كتابة: كال نيوبورت
بات من المسلّم به اليوم أن النظام الغذائي وممارسة الرياضة هما قوام صحة الإنسان وعافيته. بيد أن هذا الوعي لم يكن سائدًا فيما مضى، بل تشكل جانب كبير منه في مدة وجيزة خلال منتصف القرن المنصرم.
في عام 1955، أصيب الرئيس دوايت أيزنهاور بأزمة قلبية بعد فراغه من لعب الغولف في دنفر، مما أحدث صدمة في أرجاء البلاد، إذ لم يتجاوز عمر الرئيس 64 عامًا وكان رمزًا للقوة والحيوية الأمريكية، حتى إن الجرّاح العام حينها قال إن وقع هذا الخبر عليه كان كسماع نبأ هجوم بيرل هاربر.
لم يتكتّم البيت الأبيض على الخبر، بل استقدم الدكتور بول دادلي وايت، وهو طبيب قلب رائد ساهم في تأسيس جمعية القلب الأمريكية. أرسى الطبيب معيارًا للشفافية، فحين تحدث إلى الصحافة لم يكتفِ بتوضيح حالة الرئيس، بل سعى إلى تثقيف الجمهور حول أمراض القلب بوجه عام.
توضح مجلة نيو إنجلاند الطبية في إحدى مقالاتها أن "الأزمات القلبية غدت أقل غموضًا وأقل ترويعًا لملايين الأمريكيين ذلك اليوم، فقد وجه لهم وايت رسالة مفادها أنه يمكن تقليل خطر الإصابة بها بإجراءات وقائية". وسرعان ما استقرت في الوعي الوطني فكرة أن النظام الغذائي له دور كبير في معدلات الوفاة.
وبعد نحو عشر سنوات نشر الدكتور كينيث كوبر، وهو طبيب عسكري أجرى بحوثًا في اللياقة البدنية لصالح وكالة ناسا، كتابًا بعنوان "الرياضة الهوائية" طرح فيه رؤية جديدة: وهي أن تمارين تقوية القلب والأوعية الدموية بالغة الأهمية للصحة. وفي عصر تزايدت فيه الوظائف المكتبية الخاملة واعتمد نمط الحياة في الضواحي على السيارات، أكّد كوبر على ضرورة تخصيص وقت للتمارين الرياضية كونها عنصرًا أساسيًا لطول العمر.

كانت هذه فكرة ثورية في ظل ثقافة يرتبط فيها التمرين الطوعي بالجيش أو أروقة الملاعب. تصدّر كتاب "الرياضة الهوائية" قائمة المبيعات وبدأ ملايين الناس في ممارسة الرياضة. ذكر الدكتور كوبر أنه عندما نُشر كتابه أول مرة لم تكن نسبة من يمارسون الأنشطة البدنية المنتظمة من البالغين تتجاوز 24%، وعدد العدّائين أقل من 100000 شخص، وفي غضون 16 سنة ارتفعت نسبة ممارسي الرياضة إلى 60%، بما فيهم 34 مليون عدّاءً.
النقطة المحورية هنا أنّ التحولات في المفاهيم والوعي قد تحدث بسرعة في وقت وجيز؛ فبعد عقود قليلة من حقبة أيزنهاور والدكتور كوبر ظهر لدينا الهرم الغذائي ومصطلح "قليل الدسم" والهوس بالركض وفيديوهات "جين فوندا". ومن ذلك الحين تغيرت نظرة الأمريكيين إلى الطعام والتمارين الرياضية إلى الأبد.
أما في وقتنا الحالي فنواجه أزمة جديدة تؤثر على عقولنا أكثر مما تؤثر على أجسادنا: وهي التأثير السلبي للتكنولوجيا الرقمية على قدرتنا على التفكير.
هل نحن أمام ثورة جديدة؟
عندما نشرت كتابي "عمل العميق" قبل عشر سنوات، جادلت بأن البريد الإلكتروني والرسائل الفورية توهن قدرتنا على التركيز في المهام الذهنية الصعبة. وأوصيت بتخصيص أوقات طويلة للتفكير المستمر دون انقطاع، والتعامل مع هذا النشاط الإدراكي على أنه مهارة يمكن تحسينها بالممارسة. سرعان ما انتشر مصطلح "العمل العميق" على الألسن، وصرت أسمع أفرادًا وشركات يرددونه دون معرفة مصدره.

