كتابة: فيكتوريا فيردي (*)
لو أُرسِلتُ إلى جزيرة مهجورة، وسُمِح لي باختيار بضعة أشياء، سيكون القلم والورق من بينها. وربما يكون اختيار الطعام أكثر حكمة، لكنني أعرف نفسي جيدًا؛ فبعد عدة أيام دون دفتر، سأجدني أخدش خططي على لحاء الأشجار.
احتفظتُ باليوميات طيلة حياتي، والدفاتر الموجودة في منزلي تكفي بسهولة لملء أربعة رفوف من خزانة كتب، تضم خططًا لكتب ومقالات، وتمارين لغوية، وجداول زمنية مستحيلة، وحوارات خاصة، ولحظات شكر، وصفحات كتبتها في الغضب، وأسئلة بلا إجابات، وأفكارًا جاءت في أوقات غير مناسبة وأبت أن تغادر. ولم أشعر يومًا بأن شراء دفتر جديد متعة زخرفية. الأمر عندي أقرب إلى استبدال غرض منزلي أساسي لا غنى عنه.
الكتابة هي الطريقة التي أفكر بها؛ أخطط لمشاريعي على الورق، وأعالج مشاعري هناك. آخذ مشكلة بلا شكل واضح، وأقلبها من جهة إلى أخرى حتى أستطيع رؤية حدودها. ودون الكتابة، تبدأ أفكاري في التشابه مع عشرين شخصًا يحاولون الخروج من قطار بباب ضيق واحد.
وحينما أكون في الخارج أمشي دون قلم، أسجل أفكاري بدلًا من ذلك، أملي على هاتفي خططًا، ومخاوف، وملاحظات، وأفكارًا نصف مكتملة لمقالات. يساعدني التدوين على تحويل الضجيج الذهني إلى شيء يمكنني النظر فيه وفحصه، وبوسع التدوين أيضًا، أن يفعل شيئًا مثيرًا للاهتمام بالقدر نفسه لمتعلم اللغة، إذ يمنح لغتك التي ما تزال في طور النمو منفذًا إلى حياتك الحقيقية.
ماذا نعني بالكتابة في اليوميات؟
غالبًا ما يُتعامل مع اليوميات ودفتر التدوين أو التأمل بأنها شيء واحد، لكنَّ الباحثين كثيرًا ما يميزون بينهما، إذ تميل اليوميات إلى تسجيل الأحداث وفقا لترتيبها الزمني. تكتب ما حدث، وأين ذهبت، ومن قابلت، وربما كيف شعرت. أما التدوين التأملي فعادة ما يذهب أبعد من ذلك، إذ قد يبدأ بحدث، أو قراءة، أو محادثة، أو سؤال، أو ملاحظة، ثم تتأمل، وتقيم الروابط، وتختبر الأفكار، وتغير اتجاهك، أو تعود لاحقًا إلى ما كتبت فتراه بصورة مختلفة. وتصف كريستين بيرسون كازاناڤ الكتابة في اليوميات باللغة الثانية بأنها: شكلٌ منتظم، وشخصي، وتأملي، ومنخفض المخاطر، نسبيًا، من الكتابة. يتطور بمرور الوقت ويمكن تكييفه مع شخصية الكاتب ومستوى كفاءته. ومن أغراضه المحتملة: تنمية الطلاقة، والتفاعل مع الأفكار، والتأمل في الخبرة، والتواصل مع الذات أو مع قارئ آخر (Casanave, 2011).
وهذا التعريف واسع بما يكفي ليشمل:
• يومياتٍ خاصة مكتوبة بخط اليد.
• دفترًا مليئًا بمحفزات لغوية للكتابة.
• يومياتٍ حوارية يشاركها المتعلم مع مدرس خاص.
• دفترًا للاستجابة لما يُقرأ.
• يومياتٍ رقمية أو مدونة خاصة.
• يومياتٍ صوتية تُسجَّل أثناء المشي.
• صفحةً تحوي كلمات ورسومًا وأسهمًا وشذرات وجملًا غير مكتملة.
