ساد اعتقاد بأن كيتس مات بسبب مراجعة سلبية، فقد استسلم لليأس وأدار ظهره للحياة وكف عن مقاومة مرض السل. لكن الأدلة اللاحقة أثبتت أنه تلقى تلك المراجعات العدائية بهدوء ونضح أكثر مما تعلمناه في المدارس، غير أن صورة الموهبة الشابة الفذة التي أرداها صنيع النقاد السامون ما زالت راسخة في أذهان العامة.
ما زال يُعتقد أن كاتبي المراجعات والنقاد يتسمون بحدة الطبع والتقلب والقسوة على المواهب الشابة، وعاجزون عن رؤية الأعمال الجديدة، ومصممون على صرف الجمهور المثقف عن كل ما هو جديد ومهم، إما بدافع الغيرة أو المحافظة أو غير ذلك. لو كان كيتس المسكين حيًا اليوم لأجهز عليه الأدب، لكن ليس بسبب الهجوم، بل غصة بما سماه إيميرسون "مستنقع المجاملات الزائفة". ما زالت في أمريكا الآن غفلة وقصور أدبي وغموض وإهمال -وهي ذروة مآسي الفن- لكن الظروف الطبيعية لحدوثها في حالة تمويه غريب، مثل أفكار الديكور التي يُطلى فيها الخشب ليبدو ورقًا ويُطلى الورق ليبدو خشبًا. نعم قد يموت العبقري دون أن يقرأ له أحد، لكن من الصعب أن يموت دون أن يُثنى عليه. تنتشر الإشادات اللطيفة على الساحة بأكملها، ويسود نوع من التوافق الجمعي، وإن كان باهتًا وسطحيًا. يخرج الكتاب وسط موجة من الإطراءات، أما مرارة النقد اللاذع فغدت مجرد ذكرى. يعد كل كاتب قد "لبّى حاجة" ويستحق"الشكر" على ما قدم ويجب التغاضي عن "هفواته الطفيفة في عمل متميز في مجمله". يظهر لقب "الفنان الناضج" مرات عديدة بالأسبوع، بل ويوميًا، وكثير هم أولئك الذين يقدمون "رسائل سيتجاهلها العالم الحر مما يورده إلى الهلاك".
لقد صارت المراجعات الشائعة مملة للغاية، وأحكامها المجاملة أصابت جمهور القراء بالخدر والفتور، حتى أن ناشري رواية لوليتا لجأوا إلى الحيلة، فحاولوا تحفيز المبيعات باقتباس مراجعات سلبية إلى جانب المراجعات الإيجابية المعتادة والمتكررة. (كتب أورفيل بريسكوت: "لوليتا حدث في عالم الكتب، لكنها للأسف حدث سيء". ويقول جيلبرت هيغيت: "يؤسفني نشر رواية لوليتا، بل يؤسفني كتابتها").
ليس مدح كل شيء فحسب -وهو مشكلة قائمة بذاتها- هو الذي يثير حنق أولئك الذين يتأملون المشهد الأدبي، بل هناك أيضًا مشكلة الركود غير المبرر في أقسام مراجعات الكتب في صحيفتي New York Times وHerald Tribune Sunday. صحيح أن قيمة الكتب الفردية وأهميتها تُضخم بما يتماشى مع المزاج الأمريكي الحالي، لكن أقسام مراجعات الكتب بصفتها مشروعًا ثقافيًا في حالة ركود مُهلك من حيث الحيوية والإثارة، تمامًا كبؤرة البطالة. لم يكن يظن المرء أن تصل هذه الصحف إلى هذا المستوى من التدني، فطالما اتسمت بالبساطة والتقليدية. غير أنه كان هناك مجال للتدهور في السنوات القليلة الماضية، وقد استغل القائمون عليها هذه الفرصة. إن قضاء صبيحة الأحد مع مراجعات الكتب تجربة كئيبة، ولذا فالأفضل أن يكون المرء في حالة تغاضي ولامبالاة، خاصة عند مطالعة مراجعات the Herald Tribune، لأنها ليست متوسطة الجودة فحسب، بل تعاني من قصور غريب ومحير وهي تطل علينا في حالة باهتة تزداد أسبوعًا بعد أسبوع.