غير أن المشكلات التي ركزت عليها في "عمل العميق" وما تلاه من كتاباتي تتفاقم يومًا بعد يوم. كان شاغلي الأكبر عام 2016 هو مساعدة الناس على اقتطاع وقت كاف للعمل العميق. أما الآن فأعتقد أننا نفقد قدرتنا على التفكير العميق من الأساس بصرف النظر عن مقدار الوقت المتاح في جداولنا لهذه الجهود.
والبيانات تدعم هذا الطرح؛ فالأبحاث التي أجرتها غلوريا مارك، أستاذة علم المعلومات في جامعة كاليفورنيا في إرفاين، تشير إلى أن مدى انتباهنا قد انخفض إلى ثلث ما كان عليه عام 2004، مع تسجيل أكبر انخفاض عام 2012 تقريبًا. كما تكشف دراسات استقصائية أجريت على مدى طويل أن نسبة البالغين في الولايات المتحدة المتعثرين في مبادئ القراءة أو الرياضيات قد ارتفعت ارتفاعًا ملحوظًا خلال العقد الماضي، كما ارتفعت نسبة مَن هم بعمر الثامنة عشرة الذين أفادوا بوجود صعوبة في التفكير والتركيز خلال المدة ذاتها. طرحت مقالة في صحيفة فايننشال تايمز حول هذه النتائج سؤالًا صادمًا لكنه في غاية الأهمية "هل تجاوز البشر ذروة قدراتهم العقلية؟"
تجلى التراجع في هذه المهارات الإدراكية بوضوح بداية من منتصف العقد الماضي، وهي ذات الفترة التي انتشرت فيها الهواتف الذكية ونما اقتصاد الانتباه الرقمي. تشير أبحاث متزايدة إلى أن هذا التوقيت ليس مجرد مصادفة، فقد أظهر تحليل شمولي نُشر الخريف الماضي أن استهلاك محتوى مقاطع الفيديو القصيرة، كالتي تتيحها تطبيقات مثل تيك توك وإنستغرام، يرتبط بضعف القدرات الإدراكية وتراجع الانتباه، كما كشفت نتائج تجربة ذكية أجريت عام 2023 أن مجرد وجود هواتف المشاركين في الغرفة يقلل قدرتهم على التركيز بدرجة كبيرة.
وقد طرح نمو الذكاء الاصطناعي مخاوف إدراكية جديدة، إذ كشفت دراسة أجريت في يناير، مستندة إلى استطلاعات ومقابلات مع أكثر من 600 مشارك، عن "وجود ارتباط سلبي قوي بين الاستخدام المتكرر لأدوات الذكاء الاصطناعي وقدرات التفكير النقدي". وفي دراسة حديثة أخرى تتبعت نشاط الدماغ للمشاركين الذين يستعينون بالنماذج اللغوية الكبرى في الكتابة، وجد أن "الترابط العصبي في الدماغ يتراجع تدريجيًا مع زيادة حجم الدعم الخارجي".
إن فقدان قدرتنا على التركيز مشكلة خطيرة، فما يقرب من 40% من الناتج الإجمالي المحلي في الولايات المتحدة يأتي من الصناعات القائمة على المعرفة والتكنولوجيا المكثفة، بدءً من صناعات الطيران والفضاء إلى تطوير البرمجيات والخدمات المالية والمعلوماتية. تحوّل الشركات في هذه المجالات الفكر البشري المتقدم إلى إيرادات مالية، وبالتالي فإضعاف قدراتنا العقلية يهدد اقتصادنا مباشرة. ومن الجدير بالذكر أن نمو الإنتاجية في القطاع الخاص شهد ركودًا في العقد الماضي لمّا أصبحت التكنولوجيا أكثر تشتيتًا بدرجة ملحوظة.