وقد يمتد المدخل الواحد في اليوميات إلى عدة صفحات. أما عند المبتدئ فقد لا يزيد على سطرين ورسمة. وتؤكد كازاناڤ أن شكل التدوين ينبغي أن يلائم اللغة التي يمتلكها المتعلم في مرحلته الحالية، لا أن يُجبَر الكتَّاب كلهم على قالب واحد.
وفي هذه السلسلة سأستخدم كلمة (journal) بمعناها الأوسع، أي «التدوين»، وهي تشمل اليوميات العادية، وكتابة تُسائِل وتستكشف وتتدرب وتراجع ما دُوِّن.
أستعملُ نوعين من اليوميات باللغات الأجنبية
تتخذ ممارستي الشخصية شكلين مختلفين.
يومياتي المعتادة تغير لغتها أحيانا
معظم يومياتي الشخصية مكتوبة بالإنجليزية، فالإنجليزية لغة عملي، ولغة أسرتي. وكثيرًا ما تكون اللغة التي تصل بها أفكاري إليّ. وحين أدرس لغة أخرى دراسةً نشطة، تتسلَّل تلك اللغة رويدًا رويدًا إلى يومياتي، إذ قد أكتب بالإنجليزية عدة أيام، ثم أنتقل إلى الإسبانية. أما الآن، فقد بدأت الإيطالية تظهر شيئًا فشيئا، فأحيانًا أكتب صفحة كاملة، وأحيانًا لا أنجح إلا في كتابة خمس جمل مترددة تتخللها عدة فراغات بين قوسين. ويحدث هذا، عادةً، حين أرغب في وصف يومي الحقيقي، أو في فهم أمر يشغل ذهني بالفعل.
ما أكتبه هنا ليس واجبًا دراسيا. أنا أحاول أن أقول شيئًا لأنني أحتاج إلى قوله. وهذا الفرق مهم، فعندما يكون الموضوع حقيقيًّا، تصبح اللغة الناقصة محدَّدة تحديدًا شديدا. فتكتشف، مثلًا، أنك لا تعرف كيف تعبِّر عن خيبة الأمل من دون أن تبدو غاضبًا غضبًا شديدا. وتستطيع وصف ما حدث، لكنك تعجز عن توضيح سبب تأثيره فيك. وتعرف كلمة: حزين، بينما الشعور الذي تحاول التعبير عنه أقرب إلى الإحباط، أو العجز، أو الشعور بالذنب، أو الاستنزاف العاطفي. وحياتك الحقيقية تطالبك بمفردات لم يكن بوسع أي كتاب دراسي أن يتنبأ بها.
دفتري الإيطالي أشبه بنادٍ للتدريب
أحتفظ أيضًا بدفتر مخصص للغة الإيطالية. أنجز فيه الواجبات، وأجرب محفزات مختلفة للكتابة. فيه موضوعات عادية أصف فيها يومي، ووجباتي، وأماكني المفضلة، وخططي، أو ما فعلته في عطلة نهاية الأسبوع. ومتعلمو اللغة في المستويين المبتدئ والمتوسط بحاجة إلى لغة الحياة اليومية، التي قد تبد وموضوعاتها مبتذلة. وأستعمل كذلك محفزات إبداعية تدفعني إلى مناطق أقل قابلية للتوقع، إذ قد أصف مكانًا من خلال الصوت والضوء. وقد أكتب من منظور ذاتي المستقبلية. وربما أعيد بناء محادثة، أو أجادل رأيًا، أو أحاول الإمساك بذكرى دون اللجوء إلى الكلمات المألوفة. ويؤدي هذا الدفتر غرضًا مختلفًا. يومياتي الشخصية تطلب من الإيطالية أن تحمل أفكاري الحقيقية. أما دفتري الإيطالي فيصنع عمدًا فرصًا لتوسُّع اللغة. لستَ بحاجة إلى دفترين فعليين، لكن من المفيد أن تفهم الفرق بين النوعين.
يوميات الحياة تبدأ بشيء تحتاج فعلًا إلى التعبير عنه.
يوميات التدريب تبدأ بمهمة مختارة لتطوير لغة، قد لا تستعملها تلقائيا.
