header

قلبٌ يبحث عن جسده: مراجعة لكتاب القانون والوطنية السعودية

عا
عبدالعزيز الجهنيعبدالعزيز الجهني
23 فبراير 2026
١٠ دقيقة قراءة

ليس من الغريب القول، وإن كان شاقا الاعتراف به، أن الفكر القانوني العربي، بله السعودي، ليس في أفضل أحواله؛ إذ يدور رحى القوم ومعاركهم في المقارنة بين الشريعة والقانون وبين جزئيات مواد نظامية معينة. يقومون بنشر “ثريدات قانونية” حول أحكام قضائية أو نصائح لا تنضب للمتخرجين حديثا. وهناك بعيدا ... في برج عاجي يوجد أشخاص منهمكون في أعمالهم اليومية في الشركات الكبرى لا يدرون عما تلوكه الألسن القانونية كل يوم في حلبة x. 

ليس المقام تقويم الحالة السعودية، فلست بأهل لذلك ولا مهموم، إلا أن الحالة تستدعي استحثاث الأذهان الصحيحة والقلوب الصافية للعمل في نفع المجتمع السعودي تجاه المستقبل المنتظر المشرق، خاصة في مجال الفكر القانوني الذي لا يكاد ينبري له إلا القليل. إن الغالب الأعم وفيما وقفت عليه من أبحاث أو دراسات لا تكون إلا طلبا لترقيات علمية يغلب عليها الجمع، أو بعض الأبحاث المختصة في مجالها الذي لا يستفيد منه القانوني العام فكرا أو شحذا للأذهان. ولست والله أريد بهذا القول انتقاص المبرزين، ولا مستقصدا مريبا حتى يقول خذوني، إلا أني أطالب الجمع الموقر، ومن وجد في نفسه أهلية واستعدادا، أن يمسك بزمام القيادة ويخرج لنا جيلا يحكم القول في مضائق المسائل كما يحكم الفعل في صعاب المحاكم. 

إن الحراك الفكري القانوني بحاجة ماسة إلى تشابك معرفي يتجاوز مساحات مواقع التواصل الاجتماعي إلى أوراق وأبحاث علمية، ننقد فيها بعضنا، ونبني على نتاج بعضنا أيضا. وفرض الكفاية أن يكون هناك مقالات محررة من المخضرمين والنابهين يقيمون الواقع المعاش بنظرة قانونية معاصرة، إذ القانون هو من العلوم القليلة التي يفرض التشابك المعرفي مع بقية الفنون المختلفة لضبط الواقع المجتمعي من جهة، وكذلك فتح المجالات وتقليل التشريعات الآتية من كل حدب وصوب على الأفراد والمجتمع والمؤسسات الأخرى. ينبغي للمهتم القانوني أن يكون حامي الظباء من خراش، الذي لم ينم.

وبعد هذه المقدمة، فإن بين أيدينا كتاب "القانون والوطنية السعودية"، من تأليف الدكتور حازم النمري، وهو كتاب حلو مذاقه خفيف محمله، كُتب على غير منوال سابق -فيما أعلم- في الحقل القانوني السعودي، يقرأه كل من حدا الثقافة والفكر وأحب الوطن، والواقع السعودي الذي يعاش على مواقع التواصل أيضا، وربما كذلك أصحاب المقالات التي كانت تكتب أيام الطيبين. أحاول عرضه بطريقة تشوق القارئ والمهتم للكتاب والتشابك معه معرفيا، إذ غرض كاتبه «أن تنجح هذه الورقات في إثارة النقاش والتفكير حول دور القانون في بناء المواطنة الصالحة ورعايتها، ولذا، فإن استكمال الرحلة نحو فهم أعمق وتحقيق أفضل للوطنية السعودية يتوقف على تفاعلنا المستمر مع هذه الأفكار والمفاهيم وتطبيقها على أرض».

اختط النمري كتابه على ثلاثة فصول يتقدمها فصل تمهيدي نظري مهم واستهلال، ثم خاتمة.

الإطار النظري في الحقل القانوني السعودي: القلب الذي يبحث عن جسده

 تكمن الإضافة العلمية للكتاب في إطاره النظري الذي يبني عليه مسائله في فصله التمهيدي، إذ جمع المسائل التي لا حصر لها في عالم الذكاء الاصطناعي يطوله كل أحد، وهذا الذي ميز كتاب النمري المتماسك حول رؤيته عن القانون والوطنية السعودية. فبعد صدور الإطار التنظيمي لرؤية ٢٠٣٠ وما يتعلق به من قيم كبرى مثل : الوسطية والتسامح، والاتقان والانضباط، و غيرها من القيم؛ كانت قيمة “غرس المبادئ والقيم الوطنية وتعزيز الانتماء الوطني” ، هي التي حركت من عزم المؤلف في تشييد إطاره النظري القانوني لكتابه.

