header

الحلم الممكن: مراجعة لكتاب كيف تُنشئ جيلًا يقرأ

طارق اليزيدي
طارق اليزيديطارق اليزيدي
29 يونيو 2025
٩ دقيقة قراءة

في عصر تتسارع فيه وتيرة المعلومات وتتغير فيه مفاهيم التعلم، يظل السؤال الجوهري قائمًا: كيف نُربي جيلًا لا يكتفي بالتلقي، بل يسبر أغوار المعرفة ويغوص في بحور الكلمات؟

إن بناء جيل قارئ ليس مجرد رفاهية ثقافية، بل هو ضرورة وجودية لمواجهة تحديات المستقبل، وتأسيس لمجتمع قادر على التفكير النقدي، والابتكار، والفهم العميق للعالم من حوله.

إنها رحلة تبدأ من اللحظات الأولى في حياة الطفل، وتتطلب تضافر جهود الأسرة والمدرسة والمجتمع بأكمله، وهو ما يطرحه كتاب "كيف نُنشئ جيلًا يقرأ: أساليب يمكن للأهل والمدرسين اتباعها" للمؤلف دانيال تي. ويلينغهام، كدليل شامل لهذه المسيرة التربوية المعرفية.

نقله إلى العربية مي عز الدين، وطبعته الدار العربية للعلوم ناشرون عام 2016 ويقع الكتاب في 250 صفحة.

 

البذرة الأولى: اكتساب المفردات ونمو الدماغ

إن رحلتنا نحو تأسيس جيل قارئ لا تبدأ من المدرسة أو من اللحظة التي يمسك فيها الطفل بكتابه الأول، بل هي رحلة تضرب بجذورها عميقًا في مراحل العمر المبكرة، تحديدًا في اكتساب المفردات. قد يبدو الأمر مفاجئًا للكثيرين، لكن الأطفال يبدأون في تعلم الكلمات قبل أن يتمكنوا من القراءة فعليًا. هذا التراكم اللغوي المبكر هو حجر الزاوية الذي سيبنى عليه لاحقًا كل فهم للقراءة.

تؤكد الدراسات العلمية هذا الجانب الحيوي؛ فقد أجرى باحثون دراسات لقياس نشاط الدماغ لدى الرضع، تحديدًا في الشهر التاسع من العمر. أظهرت هذه الدراسات، التي استخدمت أغطية رأس متصلة بأقطاب كهربائية لتسجيل نشاط ملايين الخلايا العصبية، أن الأطفال يستجيبون للكلمات وتنشط لديهم مناطق معينة في الدماغ عند استقبالهم للمعلومات السمعية. هذا يعني أن الدماغ البشري مهيأ لامتصاص اللغة واكتساب المفردات منذ نعومة الأظافر، وأن هذه المرحلة المبكرة حاسمة لتطوير القدرات اللغوية التي ستُمكنهم من القراءة لاحقًا. إن الفهم الصحيح للمعرفة لا يكون مجزأً؛ بل يتطلب أن تندمج أجزاء المعرفة مع بعضها البعض. ومن هنا، يجب أن ندرك أن مشكلة الاحتياج إلى المعرفة تصبح ملحة بشكل خاص عندما يصل الأطفال إلى الصف الرابع الابتدائي. لذا، لا بد أن تبدأ رحلتنا في بناء جيل قارئ منذ الولادة، بالتركيز على إثراء محيط الطفل بالمفردات والتجارب اللغوية التي تغذي دماغه المتنامي.

 

فن فك الرموز: الصوتيات والطلاقة

بعد اكتساب اللبنات الأساسية للمفردات، تنتقل الرحلة إلى مرحلة فك رموز الكلمات وتحويلها إلى أصوات ومعانٍ، وهي عملية تُعرف بـ"الصوتيات" أو "الفونكس". يختلف هذا التحدي من لغة إلى أخرى، فاللغات التي تتميز بعلاقة منتظمة بين الحرف والصوت، مثل الإيطالية والفنلندية، تُسهّل على الأطفال تعلم فك الرموز في بضعة شهور. أما في لغات مثل العربية، حيث قد تكون العلاقة أقل اتساقًا، فإن الأطفال قد يستغرقون وقتًا أطول في هذه العملية، مما قد يؤثر على تقدمهم في القراءة.