وقد تكون الممارسة الأقوى هي التي تجمع بين الاثنين.
لماذا تختفي معظم اليوميات المكتوبة بلغة أجنبية بعد أسبوع؟
يبدأ كثير من المتعلمين هكذا: «استيقظت اليوم في السابعة، وشربت القهوة، كنت متعبا، ثم ذهبت إلى العمل». وفي اليوم التالي، يستيقظون ويشربون القهوة ويشعرون بالتعب، ويذهبون إلى العمل من جديد. تبدو حياتهم كلها كما لو أنها تتكون من المشروبات، والطقس، والمواصلات، والإرهاق. ثم يختفي الدفتر تحت كتاب القواعد.
ربما لا تكون المشكلة مرتبطة بالانضباط، فالمهمة نفسها ضيقة أكثر مما ينبغي. ولست مضطرًا إلى تقديم تقرير عن يومك كاملا. اختر لحظة واحدة تنطوي على شيء من الضغط اللغوي (Language Pressure).
تخيل أن أحدهم سمح لك بالتقدم أمامه في طابور مخبز. تريد أن تقول: هذا لطف كبير منك، لكنني ما زلت أختار. تفضل أنت أولا. غير أن ذهنك لايقدم لك سوى اسمين، وزمن فعل خاطئ، وحرف جر من لغة أخرى. فتبتسم وتقول: أنت اذهب.
إن هذا الإخفاق الصغير مادةٌ ممتازة لليوميات. لاحقًا يمكنك أن تكتب: سمحت لي امرأة أن أتقدم عليها في الطابور، لكنني لم أكن قد اخترت شيئًا بعد. أردت أن أطلب منها أن تتقدم قبلي. ثم تبحث عن الجملة التي كنت تحتاج إليها وتسجلها: تفضلي، أنت أولًا. ما زلت أختار. أصبحت هذه العبارة الآن مرتبطة بوجه حقيقي، ومكان حقيقي، ولحظة حقيقية من الارتباك الخفيف، فصار لها جذور.
ما الذي تدعمه البحوث فعلا؟
كثيرًا ما يُروَّج للتدوين، وكأن الدفاتر تمتلك خصائص سحرية. اكتب ثلاث جمل كل مساء، وإذا بمفرداتك وثقتك وذاكرتك وحياتك العاطفية تعيد ترتيب نفسها من تلقاء ذاتها، لكن الواقع لا يقر ذلك، فالكتابة في اليوميات وحدها لا تضمن اكتساب اللغة، ولا كتابة متقدمة، ولا حصيلة لغوية أكبر، ولا درجات أفضل في الاختبارات. وتوضح كازاناڤ هذه النقطة صراحة. يمكن للتدوين أن يسهم في التطور حين يرتبط بأشكال أخرى من التعلم، من بينها المدخل اللغوي، والتعليم، والرجع التصويبي، والمراجعة، والتواصل(Casanave, 2011).
تكمن قيمته في العمليات التي يستطيع خلقها.
الكتابة تكشف حدود لغتك النشطة
قد تفهم عبارة فهمًا كاملًا حين تقرَؤُها، لكنك تعجز عن إنتاجها بنفسك. وربما سمعت العبارة الإنجليزية: “I ended up staying at home”، بمعنى «انتهى بي الأمر إلى البقاء في المنزل»، مرات كثيرة، لكنك حين تصف عطلة نهاية الأسبوع تكتب: في النهاية، بقيت في المنزل.
لقد فهمت التعبير الأصلي. كان متاحًا لك على مستوى التعرف، لكنه لم يحضر حين احتجت إلى بناء جملتك بنفسك.
الكتابة تلتقط هذا الفرق. يرى سوين ولابكن (Swain & Lapkin, 1995) أن إنتاج اللغة الثانية قد يجعل المتعلمين ينتبهون إلى ما لا يعرفونه، أو إلى ما يعرفونه معرفة جزئية فقط. وقد تؤدي الصعوبة، التي تظهر أثناء الإنتاج، إلى البحث عن مفردة، أو التفكير في قاعدة نحوية، أو المقارنة بين بدائل مختلفة، أو مراجعة الناتج الأصلي.
