شرعتُ قبل أسابيع في قراءة كتاب "البطل بألف وجه" لجوزيف كامبل لسببين؛ أولهما أن الترجمة الجديدة للكتاب كانت من إنجاز المترجم المصري محمد أ. جمال، وقد كنت أحرص على الاطلاع على كل جديد ينشره، حتى إن لم أبادر بقراءته، انتظارًا للحظة مناسبة كهذه اللحظة… وهي لحظة تأجلت مرة أخرى للأسف، كما سأخبركم.
أما السبب الثاني فكان معرفتي بأن هذا الكتاب يُعد مرجعًا أساسيًا لدى كتّاب الروايات والقصص والسيناريوهات في الغرب، مع أنه ليس كتابًا في الكتابة على وجه التحديد، وهو ما أثار فضولي ودفعني إلى البدء بقراءته.
لكنني ما إن أنهيت المقدمة وشطرًا من الفصل الأول حتى توقفت؛ فالكتاب يتحدث عن وحدة الحكاية في مختلف الأساطير الغربية، ثم يمد هذا التصور إلى الأساطير الشرقية، بل إلى حكايات الأديان، سماويها وأرضيها، ويرى أنها جميعًا تنتمي إلى دراما إنسانية واحدة، ثم يمضي في بيان عناصر هذه الوحدة وتحليلها، ليخلص إلى أن الحكاية الإنسانية واحدة في جوهرها، ومن هنا يمكن فهم المكانة التي حظي بها الكتاب عند الكتّاب، إذ يقدم لهم الخيوط الكبرى التي تنتظم الدراما الإنسانية في الماضي والحاضر والمستقبل.
لكن الإحالات الكثيرة إلى الأساطير الغربية، واليونانية منها على وجه الخصوص، جاءت شديدة الإيجاز، وافترضت قارئًا يعرف هذه القصص، ويحيط بشخصياتها ومساراتها، فقررت أن أتوقف عن القراءة مؤقتًا، وأنتقل إلى كتب تروي هذه الأساطير، ولو في صورة موجزة.
وهكذا وقعت على كنز اسمه دريني خشبة.
كنت قد اقتنيت قبل أكثر من عام نسخة مستعملة لكتاب صغير من جزأين بعنوان "أساطير الحب والجمال عند اليونان"، ولا أدري ما الذي دفعني إلى اقتنائه آنذاك، وهو من تأليف الأديب المصري الراحل دريني خشبة رحمه الله.
وُلد دريني خشبة سنة ١٩٠٣م، ورحل سنة ١٩٦٤م، وبين هذين التاريخين شق لنفسه طريقًا خاصًا في الثقافة العربية؛ طريقًا يمر عبر المسرح، والترجمة، والأدب اليوناني القديم. استوقفته الأساطير والملاحم منذ وقت مبكر، فقرأها، وترجمها، وأعاد روايتها، حتى أصبحت جزءًا أصيلًا من مشروعه الثقافي. ومع مرور السنوات اقترن اسمه بهوميروس والتراجيديا الإغريقية، كما اقترن بأعماله المسرحية والنقدية، وامتلك موهبة نادرة في تحويل النصوص الكلاسيكية إلى حكايات نابضة بالحياة.
وجاء مشروع دريني خشبة امتدادًا لحراك ثقافي بدأ يتشكل في النصف الأول من القرن العشرين، حين دعا طه حسين إلى إعادة وصل الثقافة العربية بالتراث اليوناني، وعدّ دراسة الأدب الإغريقي مدخلًا أساسيًا لفهم تاريخ الآداب الأوروبية وتطورها، وسعى إلى ترسيخ هذا التوجه في الجامعة المصرية. وفي الأجواء التي صنعتها تلك الدعوة، انصرف دريني خشبة إلى العمل الذي يحتاجه القارئ أكثر من أي شيء آخر؛ نقل النصوص، وشرح الأساطير، وتقديم أبطالها، وترجمة الملاحم، حتى غدت كتبه بمنزلة البوابة الأولى التي يعبر منها القارئ العربي إلى عالم الإغريق. وأحسب أن كثيرين ممن تعرفوا إلى هوميروس، أو تتبعوا حكايات الآلهة اليونانية والأبطال، بدأوا رحلتهم من الصفحات التي كتبها دريني خشبة.