تُشير الإحصائيات الأوروبية إلى متوسط النسب المئوية لقدرة الأطفال على قراءة الكلمات بشكل صحيح في نهاية الصف الأول الابتدائي. فبينما تُظهر اللغات ذات الروابط الصوتية الواضحة مثل الإيطالية والبرتغالية والفرنسية نسبًا عالية (تصل إلى 98% في فنلندا وإيطاليا، و97% في ألمانيا، و93% في فرنسا، و90% في الدنمارك والمملكة المتحدة)، فإن اللغة الإنجليزية تُظهر معدلات أقل. هذا يُبرز أهمية الفهم العميق لخصائص كل لغة عند تعليم القراءة.

لتحقيق الطلاقة في القراءة، وهي آلية جوهرية لنمو القراءة، هناك ثلاث تقنيات أساسية يمكن أن تساعد في تحقيق ذلك:

 * أولًا: النهج الصريح للصوتيات، وهو تعليم الأطفال كيفية ربط الحروف بالأصوات.

 * ثانيًا: القراءة المتكررة، فبدلًا من أن يقرأ الطفل نصًا واحدًا مرة واحدة، عليه أن يعيد قراءته عدة مرات.

 * ثالثًا: استخدام التقنية، مثل برامج معالجة النصوص الإلكترونية التي تساعد في تحسين النطق.

هذه التقنيات، بالرغم من وجود جدل حول فعاليتها، تُظهر أهمية فهم الصوتيات لتحسين الطلاقة. وتشير الاختبارات الوطنية إلى أن حوالي نصف الأطفال فقط يصلون إلى مستويات الطلاقة المطلوبة بحلول الصف الرابع الابتدائي، مما يدعو إلى تسريع عملية التعلم.

 

ما وراء الكلمات: الفهم والمعرفة الخلفية

إن القراءة الحقيقية تتجاوز مجرد فك الرموز والتعرف على الكلمات؛ إنها تتعلق بالقدرة على فهم المعنى واستنتاجه. يعتمد الفهم الواضح للمعلومات على المعرفة المسبقة التي يمتلكها القارئ. إذا كانت هذه المعرفة غائبة أو غير متوافرة بالقدر الكافي، يصبح التواصل أمرًا صعبًا ومخيفًا.

تخيل كاتبًا يريد أن يوصل فكرة معينة، فإذا كانت الخلفية المعرفية للقارئ تختلف عن خلفية الكاتب، أو كانت المعلومات الضرورية لفهم الموضوع غير مألوفة، فقد يجد القارئ صعوبة بالغة في الربط بين الأفكار وفهم المقال. هنا يأتي دور الاستنتاج، وهو عملية حاسمة في الفهم. ففي بعض الأحيان، يمكن للقارئ استنتاج المعلومات المفقودة من السياق.

يُقدم الباحث في علم القراءة والتر كيبيتش مثالًا توضيحيًا لذلك: "استخدم كومبوس أشرعة قصيرة ليتفوق بهبوب الرياح". قد لا يعرف القارئ معنى كلمة "كومبوس" أو "أشرعة"، لكنه يستطيع أن يستنتج من السياق أن "كومبوس" نوع من النسيج، وأن الأشرعة تُصنع منه. هذا يوضح كيف يمكن للمعرفة الخلفية أن تسد فجوات الفهم وتُمكن القارئ من استنباط المعنى.

إن الفهم لا يقتصر على الكلمات المكتوبة؛ بل يمتد إلى فهم السياق أيضًا. على سبيل المثال، قد تجد إشارة في إحدى المكتبات تقول: "لا ترفع صوتك". هذه الإشارة تعتمد على معرفة مسبقة لديك بأن المكتبات أماكن هادئة تتطلب الالتزام بالصمت. إذا لم تكن هذه الخلفية المعرفية موجودة، قد لا تفهم مغزى الإشارة.

ويُشدد على أن الفهم يعتمد على القدرة على ربط الكلمات بالمعاني، وأن القراء الذين يعتمدون بشكل كامل على أسلوب "الكلمة-الكاملة" (أي قراءة الكلمات كوحدات لا تحليلها صوتيًا) قد يواجهون صعوبة في فهم المعنى عندما تكون الكلمة المطبوعة تحتوي على عدة إشارات للمعنى. لذا، يجب تزويد المبتدئين بوسائل تساعدهم على الوصول إلى المعنى، مثل استخدام الصور التي تروي الحكاية.

 

واحة القراءة: تهيئة البيئة الداعمة

لزرع حب القراءة في نفوس الأطفال، يجب أن نوفر لهم بيئة مُلهمة وداعمة، سواء في المنزل أو المدرسة.

