header

عن الجمال والإمتاع في الكتابة

06 أغسطس 2026
٥ دقيقة قراءة

يَعزُّ على الكاتب الكبير أن يُهدي إلى حضرات قُرّائه المشاكسين قالبًا جاهزًا يشتمل على منهجيّةٍ محدّدةٍ تجيب عن سؤال: كيف نكتب؟ فالإبداع الكتابيُّ كما تعلمون مدبّرٌ بعوامل كثيرة، كالقراءات المتناثرة في كل حقل، والتجارب والمغامرات، ومشاعر اليأس والإحباط، ومشاعر البهجة والفرح، دعنا نقول أنها خليطٌ معقدٌ من كل هذه الفوضى.

وحتى لا ينخدع الكاتب المبتدئ ببعض الأحداث والمصائر التي تتشابه في حيوات بعض الأدباء، كحياة "دوستويفسكي"، والمعاناة التي قاساها في معتقل سيبيريا الرهيب، وكيف ألهَمَته تجاربه الرهيبة في تلك الأراضي المتجمّدة في أعماله الروائية بقية عمره؛ يجب عليه أن يسأل نفسه أسئلةً من قبيل: هل مرّ الكاتب المصري الكبير "نجيب محفوظ" -وهو مثل دوستويفسكي في ملّة الإبداع- مثلًا بكل ما قاساه ذلك الروسي في حياته؟ ومن الطريف أن من يقرأ مذكّرات الكُتّاب التي تناولت سيرة "نجيب محفوظ" أو من يُطالع لقاءاته التلفزيونية؛ يعرف قدْر الرتابة والروتينية في حياة هذا الرجل، رتابةٌ تُشْعِر من يطالعها بالملل، فكيف بصاحبها؟

هل تُلْزِم ظروف الإبداع الكاتبَ على أن يُضرب أو يُسْحَل أو يُنفى إلى جزيرةٍ في المحيط الهادي حتى يحصل له ذلك الشيء الرهيب الذي يسمونه "الإلهام"؟ الحقيقة أن الإجابة على مثل هذه الأسئلة تتنوّع بتنوّع خلفيات أصحابها، والأهم من ذلك أنها تتعقّد بكثرة الحديث عنها، وتزداد غموضًا، وتُضاعِف همَّ الكاتب المبتدئ همًّا على همّ. يقول الروائي البيروفي "ماريو فارغاس يوسا": "الكُتّاب هم طاردوا أشباحهم الخاصة"، فهل تتشابه أشباح كاتبنا البيروفي مع أشباح مواطنٍ خليجي يعيش في قلب العالَم؟ ثمّة فرقٌ شاسعٌ بين عالَم الأحزاب السياسية التي تذوب في مَعْمَعَةٍ من الصراع السلطوي بين الحكم المركزي المدني، وحكم العصابات القروي، وبين عالَم المواطن الخليجي الذي تبدو حياته أكثر سكينةً وهدوءًا من جمهوريةٍ أمريكيةٍ مثل البيرو، ولنستذكر تلك الفروقات التي تُكذّب فكرة سَيْر الإبداع في خطٍ واحد، كالتي بين "دوستويفسكي" و"نجيب محفوظ".

وبعد هذه المقدمة التي أوضح فيها للسادة القرّاء والكتّاب أنّه ما مِن منهجٍ واحدٍ يمكنه أن يصنع من الكاتب المبتدئ كاتبًا بارعًا؛ أقول لهم -وبملء فمي- أنه ثمّة ما هو أشرف وأسمى من أن يُخْلق الكاتب جهده في اتّخاذ لغةٍ بيانيةٍ إعجازيةٍ، تشبه لغة الرافعي والزيّات مثلًا، أو استقدام أفكارٍ جاهزةٍ يتلقّفُها هذا المسكين من الآداب الغربية دون أن يُميط عنها لثام العُجْمة؛ وهي أن يحقق قيمتين عظيمتين لحضرات قُرّائه، وهما قيمة "الجمال" وقيمة "الإمتاع".