إن انخفاض القدرة على استخدام عقولنا له آثار شخصية مدعاة للقلق، فالتفكير هو وسيلة فهم المعلومات في هذا العالم المعقد. اعتاد الرئيس أبراهام لينكولن أن يختلي بنفسه في كوخه بأرض دار الجنود بمرتفعات واشنطن، وذلك حتى ينعم بالعزلة اللازمة للتفكير العميق في القرارات المصيرية التي تواجهه بصفته القائد الأعلى. وفي خطابات معاصرة كتبها أحد موظفي الخزانة أثناء زيارة لينكولن في الكوخ خلال تلك السنوات، يذكر أنه وجده "مسترخيًا على كرسي عريض وقد تدلت إحدى ساقيه على مسند الكرسي، كان يبدو غارقًا في التفكير".
كما أن التفكير هو المحرك لفهم حياتنا وتنمية مخيلتنا الأخلاقية؛ ففي عام 1956، لما تصاعدت مقاطعة حافلات مونتغمري ونمت على الساحة الوطنية، استجلى مارتن لوثر كينغ الابن هدفه في الحياة من خلال جلسة طويلة من التأمل الهادئ على طاولة مطبخه في ليلة لا تُنسى، إذ يذكر كيف تبلورت أفكاره في توجه واضح عبر صوت داخلي يناجيه "مارتن لوثر، انتصر للحق، انتصر للعدالة، انتصر للحقيقة".
وفي زمن لا تكف التقنيات عن إحداث اضطراب وإرباك في حياتنا قد تبدو أزمة التفكير هذه أمرًا واقعًا، كونها أثرًا جانبيًا لابتكارات يستحيل إيقافها. لكن هل علينا حقًا أن نقبل بهذا الفقدان المستمر لقدرتنا على التفكير كأنه قدر حتمي؟ لقد حوّلنا سابقًا نظرتنا للصحة في وقت قصير، ولذلك أعتقد أنه قد تحدث ثورة سريعة مماثلة استجابة لتراجع قدرتنا على التفكير.
كيف ستبدو ثورة كهذه؟ في عالم الصحة البدنية الآن نعلم أنه يجب تجنب الأطعمة فائقة المعالجة، مثل دوريتوس وأوريو، وهي أغذية هجينة تُصنع من إعادة تركيب مكونات أساسية، مثل الذرة والصويا، ونسب عالية النكهة من الملح والسكر والدهون. وكذلك جلّ المحتوى الرقمي الذي يستحوذ على انتباهنا في الوقت الحالي فائق المعالجة، بمعنى أنه نتاج قواعد بيانات ضخمة من المحتوى الذي ينشئه المستخدمون، بعدما تفرزه الخوارزميات وتفككه وتعيد تركيبه في تدفقات مخصصة ومصممة بحيث يستحيل مقاومتها. ماذا عساه أن يكون فيديو تيك توك إن لم يكن دوريتوس رقميًا؟
حري بنا أن نأخذ موقفًا حازمًا ضد المحتوى فائق المعالجة كما نفعل مع الأطعمة فائقة المعالجة. وهو ما يعني أنه: يجب أن يتجنب أكثر الناس هذه المشتتات معظم الأوقات. فكما يُستبعد أن يتناول المرء توينكيز كوجبة خفيفة منتظمة أو أن يظن بوب تارتس تمثل وجبة إفطار متوازنة، كذلك يجب الامتناع عن استهلاك المحتوى فائق المعالجة. لا تستخدم تيك توك، ولا تستخدم إنستغرام، ولا تستخدم إكس، ففوائدهم الشبيهة بجرعات السكر اللحظية لا تستحق الثمن الباهظ الذي تدفعه من عقلك.
أتى حينٌ كان يُرى مثل هذا الاقتراح غريبًا وغير عملي. (وقد أخذت نصيبي من الانتقادات والمعارضة حين اقترحت أول مرة أن وسائل التواصل الاجتماعي ليست بتلك الأهمية التي يدّعيها الناس). لكن أعتقد أنه كما تغير فهمنا للنظام الغذائي، فنحن مستعدون اليوم للإقرار بأن القيمة الغذائية -إن جاز التعبير- لتصفح المنشورات المثيرة للجدل والفيديوهات القصيرة قيمة ضئيلة.