  • في رحاب المنزل:

يُعد المنزل المعقل الأول لتشكيل عادات القراءة. من أفضل الطرق لترسيخ المواقف الإيجابية تجاه القراءة واكتساب المعارف هو من خلال "التقاليد الأسرية". هذه هي الأشياء التي تُركز عليها العائلة وتُكررها مرة تلو الأخرى. عندما تُصبح القراءة جزءًا لا يتجزأ من روتين الأسرة، يُصبح الطفل ميالًا إليها بطبيعة الحال.

  • إنشاء زوايا للقراءة: يجب أن تكون هناك مساحة مخصصة للقراءة في غرفة الطفل، حتى لو كانت صغيرة. المهم أن تكون مريحة وجذابة. يمكن تعويض المساحة الضيقة بكرسي مريح مع ذراعين خاصين بالأطفال.
  • إتاحة الكتب: يجب أن تكون الكتب في متناول الأطفال بسهولة، ليستطيعوا رؤيتها واختيارها بأنفسهم. ضع سلة للمكتب في سيارتك ليسهل على طفلك الوصول إليها.
  • زيارات المكتبات المنتظمة: اجعل زيارة المكتبة عادة أسبوعية أو مرة كل أسبوعين. احرص على ملء خزائن الكتب لديك، وتأكد من أن لديك مكانًا واسعًا ومريحًا للقراءة.
  • القدوة الحسنة: عندما يرى الأطفال آباءهم يقرأون، فإنهم يميلون إلى تقليد هذا السلوك.
  • المناقشات العائلية: شجع على المناقشات حول الكلمات والمعلومات. على سبيل المثال، ابحثوا عن كلمة في القاموس أثناء الوجبات. هذا لا يُثري المفردات فحسب، بل يُعلّم الأطفال مهارات البحث والتفكير النقدي.
  • أسوار المدرسة:

للمدرسة دور حيوي في تعزيز مهارات القراءة والكتابة. يجب على المدارس أن تُخصص وقتًا كافيًا ومناسبًا للتعليم الموجه والإرشاد في الصفوف الأولية. تُشير الدراسات إلى أن الصف الأول والثالث الابتدائي في الولايات المتحدة يُظهران أن الحصة الأكبر من الوقت المُستهلك في الفصول الدراسية تذهب لـ "المهارات اللغوية". وهذا يشمل القراءة بصوت عالٍ، والصوتيات، والكتابة.

 

صراع الشاشات وسحر الكلمات

في عالمنا الحديث، تواجه الكتب منافسة شرسة من الشاشات. الأجهزة الرقمية مثل شاشات التلفاز، وتطبيقات الحاسوب، وأجهزة الألعاب أصبحت في متناول أيدي الأطفال. الأهم من ذلك، أن الصور المتحركة على الشاشة أصبحت قادرة على سلب الألباب، ونحن نغرق فيها كما نغرق في البحر. سهولة الوصول إلى الشاشات تجعل منها جاذبة بشكل لا يقاوم، ولكنها في المقابل تُقلل من الرغبة في بذل الجهد اللازم للقراءة والفهم العميق.

لمواجهة هذا التحدي، يجب أن نُعيد الاعتبار للمحتوى المعرفي ونُشجع على اكتساب المعرفة بشكل مستقل. تُشجعنا المصادر على تطوير مهارات التعلم الذاتي، بحيث يصبح الطفل قادرًا على البحث عن المعلومات بنفسه. على سبيل المثال، إذا أراد طفلك معرفة الطقس في مدينة معينة أو البحث عن معلومات حول بلد ما، يجب أن يُشجع على استخدام الكرة الأرضية، أو الخريطة، أو الإنترنت، أو حتى البحث في المصادر المطبوعة. هذه المهارات تُعزز الاستقلالية المعرفية وتُنمي قدرته على الفهم العميق.

دافعية التعلم والتفكير النقدي

إن دافعية الأطفال للقراءة هي المحرك الأساسي لاستمرارهم في هذه الرحلة. يجب أن نُدرك أن الإفراط في المديح قد يكون أمرًا غير مرغوب فيه في بعض الأحيان. فبعض المديح يمكن أن يُضعف رغبة الطفل في السعي للتحسن والتعلم الذاتي. بدلًا من التركيز على المديح اللفظي، يجب أن نُركز على تشجيع الأطفال على اختيار الكتب بأنفسهم، وعلى إظهار الجهود التي يبذلها المعلمون لدعم الطلاب. الهدف هو جعل الطلاب يسعون دائمًا لرفع مستوى تعلمهم بأقصى حد ممكن.