ومن المؤسف أن أقول لحضرة القارئ الكريم أنه يجب عليك -أنت وحدك- أن تبذل قدرًا وافرًا من الطاقة في البحث عن هاتين القيمتين فيما تقرأ. والأمر نفسه معنيٌّ بالكاتب أكثر من غيره؛ لأن الكاتب الذي يريد أن يتلمّس فكرةً مناسبةً للطرح، يجب عليه أن يُحْسن القبض عليها، وأن يُحْسن في تجريدها من الأسمال البالية التي تحجب عنه نصاعتها، وأن يُسبِغ عليها قدرًا من ذاتيَّته (أسلوبه وأفكاره ورؤاه)، ثم يبذل جهده في إماطة الأذى عن الطريق أمام القُرّاء حتى يكون الطريق إلى "الجمال" و "الإمتاع" سلسًا، ينتقل منه القارئ بسهولةٍ إلى الوصول إلى هاتين القيمتين العظيمتين. ولكن يجب على الكاتب في هذه الحالة، أن يختار للقارئ أماكن المحطّات التي تعترض طريقه في هذا السبيل، حتى يستمرّ تشوُّف القارئ إلى بلوغ النهاية والوصول إلى مراد الكاتب، ولا حاجة لنا أن نُبلّغ الحريص بوجوب أن يوفّر في هذه المحطات بترولًا للمعرفة وديزلًا للمتعة، والنبيه من خفَّض في سعريهما، حتى يكون عمله خالصًا لوجه الله سبحانه وتعالى وليس من أجل التحذلق المحض!

يأخذ الكِتاب قدْرًا من خفّته وأريحيّته بقدر خفّة وأريحية المؤلف في واقعه المَعيش، ومن المعقول أن يأنس الإنسان السويّ إلى خفيف الظل، وأن يملّ ويستوحش من الثقيل، وفي الكتب من أشباه ذلك كثير. يقول أبو حيان التوحيدي:

"النفس تملّ، كما أن البدن يكِلّ؛ وكما أن البدن إذا كلّ طلب الراحة، كذلك النفس إذا ملّتْ طلبت الرَّوْح، وكما لا بد للبدن أن يستمّد ويستفيد بالجَمام الذاهب بالحركة الجالبة للنصب والضجر، كذلك لا بد للنفس من أن تطلب الرَّوْح عند تكاثف الملل الداعي إلى الحرج فإن البدن كثيف النفس، ولهذا يُرى بالعين، كما أن النفس لطيفة البدن، ولهذا لا توجد إلا بالعقل؛ والنفس صفاء البدن، والبدن كدر النفس".

حسبك ما تجده في كتب تراثنا الإسلامي من تقديرٍ عالٍ لحُسْن الذائقة، ونزوعٍ إلى تلقّي المتعة، والرغبة الدائبة في استبقاء جذوتها على طول النص، كما ذكر أبوحيان التوحيدي بالأعلى. والأمر نفسه مع الجاحظ، خصوصًا في كتابه "البيان والتبيين"، عندما عَرَض لقرّائه شيئًا مما أراد أن يُبْلغه في كتابه. وليس في المتعة والجمال ما يجعلهما معدودَيْن من الترف الفائض عند أدبائنا من المتقدّمين، بل هما من الغايات الهامة التي يصبو إليها خيال الكاتب في حد ذاتهما.

من المُلاحَظ والطريف في نفس الآن؛ أنّك تجد أنّ لحظة انحسار الإبداع في كل عصرٍ من العصور مرهونةً بتفشّي الغموض المفرط في الأدب! فالغموض المفرط إلى جانب أنه يُغيّب الرسالة التي أرادها الكاتب من نصّه؛ فإنه يعقد صلةً غرائبيةً محصورةً بفئة مميزةٍ من الأدباء المتحذلقين -كما ينعتهم بذلك أحمد خالد توفيق-، ويفصم العروة التي من المفترض أن تُسْتبقى بين الكاتب وبين جماهيره من القُرّاء؛ فالقارئ أولى وأحقُّ بصلة الكاتب من لفيفٍ من الحمقى الذين يجتمعون في كل معرض كتاب حول مواضيع لا تنتمي إلى مجتمعهم ولا لأنفسهم أصلًا!

هذه النماذج المُصطنعة من الاهتمامات التي يُكذِّب بها الأديب نفسه قبل غيره من قُرّائه؛ لا تقصِم الصلة التي بينه وبين قُرّائه فقط، بل تقصِم حبل المودّة التي تربط بين نفسه وبين حبّه للكتابة، إنها تقتل آخر ما تبقّى من جمالٍ وإمتاعٍ في الكتابة!


شارك الصفحة

المزيد من المقالات

تدنّي مراجعات الكتب

تدنّي مراجعات الكتب

لقد صارت المراجعات الشائعة مملة للغاية، وأحكامها المجاملة أصابت جمهور القراء بالخدر والفتور

كتابة: إليزابيث هاردويك ترجمة: يارا عمار
عن الكتابة

عن الكتابة

لماذا نكتب إذن؟ ربما كانت بداية الكتابة مع الإنسان القديم ليضع بصمته على العالم.

يارا محمد
دليلٌ بشري لمراجعات الكتب

دليلٌ بشري لمراجعات الكتب

تشد الحاجة إلى مراجعات الكتب حاليًا، بسبب الطوفان الكبير من الإصدارات، فنحتاج إلى متخصصين، يرشدوننا لأفضل المطبوعات.

حمود الباهلي