 بنى كتابه من خلال اعادة النظر في مفهوم الوطنية من زاوية قانونية واسعة، إذ يرى العلاقة بين الوطن والمواطن ليست علاقة تعاقدية تكون من خلال الجنسية، أو تكون من خلال الجغرافيا، أو من شعور قومي موحد استئثاري؛ بل هي أشد من ذلك، ناقدا هذه الرؤية التي تحد قدرة القانوني في التعاطي مع مسائل الوطنية والمواطنة الصالحة، وتجعل القانون إما حالة "عرضية" أي ظاهرة هامشية لا تعبر عن هوية الجماعة، أو حالة "خدمية" أي ظاهرة المقصود منها تنفيذ الأوامر التي تكون للضبط أو الانتفاع. 

وهاتان الظاهرتان تلغيان أي مضمون قيمي يعكس هوية المجتمع السعودي، ومن أجل ذلك فإن النمري يقصد إلى جلب القانون الى مساحة أوسع، مستجلبا قيم المدنية والحضارة والأخلاق. وأرجع غياب هذه القيم لمؤثرين : ١- المفاهيم القديمة لأمر السياسة العامة مستحضرا رؤية ابن خلدون والفارابي وابن تيمية، ٢- الفهم الحديث الذي يفصل -لسوء فهم- بين القانون والأخلاق، وأثر هذه الرؤية في قاعتنا الجامعية. ولأجل هذا كله، حاول المؤلف أن يبني كتابه على هذا الاطار النظري حول رؤيته للقانون والوطنية السعودية مستحضرًا قيم المدنية والحضارة والأخلاق من رؤية ٢٠٣٠. 

وقد يستشف القارئ المنهج الذي يستعمله المؤلف، وهو قريب من منهج الفيلسوف القانون الشهير دوركين، الذي يعتبره البعض  قريب من فكر هايدجر الفيلسوف الألماني. ففي حين يرفض هايدجر للفهم الإنساني أن يكون منهجا تقنيا أو علميا محضا، بل يراه فهما وجوديا: أي أننا منخرطون في هذا العالم ولا يتم فهمنا التام للنص إلا من خلال هذه الملاحظة. فكذلك دوركين يعتبر القانون ممارسة تفسيرية من خلال أفضل فهم متاح في النظام القانوني، وليست مجرد قواعد صماء، كما عند الفيلسوف القانوني هارت. 

هذا المنهج يظهر بوضوح في كتاب النمري: فعندما تكلم عن الجنسية الأصلية والجنسية المكتسبة ربط تفسير هذه المواد القديمة الصادرة في عام ١٩٤٥، بمستهدفات رؤية ٢٠٣٠.  فقال في معرض تخوف من تفاقم نبز المواطنين بعضهم لبعض: 

«ولمّا كانت المسيرة التقدّمية لرؤية ٢٠٣٠ قد شملت بوعي وتفتح استقطاب المواهب العالمية، وتشريفها بمنح الجنسية العربية السعودية لمستهدفات الصالح العام؛ فإنني أتخوّف أن يتوسّع التنابز العنصري ليطال أشخاص من شرفوا بمنحهم الجنسية، فيكبح طموحاتهم أو يثبط همهم إن لم يقم القانونيون بدورهم تجاه تبيان الأطر القانونية الحاكمة على هذه المسائل، فإن تبيان هذه الأطر الحاكمة ضروري حتى يستبين المواطن الصالح ممن تحرّكه دوافع فئوية على حساب المصالح الوطنية».

 وأخيرا الحبل الناظم وهو «الأطر القانونية بأشكالها المختلفة سواءً أكانت روابط قانونية مثل الجنسية، أم مؤسسات دستورية مثل مجلس الشورى، أم مفاهيم نظرية كالوظيفة العامة، تلعب دورًا مهمًّا يستحق المزيد من التركيز والمعالجة، حتى تتطور المفاهيم العامة للمواطنة الصالحة»، وعليه كانت فصول الكتاب الثلاث. 

عن المواطن والمقيم

في حين يبدأ البعض بذكر القيم المبتغاة في مجتمع ما، قرر النمري العكس. أن يكون مفهوم العنصرية مفتاح فهم هذا الفصل، وهي التفاتة متقنة. إذ إن الرواسب الأخلاقية يكون باعثها هو الالتفات على معنى مشترك لمعايير يحددها المجتمع للقيام بها. وهنا كانت «الأطر القانونية لا تنظر للمواطن الصالح على أنه شخص لا يمارس العنصرية فقط، بل هو شخص يعتصم بالله ثم بإخوانه، ويتغافل معهم ويتعاون على اختلافهم بالبر والصلاح، وهذه المعيارية القانونية يجب إعادة التركيز عليها،وتضمينها في التوجيه الإعلامي لأفراد الشعب، حتى تترسخ كواجبات دستورية تستمد إلزاميتها من الدين والأخلاق والمصلحة العامة». 