بوسع الحكومات أن تساند الجهود الرامية إلى تحسين التغذية الرقمية. ففي خطوة تعيد إلى الأذهان حظر إدارة الغذاء والدواء للدهون المتحولة، سنّت أستراليا مؤخرًا تشريعًا يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون السادسة عشرة. في كلتا الحالتين درس المشرّعون الأدلة واستنتجوا أن الأضرار المحتملة (سواء كانت مخاطر الأزمات القلبية أو تدهور الصحة العقلية) تفوق بكثير المنافع المرجوّة.
حري بالولايات المتحدة أن تحذو حذو أستراليا في هذا الصدد. هل سيتحايل بعض الأطفال على الإجراءات الوقائية والضوابط الموضوعة؟ نعم بلا شك، فهذا التهرب يحدث في أستراليا بالفعل. لكن الرسالة التي تحملها هذه القوانين مهمة، إذ تعيد تأطير وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها أمر يجب مراقبته عن كثب، على غرار المواد المحظورة عن فئات عمرية محددة، مثل الكحول والتبغ، وهي مواد تعلمنا التعامل معها بحذر.
واستكمالًا لإيضاح وجه الشبه مع الصحة البدنية، لننظر إلى الرياضة. المكافئ الإدراكي للتمارين الهوائية هو التأمل، أي التركيز المتعمد للذهن على موضوع واحد بهدف زيادة فهمه. فكما أن نمط الحياة الخامل الذي ظهر في منتصف القرن العشرين قد أدى إلى تدهور أجسادنا، كذلك قلة التأمل الحالية تؤدي إلى تدهور عقولنا.
وما نظير الرياضة الهوائية بالنسبة لعقولنا العليلة؟ المرشح المثالي هو القراءة، ففهم نص مكتوب يمرّن أذهاننا على نحو بالغ الأثر. نحن نطور ما تسميه عالمة الأعصاب الإدراكية ماريان وولف "عمليات القراءة العميقة" التي تعيد توصيل وتدريب المسارات العصبية بأساليب تزيد من تعقيد ودقة ما نستطيع فهمه. تقول إن "القراءة العميقة هي جسر البشرية الموصل إلى البصيرة والفكر المبتكر". لعل قراءة بضع عشرات من صفحات الكتب يوميًا ينبغي أن تكون بمثابة العشرة آلاف خطوة اليومية الجديدة: أي حد أدنى من الرياضة الذهنية للحفاظ على اللياقة الإدراكية.
من طرق تمرين عقولنا أيضًا التخلي عن المصاحبة الدائمة للهواتف، حيث ترافقنا هواتفنا على مدار الساعة. وهذا الوضع يجعلنا في بيئة ذهنية واهية، إذ تظل الحزم العصبية في أنظمة التحفيز قصيرة الأجل -والتي تدربت بالممارسة على توقع المكافأة السريعة بالنظر في هواتفنا- في حالة تأهب مستمر، مما يولد رغبة ملحة لإمساك الجهاز. وذلك يجعل أي ممارسة للتأمل بمثابة معركة إرادة، كلنا نخرج منها مهزومين غالبًا. وهكذا يغدو الاتصال المستمر بهواتفنا عائقًا خطيرًا أمام الرياضة الإدراكية.
أحد الحلول المقترحة لمشكلة المصاحبة الدائمة: أن تقضي وقتًا أطول وهاتفك بعيد عن متناول يدك. فإن لم يكن الهاتف بالقرب منك، فلن يحرك خلاياك العصبية التحفيزية بنفس القدر، مما يعينك على تصفية ذهنك للتركيز على الأنشطة الأخرى بقدر أقل من المشتتات. لنلخص الأمر في قاعدة يسيرة: عندما تكون في البيت، اترك هاتفك يشحن في المطبخ عوضًا عن وضعه في جيبك. وإن أردت النظر في الرسائل أو البحث عن أمر ما، فافعل ذلك في المطبخ. وإن كنت في انتظار مكالمة، فشغّل رنين الهاتف. هذه الاستراتيجية تعينك على الانخراط فيما تفعله، مثل تناول الوجبات أو مشاهدة عرض مشترك أو التحدث مع الأسرة، دون تشتيت انتباهك بالرغبة الملحة في النظر إلى شاشة ثانوية.