مهّد خشبة لكتابه بمقدمة في التعريف بالأساطير اليونانية، التي يسميها «الأحلام اليونانية الرائعة»، فتحدث عن شخصياتها، والعلاقات بينها، ونشأة هذه الأساطير، ودروب ترجمتها، والمسارات التي سلكها النقاد والمفكرون في تفسير ظهورها وتأويل رموزها، قبل أن يسرد في الجزأين عشرات الحكايات من هذه الأساطير اليونانية القديمة، في بناء يشبه مجموعة قصصية آسرة، مكتوبة بلغة عذبة ومدهشة، ولا سيما في عتبات القصص التي يرسم فيها البيئة الطبيعية للحكاية بأبهى الصور وأرقها.
يقول مثلًا:
«كان الليل الهادئ المقمر أصفى من قلوب العذارى، وكان النسيم العليل الحلو يرف كالأماني في قلوب المحبين، وكان البدر العاشق المسهد يرسل القبل فتنطبع على خدود الورد، وتلثم أعواد الزنبق، ثم تنتشر بالشذى فتعطر أحلام المدنفين».
وكثيرًا ما يفيض في الوصف بمثل هذه الفقرات اللذيذة، فتمنح النص جمالًا خاصًا، وإن كانت تؤخر حركة السرد قليلًا، إذ يستغرق الوصف مساحة واسعة من الحكاية، فتبطئ إيقاعها، وتمنح القارئ في الوقت نفسه متعة التأمل، ويا لها من مفارقة جميلة.
فيقول مثلًا في أعطاف قصة بلوتو يخطف برسفونية:
«وفيما هو ينهب الأرض بعربته، إذا به يسمع في غيضة قريبة، ضحكات مرنة، وأصواتًا موسيقية، وأحاديث كأنها دنانير من ذهب في كف صيرفي حذق! فساقه الفضول إلى استكشاف أولائك الغيد اللائي يتضاحكن هكذا! كأنما يترنمن بالشدو، ويرجعن بالغناء! ففرق العساليج التي كانت تحجبهن، فرأى البدور البيض على الحشيش الأخضر، كأنهن نغمات حلوة تنطلق من أوتار أرفيوس!».
ثم أكملت رحلتي مع دريني خشبة، فقرأت "قصة طروادة" و"قصة الأوديسة"، اللتين أُعيد طباعتهما بعنوان "الإلياذة" و"الأودسية"، ووضع الناشر الجديد عليهما اسم دريني خشبة بوصفه مترجمًا لهما، بعد حذف مقدمته على "قصة طروادة".
فهل كان دريني خشبة يريد أن يترجم هذه الأساطير والملاحم بالمعنى الذي يتبادر إلى الذهن من كلمة "ترجمة"؟
مترجمٌ أم راو؟
تابعت في الأيام الماضية شيئًا من النقاش حول ترجمة ملحمة الأوديسة لهوميروس، وكأن الآراء قد استقرت على أن ترجمة دريني خشبة ترجمة ناقصة ومعيبة، بل ومشوهة، كما ذكرت إيمان العزوزي في مفاضلتها بين هذه الترجمات تحت عنوان "تشويه دريني خشبة"، فتقول:
«بيد أن هذه الترجمة -كحال ترجمة الخالدي- ليست نقلًا عن النص الأصلي، بل هي معالجة نثرية اعتمدت على ترجمات إنقليزية، أضفى عليها خشبة ألفاظًا وصورًا مستمدة من القرآن الكريم والتراث العربي كالشعر الجاهلي. وأرى أن هذا الخيار أضعف هوية النص، لأن "الأوديسة" مقترنة بعالم ميثولوجي متكامل، وعند استبدال هذا العالم بلغة تنتمي إلى ثقافة أخرى، يفقد العمل جزءًا من خصوصيته، ويبتعد القارئ عن هوميروس بدلًا من أن يقترب منه».