إن ركود قسم مراجعات New York Times له تأثير أشد على عالم الكتب وعلى القرّاء والكتّاب. هنا يتبادر إلى الذهن جميع معلمي اللغة الإنجليزية وأمناء المكتبات وبائعي الكتب المخلصين وسكان الضواحي الواثقين وأولئك الشبان والشابات الموهوبين في الأقاليم النائية وكل مَن يثق في أحكام صحيفة Times ويحتاج توجيهها. وأسوأ نتيجة لهذا التراجع أنه يمثل نوعًا من التثبيط الخفي، إذ يقضي بهدوء ولطف على أي اهتمام حيوي قد ينشأ تجاه الكتب أو الشؤون الأدبية عامة. إن الثناء المسطح والخلاف الباهت والأسلوب البسيط والمقالات الخفيفة، وانعدام التفاعل والشغف والشخصية والتميز -بل وغياب النبرة الأدبية نفسها- قد حولت New York Times إلى صحيفة أدبية إقليمية، نعم تفوق غيرها طولًا وضخامة، لكنها لا تختلف كثيرًا عن "صفحات الكتب" التي تصدر يوم الأحد في البلدات الصغيرة. (صحف New Yorker وHarper’s وthe Atlantic والصحف الأسبوعية الإخبارية وصحف الرأي والمجلات الأدبية كلها تخصص قدرًا كبيرًا من المساحة والجهد لمراجعة الكتب. ولا ينبغي إغفال نتائجها التي تشوبها الركاكة أحيانًا والمتفاوتة دائمًا. ومع ذلك، فالمراجعات في هذه المجلات ليست سوى جزء بسيط مما يجذب انتباه القارئ، ولا يمكن فهم خيبات الأمل من أسلوب التعامل مع الكتب أحيانًا من دون دراسة دقيقة لكل مجلة ككل).
"تغطية" قاتلة
من المؤسف أن علّة المراجعات الشائعة -مثل صحيفة Times وTribune وSaturday Review- لا تُعزى إلى دوافع تجارية. كان سهلًا ومريحًا لو اعتقدنا أن ضغوط ناشري الكتب وبائعيها هي المسؤولة عن الاحتفاء الحار بالروايات الرديئة والكتب "الفكرية" المبتذلة وما شابهها، إذ يحتاج الناشرون إلى مراجعات إيجابية لعرض أعمالهم، كما تحتاج سلة عيد الفصح إلى أوراق خضراء مقطعة تحت البيض الملون. ولم يكن يظن أحد أن الضغط فج ومباشر، بل كان يُتصور أنه خفي وعملي ومتعلق بكون إعلانات قطاع النشر هي التي تمول أقسام مراجعات الكتب ماليًا وتضمن استمرارها، وبطبيعة الحال لقي هذا التفسير قبولًا مبالغًا فيه.
الحقيقة هي أن الناشرين -الذين يرون أفضل أعمالهم وأدناها تُستقبل بنفس القدر من الحياد والرضا- أدركوا أن نبض الحياة في عالم الكتب يُسلب ببطء وبهدوء. كل شيء متشابه بطريقة أو بأخرى، سواء كان عملًا تاريخيًا روتينيًا أجراه باحث أكاديمي مرموق، أو مجموعة عبارات مبتذلة صادرة عن البنتاغون، أو ديوان شعر، أو عملًا يعرض آراء راديكالية، أو آخر يطرح آراء محافظة. يبدو أن "التغطية" المجردة قد انتصرت على معركة الآراء، وحلّت "سلاسة القراءة" -تلك الكلمة الأنيقة- محل الشرط القديم المتمثل في الأسلوب النثري الجيد والواضح، وهو أمر آخر. لقد تلاشت جميع الفوارق في الجودة والمكانة والشكل بسبب هذا الاستسلام الخامل. هذه الضبابية تطمس الفوارق بين الجيد والرديء، وبين المألوف والغريب، حتى يبدو المؤلف في النهاية -مثله مثل المراجع- ليس له موقف حقيقي. إن كرم المراجع يشمل الفقراء والأغنياء على حد سواء، فالعمل الذي يُتوقع أن يتصدر قائمة المبيعات واستثمر فيه الناشرون ثرواتهم لا يُثنى عليه أكثر من الكتاب الذي لا يُرجى منه سوى تغطية نفقاته. وهكذا يسود نوعًا من "النشوة الديمقراطية" التي قد تخدم الكتب الخفيفة، لكنها لا تلبي إطلاقًا متطلبات الأعمال الجادة. وحتى عندما يُنتقد كتاب ما، فلا يكون النقد أكثر من مجرد وخزة بسيطة وسط فيض من الإطراءات المهدّئة، ومن ذلك ما ورد في إحدى المراجعات "أسلوب … متكلف أحيانًا، لكن يظهر فيه قدر كبير من ذكاء … مما يجعل نشر عمله في أمريكا أمر يستحق".