كما أن مؤسساتنا لها دور في هذا الصدد، إذ أن القواعد واللوائح التي تحدّ من التشتت في البيئات الجماعية يمكن أن تدعم تعزيز القدرات الإدراكية. على إثر نجاح كتاب الطبيب النفسي بجامعة نيويورك جوناثان هايدت "الجيل القلق" الصادر عام 2024، بادر العديد من المناطق التعليمية في أنحاء البلاد إلى حظر الهواتف الذكية في الفصول الدراسية، وقد ثبتت جدوى هذه الجهود بصورة استثنائية. ففي ورقة أصدرها المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية عام 2025، وجد أن حظر الهواتف في المدارس تبعه "تحسنات كبيرة" في نتائج اختبارات الطلاب. وكذلك أفاد ثلاثة أرباع المدارس الثانوية التي يبلغ عددها 317 مدرسة، والتي شملها استطلاع أجراه فريق هولندي، أن حظر الهواتف قد حسّن مستوى التركيز، وأفاد ثلثي المدارس بأنه حسّن "المناخ الاجتماعي" فيها.

ويمكن توسيع نطاق مثل هذه التدخلات لتتجاوز حدود الفصول الدراسية. قبل الجائحة جرّبت شركة Skift الإعلامية حظر إحضار أجهزة اللابتوب والجوّالات إلى الاجتماعات الداخلية. ذكر رأفت علي، الرئيس التنفيذي للشركة، في مقابلة أجرتها معه شبكة CNN أن هذه القاعدة عززت التواصل بين موظفيه، يقول "لو لم تضع قواعد بشأن أجهزة اللابتوب، سيختبئ الموظفون وراءها". لعل مثل هذه الإصلاحات كان يصعب استدامتها في سنوات الجائحة، لكن الآن توقيت مثالي لاستكشافها من جديد. كتب الخبير الاستراتيجي للعلامات التجارية آدم هانفت مقالة رأي في أغسطس يقترح فيها أن يضع الموظفون هواتفهم في صندوق مغلق قبل دخول غرفة الاجتماعات. يقول مستشهدًا بنجاح فكرة حظر الهواتف في المدارس إن "العقول النامية تحتاج تركيزًا، وكذلك العقول التي يُفترض أنها ناضجة".
غير أن متطلبات صندوق البريد الإلكتروني والرسائل الفورية تمثل عائقًا أكبر أمام الاستخدام الكامل لعقولنا في بيئة العمل المكتبية، إذ وجد تقرير مؤشر اتجاهات العمل لعام 2025 الصادر عن مايكروسوفت أن موظفي المكاتب الذين شملتهم الدراسة يتعرضون للمقاطعة كل دقيقتين في المتوسط. نشرتُ عام 2021 كتابًا بعنوان "عالم بلا بريد إلكتروني" دعوت فيه إلى تغيير استراتيجيات التعاون تغييرًا جذريًا بحيث لا نعتمد على التدفق المستمر من الرسائل المتبادلة لإنجاز العمل. (أعني منصة سلاك). رأى البعض أن فكرة الكتاب مستبعدة -كنت أمزح قائلًا إن بائعي الكتب يضعون الكتاب على في قسم الخيال- لكني كنت جادًا. لو أنا نقدّر عقولنا فحري بنا أن نسعى لإجراء تغييرات جذرية في ثقافة بيئة العمل.

