header

مآتم سرّيّة: مراجعة لرواية القبيلة التي تضحك ليلًا

ها
هيفاء المحماديهيفاء المحمادي
13 أغسطس 2025
٥ دقيقة قراءة

عن الأحكام الصادرة بلا تريث، والأسى الصامت الذي يعيش في قلب رجل عقيم. عن قوة الأمل والمحاولات التي لا تتوقف في سبيل نيل الحلم، عن ليلة واحدة تشتعل فيها الأعاصير في الداخل سرًا، والطرقات المظلمة التي تسير بها تلك الأرجل الدامية نحو حلم الأبوة.

"في كل شهر قمري يموت واحد من أبنائي، فينتصب سرادق العزاء في صدري، ولا أحد يشاركني تلك المآتم السريّة".

هكذا يبدأ سالم الصقور روايته الآسرة القبيلة التي تضحك ليلاً.

في هذه الرواية، التي صدرت عن دار مسكيلياني، كن مستعداً لمواجهة عاصفة من المشاعر تختلج في قلب قلق، متذبذب بين الأمل واليأس. ستعيش التأرجح بين الماضي الهش والمستقبل المعتم. وستختلط أحاسيسك مع شخصية "علي بن سعدى" الذي توشك أن تتفجر الحياة بين يديه، أو تدفن تحت أقدامه.

تجري الأحداث في يوم وليلة من حياة رجل لم يرزق بأبناء، يصف حروبه الخاسرة مع سياط ألسنة القبيلة، وهزائمه الدائمة في التجارب الطبية، وأمله المعلق في كهوف السحرة وأحجبة الفقهاء.

تجري القصة في نجران، تلك الأرض المليئة بالأسرار، يحكي الكاتب بكل شفافية عن الطائفة الإسماعيلية، عن عاداتهم وطرقاتهم والخرافات التي تحكيها الجدات لأحفادهن قبل النوم. يكتبها وكأنك تعيشها، يحكيها فتشعر أنك تمسك بدلاً عنه يد جده الخشنة وهو يتجول بين حقول الذرة، ليمر من أمام منزل طليقته صغيرة السن، ويغازلها بأبياتٍ عذبة من الشعر.

"الفرد في القبيلة حارس مشرحة للموتى، أولئك الموتى القدامى الذين ينتمون لعالم ما قبل الأنا واﻷنت. ببساطة، أن تعيش وسط قبيلة كأنك تعيش في إحدى ضواحي جهنم".

يناقش الكاتب بعض المظاهر الاجتماعية الجائرة التي لازالت قائمة حتى هذه اللحظة، ستفهم كيف تؤثر ظلال القبيلة على الفرد، وكيف يحق لهم أن يحملونه مسئولية تعثره في التكاثر، وأن أصابع الأجداد المدفونة تحت التراب، لازالت لديها السلطة بتحديد اتجاهات مصير حياة أفرادها بلا أي اعتبار لحرياتهم الشخصية. يكتب سالم بأسلوب متهكم عن آثار الأسئلة المباشرة الجارحة التي تصوب نحو الصدر أمام ٤٠ رجلاً، وعن عادات المجتمع البدائية في نبش قبور الأحزان بالأسئلة والنظرات.

في كل فصل ينتقل الكاتب بين الحاضر القاسي، وذاكرته المقيّدة بالخوف، وشعوره الفائض بالعجز، وهو يجلس منتظراً في ممرات المستشفيات الموحشة التي تأخذ منك الأحباء، أو تمنحك إياهم، وينظر بذعر إلى الأجساد ذات الأردية البيضاء التي قد تسير نحوه حاملة نعوش الأحلام المجهضة. 

يكتب سالم بكل إبداع مايختلج في قلب البطل، يصف حزنه المتراكم، وكفاحه الطويل، وحلمه الذي تعبث به ألسنة زملائه ليقطعون الوقت الثقيل في المجالس، ويلقون النكات عن طرق زيادة الفحولة، واستمتاعهم بإحراجه بكافة الوسائل البعيدة عن الإنسانية. 

"أعرف أن الأبوة ذاتها تحولت لمرض عاطفي. يتعامل الآباء في هذا الزمن مع أبنائهم كما يتعاملون مع جرح طري أو نبتة ظل".

في هذه الرواية ستعرف أكثر عن مرض فقد الأبناء العاطفي، من وجهة نظر رجل شرقي تُعرف صلابته بقوة بأسه، وتُقاس رجولته بعدد أبناءه. عن القيود التي يعيشها في ظل اقتحام الخصوصية، والتعدّي على الذات في مجتمع قبلي محدود العدد. يضعنا الكاتب في دائرة الشعور، ويسلط الضوء على المشهد الذي غاب طويلاً في الظلام، ويغيب موقف الزوجة التي بات الجميع يعرف شعورها حيال هذه المأساة.