تتيح لك القراءة أن تمر على كثير من التفاصيل من دون أن تفقد فهم الرسالة العامة. أما الكتابة فتجبرك على اتخاذ قرارات. عليك أن تختار الزمن، وتسترجع حرف الجر، وتقرر هل تبدو الجملة طبيعية أم لا، وتكتشف أن معرفة قاعدة ما، والسيطرة عليها أثناء محاولة التعبير عن فكرة إنجازان مختلفان.
في دراسة سوين ولابكن، كتب طلابٌ في برنامج انغماس (Immersion) باللغة الفرنسية، وهم يفكرون بصوت مرتفع. وسجل الباحثان 190 موقفًا واجه فيها المتعلمون، بوعي، مشكلة لغوية وعملوا على حلها أثناء الصياغة أوالتحرير، إذ بحثوا عن الكلمات، وطبقوا القواعد، وقيَّموا مدى سلامة بعض التراكيب في السمع، وعدَّلوا جملًا لم تنجح في التعبير عن المعنى المقصود.
أراد أحد المتعلمين استعمال الكلمة الفرنسية المقابلة لكلمة (Lazy)، أي «كسول»، ولم يستطع استرجاعها؛ فغيَّر الفكرة إلى شيء يسهل التعبير عنه: ربما ليست لديهم طاقة كافية للمشي. وقد أدت الجملة الغرض، لكن المعنى الأصلي أصبح أضيق. وهذا يحدث باستمرار، إذ تتجنب نكتة؛ لأن الفكاهة تحتاج إلى قدر من الدقة يفوق ما تمتلكه. وتلطِّف رأيًا؛ لأن الاختلاف يحتاج إلى قواعد لا تستطيع استدعاءها بسرعة. وتستبدل انفعالًا محددًا بكلمة عامة مثل «سيئ». قد تكون كتابتك سليمة نحويًا، بينما تخفي وراءها أفكارًا عدة لم تتمكن من نقلها كاملة إلى اللغة الأخرى، واليوميات المفيدة تسجل هذه الاختزالات أيضا.
الكتابة المتكررة قد تبني السهولة والتنظيم
تمنحك الكتابة المنتظمة خبرةً في تحويل الأفكار إلى لغة مترابطة. وبمرور الوقت تتطوَّر مسارات مألوفة من أجل:
• تقديم موضوع.
• ترتيب الأحداث في تسلسل.
• شرح سبب.
• وصف رد فعل.
• تقييد رأي أو تهذيبه.
• مقارنة احتمالين.
• الإقرار بعدم اليقين.
• إنهاء قصة من دون الاكتفاء بعبارة «ثم ذهبت إلى المنزل».
تابعت دراسة أجرتها سن (Sun, 2010) ثلاثةً وعشرين طالبًا جامعيًا تايوانيًّا كتبوا، بكثافة، باللغة الإنجليزية، في مدونة صفية على مدى 18 أسبوعا، إذ كرَّر الطلاب الكتابة، واختاروا موضوعاتهم بأنفسهم، وردوا على زملائهم، وراجعوا تدويناتهم. وحصلت كتاباتهم اللاحقة على تقديرات كلية أعلى، مع تحسن ذي دلالة إحصائية في الجوانب الآلية للكتابة وتنظيمها. وأفاد الطلاب، بأنهم أحسُّوا بتحسن في المفردات وتطوير الأفكار، لكن هذه المكاسب لم تتأكد، بالوضوح نفسه، في تقييمات المقيمين المستقلين. والنتيجة المفاجئة مهمة بالقدر نفسه.
كانت التدوينات اللاحقة أبسط من الناحية النحوية التركيبية
فالكتابة أكثر لم تؤد إلى تراكيب أكثر تعقيدا. وتمنحنا هذه النتيجة تحذيرًا عمليًّا، إذ قد تساعدك الكتابة الحرة في اليوميات على أن تكتب بسهولة، وتنظم أفكارك بوضوح، لكنَّ توسيع معرفتك النحوية يحتاج إلى تحديات مقصودة، ونماذج، وتصحيح انتقائي، ومحفزات للكتابة مصممة بما يلائم مستواك. ويمكن لمتعلم متقدم أن يملأ عشر صفحات بينما يظل داخل دائرة المفردات الآمنة وأنماط الجمل نفسها. الكمية تخلق الفرص. وتصميم المهمة يؤثر في الجانب الذي يتطور.