كما يطرح الذكاء الاصطناعي التوليدي تحدياته الخاصة، لا سيما عندما تتقاطع هذه التقنية مع حياتنا المهنية. نشرت هارفارد بيزنس ريفيو مقالة صارخة في سبتمبر تناولت الانتشار السريع لما أسموه "الهراء المكتبي" الذي عرّفه الكاتبون بأنه "محتوى العمل الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي، فيبدو في الظاهر عملًا جيدًا، غير أنه يفتقر إلى الجوهر الكفيل بتحقيق تقدم ملموس في مهمة معينة"، والنتيجة تناقض واضح: "فبينما يلتزم أكثر الموظفين بتبني هذه التقنية، فقلة منهم مَن يرون أنها تضيف قيمة حقيقية". أجرى باحثون في مجموعة بوسطن الاستشارية دراسة حديثة وجدت أن إسناد المهام الصعبة إلى الذكاء الاصطناعي قد أدى إلى زيادة الإرهاق الذهني -يسمونها حالة "احتراق الدماغ"- بسبب تغيير السياق المستمر اللازم لمراقبة سلوك الذكاء الاصطناعي وإدارته.
فلِم نستخدم الذكاء الاصطناعي بطرق تجعل علمنا أكثر استنزافًا؟ أظن أننا غالبًا لا نلجأ إلى هذه الأدوات لأنها تحسّن علمنا، بل لأنها تجنّبنا التركيز المتواصل. إن البدء بصفحة فارغة مهمة صعبة، فلم لا نستعين بروبوت محادثة لصياغة مسودة أولية متواضعة لوثيقة التخطيط؟ وجمع المصادر وتحليلها لإعداد تقرير تسويقي مهمة مرهقة، فلم لا نطلق حشدًا من وكلاء الذكاء الاصطناعي لمعالجة المهمة عوضًا عنا؟ المشكلة هنا أنها تعزز نفسها بنفسها، فالمشتتات التي تستنزف العقول، مثل وسائل التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني، قد أوهنت قدرتنا على التفكير من قبل ظهور الذكاء الاصطناعي، ما جعلنا أكثر استعدادًا لاستغلال هذه الأداة الجديدة بمجرد توفرها لتجنب المهام المرهقة ذهنيًا. وفي الوقت ذاته، كلما زاد استخدامنا للذكاء الاصطناعي بهذا الطريقة تدهورت لياقتنا الإدراكية أكثر وأكثر.
يحتاج كل من المديرين والموظفين إلى تحديد أمثل الأوقات لاستخدام الذكاء الاصطناعي. لو كان يوفر الوقت، مثل أن يطلب المستخدم من أحد النماذج اللغوية الكبرى فرز مجموعة ضخمة من المستندات، أو أن يطلب من وكيل مدعوم بالذكاء الاصطناعي تعديل أخطاء تنسيقية في مجموعة بيانات، فهذه مكاسب واضحة بلا شك. وقد وجد مؤلفو مقالة "احتراق الدماغ" أن الاستعانة بهذه الأدوات لأتمتة المهام "الروتينية أو المتكررة" يقلل من الاحتراق الوظيفي. لكن أي استخدام للذكاء الاصطناعي لغرض تخفيف العبء الذهني للمهام الأساسية ينبغي معاملته بحذر. إليك قاعدة بسيطة تعزز هذه الفكرة: يجب أن تكون كتابتك نابعة من ذاتك. إن الجهد الذهني المصاحب لصياغة مذكرة أو تقرير واضح هو المعادل الذهني للجهد الذي يبذله الرياضي في صالة الألعاب الرياضية، فهو ليس إزعاجًا حتى تتخلص منه، بل عنصر أساسي لصقل مهاراتك.
إن المشكلات التي ذكرتها ههنا حتمًا ستزداد سوءً، ولدرء الكارثة لا بد من ثورة شاملة دفاعًا عن التفكير تُشن ضد القوى الرقمية التي تسعى إلى تقويضه. لا مجال بعد اليوم لللامبالاة (كأن نقول "ماذا عسانا أن نفعل؟ أطفال اليوم يعشقون أجهزتهم") أو المحاولات التي تفتقر إلى الهمة عبر نصائح بسيطة (مثل "إيقاف الإشعارات") أو القبول السلبي لأحدث الأدوات (بحجة أنه "لو لم أتبن الذكاء الاصطناعي سأُستبدَل بشخص آخر يتبناه").