يبدو أن محرري مجلات المراجعات لم يعودوا مهتمين بالأدب. فالكتب تتراكم، ثم تُوزع لتخرج المراجعات الجاهزة. ومع أن كثيرًا من المفكرين البارزين يضعون أسماءهم على مقالات متنوعة طويلة وقصيرة في صحف Times وTribune وSaturday Review، فإن ما يقدمونه دون مستواهم المعهود غالبًا. فبعد تكرار استيقاظهم على صباحات الأحد الكئيبة والمحبطة ، صاروا يقبلون المهام المسندة إليهم بروح تعاونية ليقدموا في النهاية مقالة "سلسة في القراءة"، وبلا قيمة تُذكر بالطبع. (ذكرت أليس جيمس في مذكراتها أن شقيقها هنري طُلب منه كتابة مقالة للصحافة الشعبية، وأخبروه له أن له كتابة ما يشاء شريطة "ألا يكون له طابع أدبي").
إن الإبقاء على بعض النقاد الساخطين الذين يعيدون الأفكار ذاتها وحده يكفي لدحض فكرة النزعة التجارية البحتة للمجلات النقدية. ولو كان المحرر يتمتع بعقلية عملية، أو المؤسسة "النامية" -كالتي نقرأ عنها دائمًا في الصحافة- لقيّم الاحتجاجات إن وُجدت، ولأحال تلك العقول المتعثرة إلى التقاعد. على سبيل المثال، ما الذي قد يكون مملًا أكثر من هجمات جيمس دونالد آدمز على المسكين ليونيل تريلينج، لمجرد أن الأخير حاول طرح قراءة ممتعة عن روبرت فروست؟ لعله هجوم آخر على آدمز الذي -مثله مثل الضغوط التجارية- لا يمثل المشكلة الحقيقية لصحيفة Times. إن آدمز يشبه تلك النصب التذكارية التي لا يلاحظها إلا غريب أو شخص غاب عنها فترة. ما يبعث على الأسى حقًا في صحف Times وTribune هو جودة التحرير.
نشرت مؤخرًا مجلة صغيرة تدعى Fifties مقابلة مع رئيس تحرير قسم المراجعات في صحيفة New York Times، السيد فرانسيس براون. يظهر السيد براون في هذا الحوار على قدر كبير من الخبرة التحريرية بوجه عام، لكن ليس لديه "الحاسة" التي يتطلبها الدور المنوط به، وهو رئاسة تحرير هذا الملحق الأسبوعي بالغ الأهمية. من المؤسف أنه لم يُظهر في المقابلة اهتمامًا حيويًا أو حتى دراية بالشؤون الأدبية وعالم الكتب والمؤلفين، وهو أدنى الضروريات التي يتطلبها منصبه. كان أسلوبه متواضعًا وساذجًا ولا روح فيه. يقول في المقابلة إنه تخصص في دراسة التاريخ في المرحلة الجامعية، ثم صار محررًا عامًا لمجلة Current History، وانتقل لاحقًا إلى مجلة Time حيث لم يكن له "أدنى اهتمام بالكتب"، إلى أن وقع عليه الاختيار في النهاية "ليجرب حظه في قسم مراجعات الكتب". ألمح المُحاور إلى بعض العيوب في قسم المراجعات، متسائلًا إن كان هناك اعتماد مفرط على المتخصصين، وهي ممارسة متكررة حيث تُسند كتابة المراجعة إلى شخص ألّف كتابًا مشابهًا، أو عن البلد أو الحقبة ذاتها. فكان رد السيد براون "المجال هو المجال". ولما طُلب منه المقارنة بين قسم المراجعات في صحيفتي Times وTimes Literary Supplement في لندن، كان رأيه أن "جمهورهم محدود وجمهورنا واسع، وأعتقد أنهم في ميدان الروايات يقدمون الأسوأ بين جميع المطبوعات ذات السمعة الحسنة".