وقد فضلَتْ عليها ترجمة أمين سلامة، وعدّتها أقرب إلى الدقة في نقل الملحمة، مع محافظتها على جمال اللغة العربية. وقادني الفضول إلى إجراء مقارنة محدودة بين الترجمتين، فوجدت أن الفارق بينهما في بعض المواضع التي أثبتها خشبة أقل مما توقعت، مع ركاكة في عبارات أمين سلامة، وفصاحة لافتة في لغة دريني خشبة.
فمثلًا نجد عند أمين سلامة الفقرة التالية:
«عندئذٍ، قسمت رجالي المدرَّعين جيدًا، إلى فرقتَين، وعيَّنتُ منهم قائدًا لكل فريق، فتولَّيتُ أنا رئاسة فريقٍ منهما، بينما رأس الفريق الآخر يورولوخوس Eurylochus شبيه الإله، ثم اقتسمنا بسرعةٍ بالأزلام، في خوذةٍ برونزية، فخرج زلَم يورولوخوس الباسل؛ وعلى ذلك انطلق يصحبه اثنان وعشرون رفيقًا، وكلهم يبكون، وتركونا وراءهم، وهم ينتحبون، فعثروا على منزل كيركي، وسط وديان الغابة، مصنوعًا من الصخر المصقول، في مكانٍ فسيح مكشوف، وكان حول البيت كثيرٌ من الذئاب الجبلية والأُسود، كانت كيركي نفسها قد مسخَتْها، بأن أعطت الرجال عقاقيرَ ضارة. غير أن تلك الحيوانات لم تُهاجم رجالي، ولكنها زمجَرتْ نحوهم مُكشِّرة، وهي تهزُّ ذيولها الطويلة. وكما يحدُث عندما تنبَح كلاب الصيد حول صاحبها وهو آتٍ من مأدبة، إذا لم يحضر لها أي شيء من قِطع اللحم ليُهدِّئ من غضبها، هكذا أيضًا عوَت الذئاب القوية المخالب، والأسود، حولهم، فتملَّكَهم الفزع لرؤية تلك الوحوش الكاسرة؛ ولذلك وقفوا عند باب الربة ذات الغدائر الجميلة، فسمعوا في الداخل صوت كيركي تُغنِّي بصوتٍ شجي، وهي تَذْرع أرض ساحتها جيئة وذهابًا، أمام نسيجٍ عظيم لا يفنى، نسيجٍ أشبه ما يكون بعمل الربات، منسوجٍ ببراعةٍ فائقة، فغدا باهرًا جميلًا مجيدًا؛ عندئذٍ تحدَّث إليهم قائد الرجال بوليتيس Polites، أعز رفقائي على نفسي، وأخلصهم لي، فقال:
“أيها الأصدقاء، إن بالداخل شخصًا يروح ويجيء أمام نسيجٍ فخم، يشدو بصوتٍ رخيم، لدرجة أن الأرض كلها تُدوِّي بصدى غنائه، لا بد أن يكون هذا الشخص ربةً ما، أو سيدةً من السيدات، هلُموا بنا، نُسرِع بالنداء عليه”».
ونجد ذات الفقرة عند دريني خشبة في الصياغة التالية:
«ثم قسمتهم فريقَين؛ جعلت على أحدهما يوريلاخوس قرن الآلهة، وجعلت نفسي على الفريق الآخر، وجلسنا نقترع على مَنْ يذهب لارتياد الجزيرة، فوضعنا الرقاع في خوذتي، ثم كانت القرعة على يوريلاخوس، فمضى وتحت إمرته اثنان وعشرون من رفاقنا كانوا جميعًا يذرفون الدمع خوفًا وفزعًا مما وُجِّهوا إليه، وكنا نحن نُبادلهم دمعًا بدمع وبكاءً ببكاء. ووجدوا قصر سيرس في بطيحة منخفضة، فماذا رأوا؟ قصرًا منيفًا ممرَّدًا تُحدق به تماثيلُ حية من سباع وذؤبان سحرتها سيرس بعقاقيرها ذات القوى الخارقة الخفية، ولم تُؤذِهم تلك الوحوش، بل كانت تثب على أرجلها الخلفية في دلٍّ وتلطُّف، ثم تُبصبص بأذنابها كأنها كلاب السادة العظماء حينما تتملَّقهم في وليمة من أجل لقيمات. وتسمَّعوا فإذا سيرس تتغنَّى بصوتها المعجب المطرب وهي تعمل على نَوْلها، مشغولة بنسيج سابري عبقري عجيب، ليس يقدر على مثله إلا الآلهة، وكان في رجال الفريق أمير عظيم هو عندي أربطُهم جأشًا فقال: “أتسمعون أيها الأصدقاء إلى هذا الغناء الحلو تُردِّده جنبات القصر؟ إنه لا شك غناء ربة الدار التي تعمل على نولها، ولست أدري أربة خالدة هي، أم من بنات حواء؟ وعلى كلٍّ هلموا نهتف بها”».