يكمن مفتاح هذا التحول في العمل؛ فخلال النصف قرن الذي أعقب إصابة أيزنهاور بأزمة قلبية، انخفضت معدل الوفيات الناتجة عن أمراض القلب والأوعية الدموية (المعدلة حسب السن) بنسبة 60%، ما أدى إلى ما وصفته إحدى الدراسات الأكاديمية بأنه "أحد أهم الإنجازات في مجال الصحة العامة في القرن العشرين". وفي الوقت ذاته، غدت ممارسة الرياضية شائعة لدرجة أنها لم تعد أمرًا مستغربًا. يوجد الآن ما يزيد على 55000 صالة ألعاب رياضية ومركز لياقة بدنية في الولايات المتحدة وحدها، وهذا واقع لم يكن يخطر على بال في عصر الخمول قبل نشر كتاب "الرياضة الهوائية". لكن تصريحات الدكتور وايت وكتاب الدكتور كوبر لم يكونا كافيين لإحداث هذا التحول، بل كان العمل الجماعي الذي أعقب تلك الأحداث هو الأبلغ تأثيرًا في النهاية.
تهتم الحكومة حاليا بشدة بدراسة مبادئ جديدة للأنظمة الغذائية والرياضة، ونشرها، وكذلك فعلت مؤسسات غير ربحية كبرى، مثل جمعية القلب الأمريكية التي أسسها الدكتور وايت. كما بدأ الأفراد والمجتمعات بالاستكشاف والتجربة، مما أدى -مثلًا- إلى طفرة في مختلف أنواع التمارين الترفيهية والكتب الأعلى مبيعًا، مثل كتاب مايكل بولان "معضلة الكائن القارت" الذي فتح أعين الناس على علاقات أكثر واقعية مع الطعام. وقد أدى الاهتمام الفردي بدوره إلى استجابة قطاع الأعمال، تمثلت في التوسع السريع في خيارات أندية وصالات اللياقة البدنية وظهور عدد لا يحصى من العلامات التجارية للأغذية الصحية. ولئن كان أمامنا طريق طويل لمعالجة مشكلاتنا الصحية في بلادنا معالجة كاملة، فقد أحرزنا تقدمًا بالعمل الجماعي.

أعتقد أننا الآن مستعدين لدفعة قوية مماثلة من العمل المتضافر دفاعًا عن لياقتنا الإدراكية، لم أضع هنا برنامجًا كاملًا لاستعادة إرثنا بوصفنا كائنات متأملة، بل مجرد نقطة انطلاق نافعة. وإنما هدفي هو استثارة تحول في الفهم بحيث يتطور إلى ثورة أكبر. لن أفرّط مجددًا في عقلي -جوهر هويتي- لخدمة المصالح المالية لعدد قليل من مليارديرات التكنولوجيا أو انسياقًا وراء المنافع القريبة القاصرة لأساليب التواصل مفرطة النشاط. حان وقت تجاوز القلق بشأن انزلاقنا إلى مستوى إدراكي ضحل، والحديث عن اتخاذ خطوات عملية بدلًا من ذلك.
لقد فعلناها سابقًا، وبوسعنا إعادة الكرّة.
شارك الصفحة
المزيد من المقالات

كيف تدوِّن يومياتك بلغة أجنبية لتساعدك على التعلم؟
الكتابة هي الطريقة التي أفكر بها؛ أخطط لمشاريعي على الورق، وأعالج مشاعري هناك.

الترجمان وملاحم اليونان
قد بات كثير من القراء لا يرتاحون حين يجدون الكتب المترجمة مكتوبة على مثال الجملة القرآنية التي جاءت بأفصح لسان، ويتحرجون حين يجدون أن الكتاب المترجم وكأنه مكتوب بالعربية ابتداء لشدة إتقان المترجم وحذقه باللسان المبين.

عن الجمال والإمتاع في الكتابة
الكاتب الذي يريد أن يتلمّس فكرةً مناسبةً للطرح، يجب عليه أن يُحْسن القبض عليها، وأن يُحْسن في تجريدها من الأسمال البالية التي تحجب عنه نصاعتها