الصلة الشخصية تغيِّر ما تنتجه من لغة
ينبغي للكتاب الدراسي أن يهيئ آلاف المتعلمين لمواقف يمكن توقعها؛ ولهذا، يعلِّمهم لغة المطارات والتسوق والمطاعم والعمل والسفر وخطط عطلة نهاية الأسبوع. أما يومياتك فتكتشف لغة حياتك أنت.
وقد تحتاج بكثرة إلى لغة تساعدك في:
• تقديم رجع تصويبي مفصل للطلاب.
• مواساة طفل.
• الاختلاف مع شخص دون قسوة.
• تبرير تأخر مشروع.
• وضع حدود في علاقة ما.
• التعبير عن المودة.
• الحديث عن الهجرة والانتماء.
• وصف الإنهاك بغير كلمة «متعب».
• شرح تقليد عائلي.
• التخطيط لمشروع طموح.
• الاعتراف بتغيير الرأي.
تظهر هذه الاحتياجات لأن حياتك تواصل إنتاجها.
درست دانتاس ويتني (Dantas Whitney, 2002) يوميات صوتية تأملية، أنشأها 18 متعلمًا متقدمًا في الإنجليزية لغة ثانية. وربط الطلاب موضوعات المقرر بخبراتهم الشخصية، ومعتقداتهم، ومقارناتهم الثقافية، وهوياتهم. ورأوا في هذه التسجيلات فرصًا للتدرب الشفهي، والتقويم الذاتي، والحصول على رجع تصويبي في سياق منخفض الضغط نسبيا. وقد تفاعل الطلاب مع ماتعلموه، إذ استعملوا الإنجليزية للتفكير في الزواج، وتوقعات الأسرة، والاكتئاب، والإدمان، وصورة الجسد، والكمالية، وهوياتهم بكونهم متعلمين وبالغين. إن هذه الصلة الشخصية ليست عنصرًا جماليًّا؛ إنها تمنح اللغة سببًا للوجود.
يمكن لليوميات أن تصبح وثيقةً لتطورك
من الصعب أن تشعر بتقدمك اللغوي من يوم إلى آخر. تدرس ثلاثة أشهر، ومع ذلك ما زلت تتردد، وتكرر الخطأ نفسه في المطابقة، وتتركك محادثة سريعة واقفًا على الرصيف، وينطلق القطار اللغوي من دونك، ثم تفتح مدخلًا كتبته قبل عام. الجمل أقصر، والصفات الثلاث نفسها تظهر في كل مكان، وزمن ماضٍ واحد يؤدي عمل أربعة أزمنة، وفكرة تستطيع الآن التعبير عنها في فقرة كانت تحتاج منك سابقًا إلى قاموس، ومترجم، ونصف ليلة.
تصف كازاناڤ اليوميات بأنها أرشيف يسمح للكتَّاب بالعودة إلى خبراتهم السابقة ورؤيتها من منظور آخر. ويمكن لهذا السجل أن يجعل التغيير الشخصي والفكري واللغوي مرئيًّا بمرور الزمن (Casanave, 2011).
وقد تلاحظ تغيرات في:
• طول الجمل وترابطها.
• المدى النحوي.
• دقة المفردات.
• سرعة الصياغة.
• الاستعداد لمحاولة التعبير عن أفكار صعبة.
• الاعتماد على الترجمة.
• الأخطاء المتكررة.
• الموضوعات التي أصبحت قادرًا على مناقشتها.
• الصوت الذي تطوره داخل اللغة.
• للتقدم بصماته.
يمكن للتدوين أن يدعم التأمل دون أن يتحول إلى علاج نفسي
بالنسبة إليّ، التدوين إحدى الوسائل التي أبقى بها على صلةٍ بحياتي. أكتب حين أفتقد الوضوح، وأكتب حين تتنافس عدة خطط في رأسي، وأكتب حين أكون منزعجة، ولم أفهم بعد السبب.
