكال الذكاء الجمعي يمكن أن ينتشل الأفكار العظيمة من غياهب النسيان.

٥. تفنيد أسطورة أن التواصل السريع يعزز الابتكار

أما الأسطورة الأخيرة فهي تلك التي تدعي أن سرعة التواصل تزيد معدلات الابتكار. لمّا تسعى المؤسسات إلى زيادة الإبداعية فإنها تحاول غالبًا أن تربط الجميع بعضهم ببعض، وتنشئ مساحات مكتبية مفتوحة، وتمنح الفرق أكبر قدر ممكن من المعلومات سريعة الانتشار.

غير أن هذه الاستراتيجية تؤدي إلى نتائج عكسية غالبًا. فالإبداع يزدهر في الشبكات المترابطة على نطاق ضيق، حيث تنتشر المعلومات ببطء ويتفاعل الأفراد مرارًا مع عدد محدود من الأقران المتنوعين، عوضًا عن الاطلاع على أعمال الجميع دفعة واحدة.

تأمّل مثلًا المبنى 20 الأسطوري في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: كان في بدايته هيكلًا خشبيًا بُني موقتًا خلال الحرب العالمية الثانية لإسكان الأعداد المتزايدة من الباحثين الوافدين إلى الحرم الجامعي من تخصصات شتى تتنوع بين الصوتيات والهندسة التطبيقية وعلم الفلك. كان المبنى 20 مأوى للغرائب والأفكار غير المألوفة، مبنى يفتقر إلى المظهر الجمالي وتخطيطه مُربك ومتداعٍ لدرجة أن الباحثين كانوا يستطيعون إحداث ثقوب في الجدران وإعادة تشكيل الشبكات الكهربائية في مكاتبهم. وقد أجبرت الممرات الطويلة الخاصة بالمشاة العلماءَ على التجول فيها، مما أدى تلاقي الزملاء من تخصصات مغايرة مصادفة، فجرت بينهم محادثات غير معتادة أثمرت عن طرق تعاون غير تقليدية. وقد كان العالم الشهير نعوم تشومسكي، الذي كان مكتبه بالأخص في المبنى 20 غير مريح، يتجول في الأروقة ويتبادل أطراف الحديث مع باحثين في علم الأحياء وعلم النفس وعلوم الحاسوب، وهي المجالات ساهمت في عمله الثوري في علم اللسانيات.

لقد جمع المبنى 20 بين أمرين قلّما يجتمعان: التنوع الفكري ومحدودية التفاعل مع المحيط. فساكنو المبنى كانوا يلتقون بأشخاص ذوي أنماط تفكير مختلفة، وفي الوقت ذاته لم يجبَروا على الانخراط في الكم الهائل من الأفكار الذي تضمه أروقة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. كما لم يكونوا يتفاعلون عادة مع شبكة زملائهم الواسعة في أقسامهم. لقد أنشأ المبنى 20 شبكات تفاعلية مكثفة في ممراته، مع تحجيم تدفق المعلومات من خارجه، مما حمى الأفكار غير التقليدية الناشئة في المبنى من طغيان المناهج والحلول السائدة عليها، أو تلك التي رآها كبار الباحثين واعدة. 

ولمعرفة ما إن كان المبدأ ينطبق على بيئة مضبوطة أجريت أنا وفريقي منافسة قسّمنا فيها علماء البيانات إلى فرق لحل مشكلات شديدة التعقيد متعلقة بعلم البيانات. اشتملت التجربة على ثمان منافسات إجمالًا، وفي نصف الفرق أتيح لجميع الأعضاء الاطلاع على أعمال بعضهم، ويُعرض على لوحة الصدارة أفضل الحلول المطروحة. وأما في النصف الآخر فلم يتمكن المشاركون من رؤية سوى أعمال عدد محدود من الأقران القريبين منهم (في الممر)، مما أطال وقت انتشار أي فكرة جديدة بين شبكة الفريق بأكملها. أُمهلت الفرق 15 دقيقة لاكتشاف نطاق استراتيجي يضم أكثر من 15000 حل.

كانت النتيجة أن الفرق ذات التواصل الكامل توافقت سريعًا على حلول جيدة. أما الفرق المتصلة بمحيطها القريب فحسب واصلت البحث والاستكشاف حتى وقعت على حلول استثنائية بحق، بل إنها وصلت إلى أفضل حل ممكن في نصف المنافسات، فيما لم تتوصل إلى مثلها الفرق ذات التواصل الكامل، ولو لمرة واحدة.

 قد نلجأ إلى زيادة تدفق المعلومات حين نروم الإبداع في حل المشكلات، غير أن ذلك ربما يفضى إلى اقتفاء الجميع المسار المسدودة ذاته لمجرد أنه يبدو واعدًا. نعم لا شك أن الابتكار يتطلب التنوع، لكنه يتطلب أيضًا تبطئة انتشار المعلومات لمنح الأفكار الغريبة وغير المألوفة الوقت والفرصة لتلحق بالواقع السائد وتتطور حتى تغدو ابتكارًا رائدًا.

المصدر

شارك الصفحة

المزيد من المراجعات

حدائق الترتيل: مراجعة لكتاب التلاوة المصرية

حدائق الترتيل: مراجعة لكتاب التلاوة المصرية

أيُّ نعمةٍ منحنا الله حين حفظت التسجيلات هذا الكنز الوافر من التلاوات المتقنة!

حسان الغامدي
كيف تتخذ قرارات سديدة في عالم يمطرك بالمغريات؟

كيف تتخذ قرارات سديدة في عالم يمطرك بالمغريات؟

حين نتعلم مقاومة المستجدات الفارغة وعدم الانسياق وراءها، فإنا نسترد أوقاتنا وأموالنا وانتباهنا لاستثمارها فيما يُثري حياتنا بحق

ترجمة: يارا عمار
الكتابة الأكاديمية: حين يكون القارئ محور الاهتمام

الكتابة الأكاديمية: حين يكون القارئ محور الاهتمام

إن القاعدة العامة ضد استخدام ضمير المتكلم (أنا) قاعدة فاسدة… فأنت هو المتحدث لا أحد غيرك

ترجمة: يارا عمار