 

وحيث أن المؤلف أهمل الحديث عن السائح والزائر، فإنه أطنب القول عن فئات المجتمع السعودي عند حديثه عن الجنسية الأصلية والجنسية المكتسبة، وعن نظام الكفالة الذي يقنن وضع الأجنبي الذي يعمل بصفة خاصة في السعودية. ومع أن رؤية ٢٠٣٠ وضعت الجانب الاقتصادي على رأس أولوياتها من خلال فتح المنافذ للسياح والزوار، فإن هذا الموضوع من الناحية التحليلية لم تأخذ نصيبها من الباحثين القانونين حتى الآن. ولو أشار د. حازم عن الروابط القانونية للفرد بعمومه في السعودية لكان هذا مثار بحث يستحق، وذلك أن الحدود التي تفرض على السائح الذي يريد اكتشاف السعودية، والزائر الديني الذي يختلف في المذهب الفقهي والعقدي بحاجة إلى توضيح، خاصة عند انعدام المعتمد الفقهي في النظام الأساسي للحكم في كثير من المسائل التي قد تكون مثار لغط بين الناس. والذي يكون كثير منهم عوام وليس له إلا ما لُقّن في بلده. وهذا الموضوع ينبني عليه فروع كثيرة كالجهل بالقانون، ومعيارية المصلحة العام وغير ذلك. والمبحث الأخير الذي عن التزامات المقيم.

 الملفت في المبحث الأول والذي تحدث عن نظام الكفالة السعودي، هي الموازنة بين وصف الظواهر الموهومة بلباس القانون مثل تطبيقات أصحاب العمل، وبين الرؤية المستقبلية في صياغة النظم العمالية، ومثال ذلك إشارته إلى أن استعمال مصطلح الكفالة خارج النسق الفقهي الإسلامي مما يؤول لتشوه المراكز القانونية بين صاحب العمل والعامل. ففي نهاية المطاف، صاحب العمل ليس كفيلا بالمعنى المستقر الذي قد يتعسف ويجعل الأمر استرقاقا وسُخرة. ولذا فالمؤلف يرى أن القانونين «واجبهم يمتد إلى ضمان عدم خلق ظواهر غير قانونية تستند (ولو بشكل كاذب أو غير مباشر) إلى القواعد التي صاغوها، بل إن واجبهم يمتد إلى حسم هذه الظواهر ومناقشتها المناقشة الفعالة مع ذوي العلاقة، بما فيها المنظمات الدولية»، هذا كله كما يرى د. حازم، إن أردت أن تكون مواطنا صالحا. 

 ولكن ما هي المواطنة الصالحة الذي بنى عليه كتابه واستقاها من رؤية ٢٠٣٠؟

من خلال المنهج الدوركيني الذي أشعر أن النمري يتبناه في كتابه، فإن جميع الممارسات القانونية في البلد سابقها وتاليها تُحمل على أحسن تفسير ممكن. ولذا فإن المواطنة الصالحة، ومن خلال النظام الأساسي للحكم الذي جعل الشريعة الإسلامية مصدرها الأساسي وكذلك السياسة الشرعية التي هي من التزامات المسؤول الأول، فإن الصلاح لا يخرج عن المرتكز الإسلامي قرآن وسنة، وتفصيلات الأصوليين في مبحث المصلحة. أي أن المواطن الصالح ليس الذي يسير على نهج واحد، بل يقدر الأصلح لكل حالة على حدة. ولعل أبرز مثال يبين هذه النقطة مبحث المواطن الفضولي، وهذه الجزئية من الكتاب متقنة، وينبغي التوسع فيه ونشره للعموم.

عن الوظيفة الحكومية

 امتاز منهج الكتاب بثلاثة أمور : التأصيل الشرعي لكل مبحث، فالقانون السعودي مبنيٌ على هذه المسلّمة التي لابد منها [ آسف للقانونين ولكن نعم؛ هذه مسلّمة لابد منها لأي بحث قانوني عن السعودية] وتفكيك المصطلح تاريخيا وبناء المعاني المعاصرة عليها، و التحليل المنتج للمسألة والاستشراف القانوني للمستقبل. 

فنجد أن النمري عندما تكلم عن الوظيفة الحكومية، نبه على أن أطراف العلاقة الوظيفية هم في الحقيقة ثلاثة، الدولة(السلطان/الكيان والحاكم)، والموظف الحكومي (النواب والأعوان)، والجمهور (أصحاب الحاجات والمظالم/المستفيدين، وهدف هذا التكييف التنبيه على أن جعل العلاقة ثنائية الأطراف مخل بالممارسة الولائية لتحقيق الصالح العام، فتجده ربط التاريخ بالحاضر، وحلل الواقع من خلال التوصيف المناسب، ثم نبه على إشكاليات محتملة قادمة.