تبطِّئ الصفحة حركة الفكرة بالقدر الذي يسمح لي برؤيتها.
تصف كثيرٌ من البحوث المتعلقة باليوميات اللغوية وظائف شخصية ومعرفية واجتماعية. ويمكن لليوميات أن تمنح المتعلمين مساحة آمنة، نسبيًّا، للتعبير عن المشاعر، واستكشاف الأفكار، وربط الخبرات بعضها ببعض، والنظر في عملية تعلمهم (Casanave, 2011). وهذا لا يجعل التدوين بديلًا عن العلاج النفسي أو المساندة المتخصصة، بل هو ممارسة تأملية، وسيتوقف أثره على الكاتب والموضوع والسياق.
وقد تغير اللغة الأجنبية أيضًا المسافة العاطفية، إذ تمنحك الكتابة بلغة أخرى، أحيانًا، لوحًا رقيقًا من الزجاج يفصل بينك وبين التجربة، لتبدو أسهل قليلًا للفحص والتأمل. وفي أحيان أخرى، تجعل اللغةُ التجربةَ مختزلة، لأنك لا تستطيع التعبير عن ثقلها كاملا. وكلا الاستجابتين ممكن.
يمكنك البدء في أي مستوى
ينبغي ليومياتك أن تنمو انطلاقًا من اللغة التي تمتلكها الآن.
المبتدئ
في المستويين (A1) أو (A2)، يمكنك استعمال:
• جمل قصيرة.
• تسميات ورسوم.
• صور فوتوغرافية.
• جمل بقوالب جاهزة.
• قوائم مع شروح موجزة.
• كلمات من لغتك الأولى بين قوسين.
• فكرة واحدة توسعها في خطوات صغيرة.
على سبيل المثال:
ذهبت إلى الحديقة.
ذهبت إلى الحديقة مع ابنتي.
ذهبت إلى الحديقة مع ابنتي بعد الغداء.
بقينا ساعتين لأنها قابلت صديقة لها.
تظهر مراجعة كازاناڤ، أن المتعلمين ذوي الكفاءة المنخفضة يستطيعون ممارسة التدوين بالرسوم، والتهجئة المبتكرة، والجمل الوصفية القصيرة، والكتابة المعتمدة على الصور، والأداءات البسيطة المبنية على ما كتبوه. ويعد المبتدئون قادرين على إيصال المعنى قبل وقت طويل من تمكنهم من جميع الصيغ اللغوية التي يحتاجون إليها، مع اختلافهم في نمو اللغة من متعلم إلى آخر (Casanave, 2011).
المستوى المتوسط
في المستويين (B1) أو (B2)، تكون قد امتلكت من اللغة ما يكفي لتتجاوز تسجيل أحداث يومك فقط.
يمكنك أن:
تسرد مشهدًا واحدا.
• تشرح رد فعل.
• تعيد بناء محادثة.
• تسجل عبارة كنت تحتاج إليها.
• تستجيب لكتاب، أو مقطع مصوَّر، أو درس.
• تقارن جملتك الأصلية بصياغة أكثر مرونة.
• تطور محفزًا واحدًا إلى فقرة.
• تسجل المدخل بصوتك ثم تعيد روايته شفهيا.
وتشير كازاناڤ إلى أن المتعلمين في المستوى المتوسط، يمكنهم العمل على مجموعة أوسع بكثير من الموضوعات، تشمل القراءات، والأفلام، والمحاضرات، والنقاشات. وقد تصبح يومياتهم مساحات للتجريب في التراكيب والمفردات، وللتأمل والاستجابة الشخصية.
المستوى المتقدم
في المستويين (C1) أو (C2)، لا يكفي أن تكتب أكثر.
يمكن ليومياتك أن تستهدف:
• السجل اللغوي.
• النبرة.
• المفارقة.
• الإيقاع.
• اللغة الدقيقة للتعبير عن المشاعر.
• بناء الحجة، والحجة المضادة.
• الأفكار المجردة.