وبالطبع لا تكفي مقارنة محدودة لبناء حكم نهائي، لكنها تكفي في تقديري لإعادة النظر في كثير من الأحكام المتداولة على صياغة دريني خشبة.
ومع ذلك، فإن دريني خشبة لم يقصد ترجمة كامل نصوص الأساطير والملاحم اليونانية، بل أعاد سردها بنفسه، كما صرح بذلك في بداية مشروعه بمقدمته على "أساطير الحب والجمال عند اليونان" حين قال:
«أحببت أن أسجل ذلك حتى لا يدور في روع أحد أنني نقلت ما نقلت، من آيات ذلك الأدب الذي أُغرمت به، نقلَ ترجمة، ولكن نقل رواية، وهي الطريقة التي آثرها شعراء أوروبا الحديثة حين قدّموا لبلادهم ذلك التراث اليوناني التليد، وهي الطريقة نفسها التي أقرها وجرى عليها الأستاذ الإنجليزي الكبير توماس بلفنش (١٧٩٦-١٨٦٧) حينما نقل إلى الإنجليزية معظم الأساطير اليونانية عن أوفيد وفيرجيل، فرب أسطورة ليس لها في أصول ذلك الأدب إلا سطر أو سطران، رواها هو في صفحة أو صفحتين، ليُيباعد بينها وبين جفاء العلم، وليجعلها سائغة في أذواق مواطنيه، وهكذا فعلت».
هذا عن صياغته القصصية للأساطير، أما بشأن ما فعله مع ملحمتي هوميروس فقد وضح اختياره في الاختصار والتقريب بمقدمته على "قصة طروادة"، وهي المقدمة التي حذفها الناشر الجديد، فقد قال:
«ولم يبق إلا أن يعلم القارئ لماذا آثرت تلخيص الإلياذة والأوديسة، ولم أوثر ترجمتهما؟ ولا أحب أن أطيل في إيراد سبب ذلك؛ فأنا لا أزال عند رأيي من وجوب تحبيب الأدب اليوناني الخالد إلى قراء العربية، وإزالة ما عساه أن يصرفهم عن ورده، والاستمتاع بروائعه. والأدب اليوناني مثقل بمئات من أسماء الآلهة والإشارات الأسطورية التي تصرف القارئ عن لب الموضوع، بل ربما صرفته عن الموضوع نفسه، وزهدته فيه فلا يعود إليه أبدا.
لهذا آثرت التلخيص على الترجمة، ولهذا بدأت بنشر كتابي "أساطير الحب والجمال عند الإغريق" لأمهد به لـ"قصة طروادة" وهي هذا الكتاب، ولـ"قصة الأوديسة" التي ستظهر بعد أسابيع».
وأحسب أن الاختصار الذي التزمه، والحذف الذي أعلنه، يندرجان ضمن طبيعة المشروع الذي قصده منذ البداية؛ مشروع يهدف إلى تقديم هذه الملاحم للقارئ العربي في صورة أدبية رفيعة، مع الاحتفاظ بروحها ومسارها العام، وهو ما يجعل القيمة الأدبية لعمله قائمة، حتى مع اختلافه عن الترجمة الكاملة الحرفية.
أما القول بأن استعانته بلغة مستمدة من القرآن الكريم والتراث العربي أضعفت خصوصية العالم الميثولوجي الذي تنتمي إليه الملحمة، فقد وضح ذلك بنفسه كما سنرى.