فعندما تكلم عن الخدمة المدنية، نقد الأفكار التي تقدم الجمهور على أنهم عملاء أو مستفيدين أو الجهة المنفذة على أنها مقدم خدمة. وذلك «لأن التنظير الشرعي والقانوني السليم للرابطة بين العلاقة الوظيفية والقيم المستهدفة يقوم على ثلاث محددات: الذمة، واتخاذ القرار، والمصلحة، أي أنه إذا أردنا ترسيخ القيم المستهدفة العلاقة الوظيفية و تنميتها، فلا بد أن تكون ممارسات المواطن الصالح، (أيا كان موقعه في العلاقة) وفق هذه القاعدة: اتخاذ القرار الأصلح إبراءً للذمة».

 وهو يبنى كلامه هذا على الرسالة العلمية الفذة لصاحب السمو الأمير د. عبد العزيز بن سطام آل سعود: اتخاذ القرار بالمصلحة. وهذا من جميل ما لفت نظري في كتابه، أنه يبنى رؤيته القانونية من خلال إكمال مسير الباحثين في الساحة السعودية ويضيف عليها.  فهو يرى ضرورة «إعادة فقه المصلحة في اتخاذ القرار إلى مركز العلاقة الوظيفية بدلا من تحويل العلاقة الوظيفية إلى علاقة خدمية أو تعاقدية، وإن صلاح القرار له محددات ومعايير واضحة وممكنة التطبيق، وهي إجمالا مرتبطة بـمتخذ القرار، وموضوع القرار، وعملية أخذ القرار نفسها»، وإن كنت أشعر أن هذا الكلام لا يزال في مهده ولابد من تقويمه وتشييده فيما يختص بالجانب السعودي والعربي، وعدم استقطاب السياسات التشريعية من الشركات الأجنبية الاستشارية. إن فهم المجتمع السعودي بحاجة إلى تكاتف المختصين في العلوم الإنسانية لإخراج نماذج قابلة للتطبيق والتحقق والتنبؤ في الإدارات الحكومية،  وهذا ما يجرنا إلى سيولة مصطلح المرفق العام الذي نبه عليه في هذا الفصل.

ففي التطورات الهائلة التي لا تزال تحصل تحت رؤية ٢٠٣٠ في تقديم الخدمات الحكومية عبر الوسائل الإلكترونية، إلا أنه يحذر من التوجه الزائد في التشريعات المتعلقة بحماية الخصوصية بدلا عن بناء نظرية جديدة للمرفق العام الإلكتروني.

عن الشأن العام

لعلك شاهدت الرجل الذي يتحدث مع الناس في مترو الرياض وتصدّر ليصبح شأنا عاما في المجتمع السعودي، ليس غرضنا هنا إلا إثبات غياب الجهد القانوني في تحليل هذه الواقعة، فعندما يغيب المختص يتكلم الدهماء.

فعندما نحدد هدفنا بأن «يكون الصالح العام ركيزة أساسية للخوض في الشأن العام، لا بأن يكون الخوض الموسع في الشأن العام ركيزة للصالح العام»، تدرك أن التعبير ليس حرية بقدر ما هو مسؤولية المواطن الصالح الذي يؤكد عليه المؤلف في كتابه.  ففي مبحث الهيئات التشريعية، تحدث عن دور مجلس الشورى، المسؤول الأول عن الشأن العام، وطرق تفعيله لتوازي الرؤية التقدمية للوطن، وكيفية مساهمة المواطن تجاه المجلس.  أما خاتمة المباحث: المواطن الفضولي، فحلاوته وطلاوته تجعل من اختصاره مخلا بتمام فكرته، وأحيل القارئ بالرجوع للكتاب، علّك تصبح فضوليا لشرائه!

شارك الصفحة

المزيد من المراجعات

لماذا يستسلم عقلك لدوّامات الأفكار؟ وكيف تتحرر منها؟

لماذا يستسلم عقلك لدوّامات الأفكار؟ وكيف تتحرر منها؟

إن الأنماط التي اعتدتها من الاجترار تستحق منك أن تتأملها بلطف وتفهمها عوضًا عن جلد ذاتك أو الشعور بالخزي

كتابة: دونا جاكسون ترجمة: يارا عمّار
سلطان الجموع: مراجعة لكتاب صناعة السمعة في الشهرة الرقمية

سلطان الجموع: مراجعة لكتاب صناعة السمعة في الشهرة الرقمية

وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا لا يبدو التصوّر الذي كان يحمله أبناء تلك الأجيال مقاربًا لما أصبحنا نتصوّره في عهودنا القريبة حول وسائل التواصل

محمد ناصر الكربي