• تنويع المنظور السردي.
• الاستجابات الشخصية والنقدية للقراءة.
• إعادة كتابة الحدث نفسه بلغة حوارية، ورسمية، وأدبية.
يمتلك المتعلمون المتقدمون، في الغالب، لغةً كافية لتجنب ظهور الفجوات بوضوح. وبوسعهم التعبير عن معظم أفكارهم بصورة تؤدي الغرض. والخطر هنا هو الأمان اللغوي (linguistic safety)، الذي قد يدفع المتعلمين إلى اعتماد تراكيب مألوفة، ومفردات عامة، وسجل لغوي ضيق. ينبغي ليومياتك أن تدفعك إلى التساؤل والمقارنة والنقد وتجاوز التلخيص.
طريقة يسيرة تجعل يومياتك تعلِّمك شيئا
لست بحاجة إلى نظام معقد للبدء. في الوقت الحالي، استعمل هذا النظام الميسَّر:
1. اختر لحظة واحدة، أو فكرة، أو سؤالا. فلست بحاجة إلى سرد يومك كاملا.
2. اكتب مدة تتناسب مع مستواك. قد يكتب المبتدئ من ثلاث دقائق إلى خمس. وقد يكتب المتعلم المتوسط من خمس دقائق إلى عشر. أما المتعلم المتقدم فيمكنه أن يواصل الكتابة مدة أطول بكثير حين يقتضي الموضوع ذلك.
3. واصل الكتابة بدلًا من التوقف عند كل فجوة لغوية. إذا افتقدت كلمة أو تعبيرًا، فاتركه بين قوسين، أو صف المعنى الذي تقصده، أو استعمل لغة أخرى مؤقتًا ثم واصل الكتابة.
4. عُد إلى ما كتبت بعد انتهائك. لاحظ المواضع التي أصبحت فيها لغتك غامضة، أو مكررة، أو أبسط من الفكرة التي كنت تريد التعبير عنها فعلًا، أو غير سليمة نحويًّا، أو ناقصة.
5. ابحث في اللغة التي تستحق أن تحتفظ بها. قد يكون ذلك تعبيرًا واحدًا في تدوينة قصيرة جدًّا لمتعلم مبتدئ، أو عدة كلمات وعبارات وتراكيب في تدوينة أطول لمتعلم متوسط أو متقدم. أعط الأولوية للغة التي تعبِّر عن شيء كنت تريد حقًّا قوله، والتي يُرجح أن تستعملها مرة أخرى.
وهكذا، تتألف اليوميات اللغوية المثمرة من مرحلتين عامتين: أولًا، استعمل اللغة للتعبير عن شيء، ثم راجع ما كشفته لك محاولة التعبير هذه.
وينبغي أن يتغير مقدار ما تكتبه، ومقدار ما تحلله، بحسب مستواك، فقد يستفيد المبتدئ كثيرًا من خمس جمل وتعبير أو تعبيرين جديدين. ويمكن للمتعلم المتوسط العمل على تدوينات أطول وعدة فجوات لغوية. ويستطيع المتعلم المتقدم، استعمال التدوين لفحص الدقة، والسجل اللغوي، والأسلوب، والفروق الدقيقة في المعنى، والطرائق التي قد تحد بها اللغة المألوفة لديه من التعبير عن فكرة أكثر تعقيدا.
تمرينك الأول
لست بحاجة إلى كتابة ثلاث صفحات الليلة، اكتب ثلاثة أجزاء.
شيء لاحظته: لا تزال المدينة مضيئة في العاشرة مساءً، ولم يبدُ أحد مستعدًا للعودة إلى المنزل.
شيء أردت قوله: أردت أن أشرح أنني فقدت الإحساس بالوقت تماما.
شيء تريد التعبير عنه بدقة: حين أكتب بالإيطالية، تصل الإسبانية أولًا في كثير من الأحيان، وتحاول إكمال الجملة عني.