اختيار الترجمان
أستطيع بشيء من الهبد أن أدعي أن كتاب "العرنجية" لأحمد الغامدي هو أهم كتاب في اللغة العربية ظهر في آخر عشرين سنة مثلًا، وهو كتاب ظلمه تطرف محبيه ومبغضيه، وإن عكس تطرفًا ما في الكتاب نفسه.
وكان أحمد الغامدي قد جعل الترجمة المعاصرة أهم ما أفسد اللسان العربي، وجعل أشد الكتب المترجمة أثرًا ترجمة الإنجيل، التي أنجزها أول الأمر ناصيف اليازجي، قبل أن يُبعد ويترجم الكتاب المقدس مترجم أمريكي تعمد أن ينقل الإنجيل إلى عربية تُخالف لغة القرآن!
وذكر من المقارنات الموجزة بين ترجمات الإنجيل، وهذه الترجمة المعيبة التي تُسمى الترجمة الفاندايكية، مثلًا: "أما الله فإنه على كل شيء قدير"، أما عند هذه الترجمة الركيكة فصارت: "ولكن عند الله كل شيء مُستطاع"، و"ذلك بأن الله يهب الروح بغير حساب"، بينما هي في ترجمتهم: "لأنه ليس بالكيل يُعطي اللهُ الروحَ"، ونقلوا "لا تجعلوا لإبليس سبيلًا"، لتصير: "ولا تعط إبليس مكانًا"، ولعل أظرفها صياغة الجملة الإنجيلية "من أراد أن يتبعني فليزهد في نفسه" لتكون: "من أراد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه".
ولم أجد فيما قرأت من صياغة خشبة ما يُمكن تُسميته بالاقتباس المباشر من القرآن إلا مواضع بالكاد يبلغ عددها أصابع اليدين، ولم أنفر إلا من ثلاث منها، وهي لا تعيب الصياغة ولا تشوه هذه الأساطير، وكان دريني خشبة على وعي باختياره هذا، متبعًا فيه من سبقه من نقلة هذه الأساطير عند الأوروبيين، فقال في هامش من هوامش مقدمته على "أساطير الحب والجمال عند اليونان":
«أخذ علينا بعض نقادنا الأفاضل أننا نستعمل الأسلوب القرآني في معرض هذه المشاهد الوثنية، ونحن ننتهز هذه الفرصة فنذكرهم (مشكورين) أن هذه الأوصاف قد وردت على ألسنة الشعراء القدامى ومنهم -هسيود وهومر- وتكاد ألفاظنا العربية (وإن طابقت أسلوب القرآن) تكون ترجمة للأصل الذي قيل قبل المسيح بقرون طويلة، وأرجو ممن يثقف اللغة الإنجليزية أن يرجع إلى ترجمة كوتيرل الشعرية للأوديسة، أو ترجمة إلتون الشعرية لهسيود، أو ترجمة دريدن وكنج لأوفيد، أو تراجم بوب وبريانت وتشابمان لهومر، ليقتنع بأن استعمال الأوصاف القرآنية فيما يشبهها تمام الشبه من أوصاف الأقدمين شيء لا حرج فيه ولا أروع منه».
لكن قد بات كثير من القراء لا يرتاحون حين يجدون الكتب المترجمة مكتوبة على مثال الجملة القرآنية التي جاءت بأفصح لسان، ويتحرجون حين يجدون أن الكتاب المترجم وكأنه مكتوب بالعربية ابتداء لشدة إتقان المترجم وحذقه باللسان المبين.
وما يُؤخذ على المترجم أحيانًا بوصفه ابتعادًا عن الأصل قد يكون هو عين ما يجعل النص المترجم حيًّا في اللغة التي نُقل إليها، فالقارئ العربي لا يقرأ هوميروس في لغته اليونانية، ولا يدخل إلى عالم الإغريق من الباب الذي دخل منه قارئه الأول، وإنما يصل إليه عبر لغة أخرى، وكلما كانت هذه اللغة أقدر على حمل الشعر والحكاية والصورة، أمكن للنص أن يستعيد شيئًا من أثره.