هذا رأي صادم لكل من يتابع مراجعات صحيفة Times لندن وغيرها من الصحف الإنجليزية المتخصصة في المراجعات، مثل Sunday Times وthe Observer. فهذه الصحف تضع دائمًا معايير أعلى بكثير في جوهرها من معاييرنا لدرجة استحالة المقارنة التفصيلية تقريبًا. لا يقتصر الأمر على إجادة مراجعة فردية بذاتها، وإنما يعود في الأساس إلى النبرة السائدة والجدية واستقلالية الفكر والمزاج العام. ينقل ريتشارد بلاكمور في مقالة حديثة حوارًا مع محرر Times Literary Supplement، والذي يرى أن مشكلة مراجعات الكتب الأمريكية تكمن في غياب التوجيه التحريري القوي والمستقل، وتوقع أن نسبة قليلة من الناشرين قد يسحبون إعلاناتهم إذا ما اختفت هذه المواد الباهتة التي تُطرح في الوقت الراهن. وفي وصف دوايت ماكدونالد لصحيفة Times Literary Supplement بلندن، ذكر أن الصحف الإنجليزية "يبدو أن محرريها وقراءها أشخاص يعرفون جيدًا مَن هم وما الذي يثير اهتمامهم. أما كون الغالبية العظمى من المواطنين لا يهتمون مثلهم بتطور النثر الإنجليزي، ولا ببليوغرافيا بيلاروسيا، ولا معاملة أندريه جيد لزوجته، ولا العلاقة بين الأغاني الشعبية والتراتيل الكنسية، ولا "البقعة الكبيرة" الموجودة في رسالة الدكتور جونسون والتي أتعبت العديد من المحررين.. فكل هذا لا يبدو أن يزعجهم بأي حال من الأحوال".
المراجعة بوصفها كتابة
ليست إصابة الرأي دائمًا هي الحكم الوحيد على قدرات الناقد، رغم أن الزلل المتكرر في التذوق لا يُقبل إلا من أصحاب العقول العظيمة! على أي حال، يعتمد الأمر برمته على مَن هو مصيب ومن هو مخطئ. إن نقل متعة الكتب والأفكار والثقافة نفسها وإبراز قيمتها هو آخر ما يتوقعه المرء من مجلة مخصصة لمراجعة الأعمال القديمة والحديثة. وبعد هذا الحد الأدنى، فالفارق كله يعتمد على اتقاد عقل المراجع، فمراجعات الكتب شكل من أشكال الكتابة. نحن لا نطالع صحيفة Sunday Times حتى نعرف رأي السيد سميث، مثلًا، في رواية دكتور جيفاجو. ماذا تستفيد أصلًا لو عرفت رأي شخص كالسيد سميث في رواية دكتور جيفاجو؟ ما يهم حقًا هو ما يراه عقلٌ فذ وقادر على طرح أفكار حديثة بأسلوب حيوي وأصلي ومثير للاهتمام في الكتاب. أما لو كان الغرض هو تحصيل معلومات مجردة، فإن قوائم دور النشر الدعائية المفصلة تغني عن هذا الكم الهائل من المراجعات التي تُنشر أسبوعيًا.
تكشف دراسة أُجريت في جامعة واين حول مراجعات الكتب أن رفيقنا القديم الوفي -أعني "المراجعات المادحة"- ما زال يحتفظ بمكانته بقوة كما عهدناه. فقد تبين أن 51% من المراجعات الملخصة في مجلة Book Review Digest عام 1956 كانت إيجابية مادحة. لكن الرقم الأكثر إثارة للدهشة هو أن 44.8% من المراجعات كانت محايدة لا تتخذ موقفًا! إن المعنى المجرد لكلمة "مراجعة" يدفع معظم الناس إلى طرح رأي أيًا كان، ولذا فعزوف المراجعين عن إبداء رأي يعد أمرًا محيّرًا للغاية. أما المراجعات السلبية فلم تتجاوز نسبتها 4.7%.
إصدار يوم أَحَد
هذه مقتطفات من مراجعات خمس روايات حديثة نُشرت في يوم أحد قبل بضعة أشهر في صحيفة Herald Tribune، وهي للأسف تذكّرنا بموضوعات الإنشاء المدرسية التي يكتبها المراهقون.
1- تكمن القيمة الحقيقية للرواية في وعيها بأبعاد الشخصية وجوهر الذات والتأثير الخفي للزمن.
2- تبدو بعض تفاصيل القصة متكلفة أحيانًا، لكن هذا انطباع أولي، لأن الأهم هو الأجواء القوية التي تملي مصير الأحداث.
3- كتابة السيدة … حسنة، حيث تروي القصة بواقعية وحيوية تساعدان على تقبل غرابة الفكرة الرئيسية. ستكون هذه الرواية سياحة مشوقة في عالم الخيال للقارئ الذي تستهويه لمسة من الرعب.