ثم اختر جزءًا واحدًا وواصل الكتابة انطلاقًا منه. يضيف المبتدئ جملة أو جملتين، ويطور المتعلم المتوسط فقرة، ويضيف المتعلم المتقدم تفسيرًا، أو فكرة مضادة، أو تغييرًا فيما سجَّل. اكتب قبل فتح القاموس. وحين تنقصك اللغة، ضع كلمة أو شرحًا بين قوسين وواصل الكتابة. وبعد ذلك، اختر فجوة واحدة فقط وابحث فيها. هذا يكفي للمدخل الأول.
امنح اللغة مكانًا خاصًا تعيش فيه
بالنسبة إلى كثير من المتعلمين، توجد اللغة الهدف في مكان خارج ذواتهم. تعيش في تطبيق، أو درس، أو كتاب دراسي، أو بودكاست، أو محادثة أسبوعية مع مدرس خاص. اليوميات تُدخلها إلى البيت، إذ تبدأ اللغة في حمل خططك، وانزعاجك، وذكرياتك، وأحلامك الغريبة، وأسئلتك، والأحداث الصغيرة التي لن يضعها أحد في كتاب دراسي.
لا يزال دفتري الإيطالي مكانًا للتمارين والتجارب. أما يومياتي المعتادة فشيء آخر، إذ أنتقل فيها إلى الإيطالية أو الإسبانية، وتُكلَّف اللغة، فجأةً، بحمل الحياة التي أعيشها فعلًا؛ عندها أشعر بحدودها في أوضح صورها، وكأن اللغة تخصني.
في المقالة القادمة، سأقدم ثماني تقنيات راسخة للتدوين، وأعيد بناءها بما يلائم متعلمي اللغات. تؤدي كل واحدة منها غرضًا مختلفًا. بعضها يزيل الفوضى الذهنية. وبعضها يساعدك على معالجة تجربة مررت بها. وبعضها يطور الأفكار، أو يعيد إليك الدافعية، أو يساعدك على جمع اللغة، أو يصل الكتابة بالكلام.
كل مقالة أنشرها تستند إلى خبرتي في اكتساب اللغة الثانية، وإلى عمر كامل من تعلم اللغات وتعليمها. وأحوِّل هذه المعرفة وما تقدمه البحوث إلى أنظمة واضحة وعملية تستطيع استعمالها فورا.
(*) فيكتوريا فيردي (Viktoria Verde) أستاذة اللسانيات، ومدرّسة لغات، ومواظبة على كتابة اليوميات طيلة حياتها. حاصلة على درجة الدكتوراه في اللسانيات التطبيقية، ومتحدثة لثماني لغات، وتكتب عن علم تعلم اللغات وممارسته.
المراجع
-Casanave, C. P. (2011). Journal writing in second language education. University of Michigan Press.
-Dantas-Whitney, M. (2002). Critical reflection in the second language classroom through audiotaped journals. System, 30(4), 543–555. https://doi.org/10.1016/S0346-251X(02)00046-5
-Sun, Y.-C. (2010). Extensive writing in foreign-language classrooms: A blogging approach. Innovations in Education and Teaching International, 47(3), 327–339. https://doi.org/10.1080/14703297.2010.498184
-Swain, M., & Lapkin, S. (1995). Problems in output and the cognitive processes they generate: A step towards second language learning. Applied Linguistics, 16(3), 371–391. https://doi.org/10.1093/applin/16.3.371
شارك الصفحة
المزيد من المقالات

الترجمان وملاحم اليونان
قد بات كثير من القراء لا يرتاحون حين يجدون الكتب المترجمة مكتوبة على مثال الجملة القرآنية التي جاءت بأفصح لسان، ويتحرجون حين يجدون أن الكتاب المترجم وكأنه مكتوب بالعربية ابتداء لشدة إتقان المترجم وحذقه باللسان المبين.

عن الجمال والإمتاع في الكتابة
الكاتب الذي يريد أن يتلمّس فكرةً مناسبةً للطرح، يجب عليه أن يُحْسن القبض عليها، وأن يُحْسن في تجريدها من الأسمال البالية التي تحجب عنه نصاعتها

تدنّي مراجعات الكتب
لقد صارت المراجعات الشائعة مملة للغاية، وأحكامها المجاملة أصابت جمهور القراء بالخدر والفتور