إني أفهم اختيار دريني خشبة على نحو مختلف؛ فقد كان يريد أن يجعل الإغريق قريبين من القارئ العربي، وأن يمنح أبطالهم وملاحمهم لسانًا يستطيع القارئ أن يصغي إليه دون أن يشعر أنه أمام أثر أثري محفوظ خلف زجاج لا يستطيع التفاعل معه، وربما لهذا اختار لغة عالية النبرة، مشبعة بالصور، تستمد قوتها من موارد العربية التي يعرفها قارئها، حتى لو قاد ذلك أحيانًا إلى تشابه في العبارة مع الأسلوب القرآني أو مع لغة التراث العربي.
وهنا يبدو مشروع دريني خشبة أوضح مما توحي به الأحكام السريعة التي تصفه بأنه مترجم مشوّه؛ فهو لم يقدم نفسه في الأساس مترجمًا حرفيًا لهذه الملاحم، ولم يخف اختياراته في الحذف والاختصار وإعادة السرد، وإنما اختار أن يكون وسيطًا بين عالمين، عالم الإغريق القديم، وعالم القارئ العربي الذي أراد أن يفتح له هذا الباب بلغة يألفها ويستسيغها.
ولهذا جاءت صياغته سلسة الإيقاع، متماسكة الأسلوب، قريبة من الذائقة العربية، مع حفاظها على روح الملحمة ومهابتها. وقد اختار لغة أدبية رفيعة، تستثمر إمكانات العربية البيانية، وتمنح القارئ شعورًا بأنه يعيش الأحداث، بدل أن يراقبها من وراء حواجز لغوية وثقافية كثيفة. كما حرص على تهذيب كثير من المواضع التي قد تبدو نافرة عن الحس الأدبي العربي، وأعاد صياغة بعض العبارات والصور بما يجعلها أكثر انسجامًا مع السياق الثقافي الذي يستقبلها.
ومن اللافت أن هذه الممارسة تلتقي، من حيث النتيجة، مع ما نظّر له الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن بعد عقود تحت مفهوم الترجمة التأصيلية، فطه يدعو إلى ترجمة تجعل النص المنقول يدخل المجال التداولي للغة المستقبلة، ويصبح قادرًا على الحياة داخلها، من خلال استثمار مواردها التعبيرية ومخزونها الثقافي، مع الحفاظ على المعاني الجوهرية للنص الأصلي. ولا يتعلق الأمر بعلاقة تأثير تاريخية بين الرجلين، وإنما بتقاطع في الرؤية؛ إذ سبق دريني خشبة بخبرته الأدبية إلى ممارسة كثير من المبادئ التي سيصوغها طه لاحقًا في إطار فلسفي.
وتبدو هذه الفكرة واضحة عند مقارنة صياغة خشبة ببعض الترجمات التي تميل إلى المحافظة الدقيقة على البنية اليونانية، فالقارئ في تلك الترجمات يظل حاضرًا أمام نص وافد، يحتاج إلى شروح وحواشٍ ومتابعة دقيقة لتفاصيل البيئة القديمة. أما في ترجمة خشبة فإن اللغة نفسها تقوم بوظيفة الشرح والتقريب، فتخفف المسافة بين النص وقارئه، وتسمح للأثر الأدبي بأن يؤدي وظيفته الجمالية قبل أي شيء آخر.
وقد أثبت الزمن سلامة هذا الخيار من زاوية أثره الثقافي، فصياغة خشبة بقيت حاضرة في المكتبات العربية لعقود، وقرأها طلاب الأدب، ومحبو التاريخ، وعموم القراء، وأسهمت في تعريف أجيال كاملة بعالم هوميروس.
شارك الصفحة
المزيد من المقالات

عن الجمال والإمتاع في الكتابة
الكاتب الذي يريد أن يتلمّس فكرةً مناسبةً للطرح، يجب عليه أن يُحْسن القبض عليها، وأن يُحْسن في تجريدها من الأسمال البالية التي تحجب عنه نصاعتها

تدنّي مراجعات الكتب
لقد صارت المراجعات الشائعة مملة للغاية، وأحكامها المجاملة أصابت جمهور القراء بالخدر والفتور

عن الكتابة
لماذا نكتب إذن؟ ربما كانت بداية الكتابة مع الإنسان القديم ليضع بصمته على العالم.