4- … ومع ذلك، فرواية ... شيّقة وسريعة الوتيرة، وأكثر تعقيدًا من معظم نظيراتها، وتتميز بالعمق والخفاء في أبعاد شخصيتها. إنها ممتعة وتستحق القراءة.
5- كما أنها، ضمن الإطار الذي وضعه … لنفسه، قصة دافئة وممتعة حول ما قد يحدث لأناس عاديين في موقف عصيب، وهو بالمناسبة موقف محتمل تمامًا كالذي افترضته نيفيل شوت في "على الشاطئ".
("الموقف الذي افترضته نيفيل شوت في "على الشاطئ": الثقة التي كُتبت بها هذه العبارة حرية بأن تدفع كثير من القراء إلى التوقف برهة، إذ تذكرنا بأن هناك ألوان شتى لما يسمى بـ "غموض الإحالة").
أما فيما يخص Saturday Review، فالمرء يشعر أنها غير راضية عن عملها، إذ تبدو متقلبة المزاج كممثلة تتخبط بحثًا عن الدور المناسب الذي سينقلها إلى النجومية. أُسقطت كلمة "للأدب" من العنوان، وهذا حذف مبرر نظرًا للمحتويات المتنوعة التي تنشرها المجلة. إن بحثها عن أفكار وموضوعات مثيرة يجري بنفس الحماس والنشاط كما في أي مجلة عامة، حيث يحاول المحررون مواكبة العصر. ومع الزيادة الضخمة في مبيعات أسطوانات الفونوغراف، استحوذت أقسام الموسيقى على مساحة متزايدة من المجلة. غدا السفر بجميع مظاهره شاغلًا مهمًا: كتب السفر، نصائح الرحلات، أدلة تكاد تباري مجلة cue في تغطية الفعاليات. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل صارت هناك أعداد خاصة بسباقات السيارات وملحق لشؤون الطهي SR Goes to the Kitchen. يأتي طاقم المجلة بأفكار ترويجية غريبة، مثل جائزة Saturday Review السنوية للإعلان. إليكم سطورًا مما جاء في مقالة حول هذا الموضوع:
نظرًا لأن Saturday Review تعتني دائمًا بأنماط الاتصالات في الولايات المتحدة، فقد تابعت باهتمام بالغ التطور التدريجي للإعلانات بوصفه وسيلة لنقل الأفكار، وهي مهارة تزيد دقة وخفاء على مهارة نقل الأخبار.
قد يبرز الغلاف صورة للمثلة جوان وودوارد، وفي إصدار حديث يعرض أفكار إيستمان عن هيمينغواي، لم تضع المجلة صورة إيستمان على الغلاف، بل وضعت هيمنغواي نفسه مرتديا كنزة بياقة عالية في لوحة فوتوغرافية. إن مراجعات الكتب والمقالات الطويلة والقصيرة في Saturday Review ليست أسوأ من تلك التي تُنشر في Times ولا أفضل منها، كلاهما يتسم بقلة الجهود المبذولة فيها. من الواضح أنهم يضعون جمهورهم في الحسبان، وهو جمهور يُعتقد أنه لا يحتمل سوى قدر يسير من الأفكار.