في عالم تتزايد فيه كمية المعلومات المتاحة، خاصة عبر الإنترنت، يصبح تعليم الأطفال كيفية تقييم المعلومات أمرًا حيويًا. يُظهر البحث أن الطلاب نادرًا ما يُقيّمون جودة المعلومات التي يجدونها على الشبكة، وغالبًا ما لا يكونون نقّادًا. يجب أن نُعلم الأطفال كيف يُصبحون قرّاء نقديين للمعلومات. يتطلب ذلك تدريس استراتيجيات التقييم، مثل تقييم سلطة الكاتب، وعملية المراجعة، وتاريخ النشر، وموضوعية المعلومات. فمن المهم أن نُعلمهم كيفية البحث والتحقق من المصادر.

 

الكتابة: جناح مكمل للقراءة

القراءة والكتابة جناحان متكاملان لنمو الطفل المعرفي. إن تشجيع الأطفال على الكتابة لا يُنمّي مهاراتهم اللغوية فحسب، بل يُعزز قدرتهم على التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم بشكل مستقل.

  • تشجيع رسائل الشكر: اجعل الأطفال يكتبون رسائل شكر للأصدقاء أو العائلة، حتى لو كانت قصيرة. هذا يُعلمهم تقدير الآخرين ويُنمي لديهم مهارات الكتابة.
  • توقيع الكتب: عندما يتلقى الطفل كتابًا جديدًا، شجعه على أن يكتب اسمه على الصفحة الداخلية للكتاب. هذا يُعزز شعوره بالملكية والانتماء إلى عالم الكتاب.
  • أدوات الكتابة الجذابة: شجع أبناءك على الكتابة بأن تشتري لهم دفاتر التدوين الجذابة، وأدوات الكتابة الملونة.
  • تنويع أسطح الكتابة: جرب الاستعانة بأقلام التظهير الملونة ذات الرأس المائل للكتابة على الأسطح المختلفة، مثل الرصيف أو الثلج. هذه الأنشطة المبتكرة تُشجع الأطفال على رؤية الكتابة كنشاط ممتع ومتنوع.

 

دعوة لجيل واعٍ ومستقبل مشرق

إن كتاب "كيف نُنشئ جيلًا يقرأ" لدانيال تي. ويلينغهام يقدم خريطة طريق واضحة وعملية لكل من يعنى ببناء جيل واعٍ ومثقف. إن بناء جيل قارئ ليس مشروعًا أحاديًا، بل هو استثمار طويل الأمد يتطلب رؤية شاملة وتعاونًا مستمرًا بين البيت والمدرسة والمجتمع. تبدأ الرحلة من غرس بذور المفردات في العقل النامي، مرورًا بإتقان فن فك الرموز وتحقيق الطلاقة، وصولًا إلى تعميق الفهم وبناء قاعدة معرفية صلبة.

في مواجهة تحديات العصر الرقمي، يتوجب علينا تزويد أبنائنا ليس فقط بحب القراءة، بل أيضًا بمهارات التفكير النقدي والقدرة على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة. كما يجب أن نُنمّي لديهم الدافعية الداخلية للتعلم، ونُركز على العملية التعليمية وجهودهم، بدلًا من التركيز فقط على النتائج.

إن القراءة هي مفتاح عوالم لا تُحصى، وهي تمنح الفرد القدرة على تجاوز واقعه واكتشاف أفكار جديدة، وتُمكنه من فهم نفسه والعالم من حوله بشكل أعمق. لذا، دعونا نعمل معًا، كآباء ومعلمين ومجتمع، لنُشعل شمعة القراءة في كل بيت، ونُقدم لأطفالنا ليس فقط الكتب، بل حب المعرفة وشغف التعلم الذي لا ينتهي. إنها رحلة تستحق كل جهد، لتُورث جيلًا قادرًا على بناء مستقبل مشرق، مسلحًا بسلاح الكلمة والمعرفة.

شارك الصفحة

المزيد من المراجعات

لماذا يستسلم عقلك لدوّامات الأفكار؟ وكيف تتحرر منها؟

لماذا يستسلم عقلك لدوّامات الأفكار؟ وكيف تتحرر منها؟

إن الأنماط التي اعتدتها من الاجترار تستحق منك أن تتأملها بلطف وتفهمها عوضًا عن جلد ذاتك أو الشعور بالخزي

كتابة: دونا جاكسون ترجمة: يارا عمّار
سلطان الجموع: مراجعة لكتاب صناعة السمعة في الشهرة الرقمية

سلطان الجموع: مراجعة لكتاب صناعة السمعة في الشهرة الرقمية

وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا لا يبدو التصوّر الذي كان يحمله أبناء تلك الأجيال مقاربًا لما أصبحنا نتصوّره في عهودنا القريبة حول وسائل التواصل

محمد ناصر الكربي