تناول أيضاً الكاتب الأمل الأخير للأزواج غير القادرين على الإنجاب، عن أطفال الأنابيب ورفض المجتمع لهم، عن السفر سراً للأطباء كي لا يوصم أبنائهم. 

الذين صنعوا من أصلابهم بمساعدة الأطباء أبناء المختبرات، كي لا تلمزهم الأعين وتتهامس عنهم النساء، فأطفال الأنابيب هم بأعينهم أنصاف سفاح، لايؤتمن نسبهم أو في نظرة أخرى أقل رحمة هم أبناء جيء بنطفهم المشوهة من الغرب حتى يغرسوا في بويضات الزوجات لينبتوا أطفالاً محقونين بالكفر، منزوعين من الغيرة.

بالإضافة إلى الأمر الذي لاجدال فيه أنه يعد منقصة للرجولة وخدشاً في أنوثة المرأة.

"كان لا بد لكلٍّ منّا أن يهبط إلى أعماق الآخر، لينتشل الغريق من مائه الآسن. تكاشفنا النوايا، وتباسطت الأرواح، وفتحت لي أبواب متحف الحروق في روحها".

يسرد الكاتب سالم الصقور أحداث روايته بلغة رصينة آسرة، وأسلوب سردي فاخر، ولغة شعرية ساحرة، وفلسفة عميقة تتناول مفاهيم عديدة كالأمل والفقد والحياة والخوف، تنساب كلماته كما ينساب النهر في وادٍ هادئ. حواراته الصادقة، تحكي عن مايجول في قلب "علي بن سعدى" ونظراته، وبين روحه وقلبه وعقله. كلماته تنضح بالعذوبة، ووصفه البديع يفتح أمام القارئ زاوية بعيدة، يرى منها المشاهد ويعيش تفاصيلها. وبعبقرية تصويره، تستطيع أن تلمس جدران الممرات، وتشتم عبق الحقول، حتى لتكاد تتذوق طعم اللحظة.

يبدأ الكاتب فصول روايته بالساعات التي تلت ولادة حلمه، كل ساعة تحمل أفكارًا يناقشها بطل الشخصية في عقله، يرسم أبعاد التصرفات العصبية للناس، ويحكي عن الأشخاص الذين جلسوا بجاوره على كراسي الانتظار. يحكي كل ذلك بفلسفة عميقة تتناول أبعادًا مجتمعية، وأصولًا فكرية، وقواعد دينية. يحلل المواقف، ويكتشف ماوراء الأقنعة، ويأخذنا إلى جذور المعتقدات بكل شجاعة. يسهب الكاتب في تأملاته من خلف الشخصية الرئيسية، وتغرق معه بدون أن تشعر، مستسلمًا لذلك الغرق المحمود.

لا ملل ولا فتور سيتسلل إليك أثناء القراءة، فالترقّب وحده سيحوم حول رأسك حتى تفاجئك نهاية غير متوقعة.

 في 135 صفحة فقط، استطاع سالم أن يصف صداماتٍ كبرى بأسلوب عبقري، حتى غدت هذه الرواية بالنسبة لي جهاز إنعاش للرواية السعودية.

"القبيلة التي تضحك ليلاً"، هي أول رواية قصيرة لسالم الصقور، وهو طبيب أسنان وكاتب سعودي، شغل سالم الكثير من المناصب الثقافية وأسس مكتبة "أما بعد" في مدينة نجران، وهي مكتبة ذات طابع ثقافي ومتنوع، أضافت حراكاً أدبياً مؤثراً على الساحة الثقافية في المملكة.

شارك الصفحة

المزيد من المراجعات

لماذا يستسلم عقلك لدوّامات الأفكار؟ وكيف تتحرر منها؟

لماذا يستسلم عقلك لدوّامات الأفكار؟ وكيف تتحرر منها؟

إن الأنماط التي اعتدتها من الاجترار تستحق منك أن تتأملها بلطف وتفهمها عوضًا عن جلد ذاتك أو الشعور بالخزي

كتابة: دونا جاكسون ترجمة: يارا عمّار
سلطان الجموع: مراجعة لكتاب صناعة السمعة في الشهرة الرقمية

سلطان الجموع: مراجعة لكتاب صناعة السمعة في الشهرة الرقمية

وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا لا يبدو التصوّر الذي كان يحمله أبناء تلك الأجيال مقاربًا لما أصبحنا نتصوّره في عهودنا القريبة حول وسائل التواصل

محمد ناصر الكربي