رغبات المحررين
تصل الصحافة الأدبية -على أيدي كثير من الكتّاب- إلى مستويات عالية من الحيوية والأهمية والمتعة تصعّب قبول الأعذار التي يحاول المحررون إقناعنا بها، كعذر اللحظة العابرة أو ضغط الوقت أو تلبية احتياجات الجمهور الواسع. هل أورفيل بريسكوت مثلًا، كاتب صحيفة Times اليومية، يُعد ضحية من ضحايا السرعة؟ هل كل ما ينقص هذا الناقد هو المتسع من الوقت للكتابة، كأن يُمنح شهرًا عوضًا عن بضعة أيام؟ المؤكد هو أن الوقت سيثمر مراجعة أطول، لكن المشكوك فيه أن يمنحه الوقت إلهامًا أرقى وأعمق. ذكر ريتشارد روفير في موضع ما مؤخرًا أنه يجد شغفًا كبيرًا في قراءة المقالات العابرة التي كتبها إدموند ويلسون عام 1924 لمجلة Vanity Fair أو the New Republic. إن المقالات الطويلة التي كتبها ويلسون في السنوات الأخيرة حول أي موضوع يرد على ذهنه هي أعمال أدبية لا يتوقع المرء أن تُنشر بانتظام أو حتى نادرًا في صحف Times أو Tribune أو Saturday Review. ومع ذلك، فمراجعاته السابقة تمثل سقف الطموح الذي يفترض المرء أن يضعه أي رئيس تحرير نصب عينيه. لا شيء أهم من رغبة رئيس التحرير وما يود نشره لو كان القرار بيده، فالرغبات التحريرية تتحقق دائمًا ولو جزئيًا. لكن هل يتوق رئيس تحرير ملحق المراجعات في صحيفة Times إلى استكتاب كاتب بارع مثل في. إس. بريتشيت، الذي يكتب مقالات قصيرة أسبوعيًا تقريبًا في مجلة New Statesman بعبقرية تتجدد أسبوعًا بعد أسبوع وتذهل الجميع؟ يتميز بريتشيت ببراعة فائقة، سواء في كتابته عن أسطورة جيمس دين، أو الكاتب رينغ لاردنر، أو تحليله للرواية الروسية. فهل هذا هو نوع الأعمال الذي تطمح إليها صحفنا، أم أن بغيتنا مجرد مقالة خفيفة تكتبها إليزابيث جينواي مثلًا تحت عنوان "عالقة بين الكتب"؟ من طبيعة العقلية التحريرية في صحيفة Times أن تكلف بريتشيت بكتابة رسالة لندن الإخبارية الخفيفة، وهو عمل صحفي هماشي لا يستغل مواهبه الفريدة والفذة في نقد الكتب.
في النهاية، الدعاية هي التي تبيع الكتب، والمراجعات في أحسن أحوالها ليست سوى أصبع في قدم هذا العملاق. فبالنسبة لبعض المؤلفات التي تتصدر قائمة المبيعات، مثل كتب فرانسيس باركنسون كيز وفرانك يربي، لا ينتظر القرّاء مراجعة جيدة قبل أن يبذلوا فيها أموالهم، تمامًا كما لا ينتظر الوالد موافقة أحد لتقبيل مولوده الجديد. إن قطاع نشر الكتب وبيعها شديد التعقيد. فلو حقق كتاب ما نجاحًا تجاريًا، فمن السهل أن نجد أسبابًا مقنعة لحماس الجمهور تجاهه. أما قبل ذلك تظل هذه الصنعة غامضة وغير مضمونة وغير متوقعة.
على سبيل المثال، تشير التقديرات إلى أن المراجعات في مجلة Time تحظى بأكبر قاعدة من القراء، 5 مليون قارئ تقريبًا أسبوعيًا، ومع ذلك يتردد بين كثير من الناشرين أن مراجعات المجلة لا تؤثر على مبيعات الكتب بأي شكل من الأشكال! ولذلك استنتج بعضهم لحل هذا اللغز أن قراء المجلة بعد وقوفهم على رأيها في الكتاب يشعرون بأنهم قد قرأوا الكتاب بالفعل، أو على الأقل استوعبوه أو عايشوا تجربته بوصفه "واقعة من وقائع عصرنا". وبالتالي لا يشعرون بحاجة لشراء الكتاب نفسه، كما لن يذهبوا إلى واشنطن ليلقوا نظرة مباشرة على آخر أعمال الإدارة الجمهورية.
في عالم كعالم الكتب، حيث يتسم كل شيء بالتعقيد والخروج عن نطاق السيطرة، لا توجد حاجة فعلية لتلك الجهود التي تعمل على تحويلها إلى كتلة وجيزة دسمة أسبوعيًا. لا عجب في بقاء الناقد المرن أو المعلّق السطحي في الصحف المحلية. أما الأعمال غير التقليدية والصعبة والمستفيضة والمُعاندة، والأهم من كل ذلك المثيرة للاهتمام، فلها الحق أن تتطلع للقاء جمهورها في الصحف الكبرى.
شارك الصفحة
المزيد من المقالات

عن الكتابة
لماذا نكتب إذن؟ ربما كانت بداية الكتابة مع الإنسان القديم ليضع بصمته على العالم.

دليلٌ بشري لمراجعات الكتب
تشد الحاجة إلى مراجعات الكتب حاليًا، بسبب الطوفان الكبير من الإصدارات، فنحتاج إلى متخصصين، يرشدوننا لأفضل المطبوعات.

من القراءة المجردة إلى القراءة التزكوية تأملات أخلاقية لمفهوم القراءة في سورة العلق
اقترنت التزكية بأثر قراءة القرآن الكريم في النظم الكريم في مواضع متعددة.
