"الكتاب العظيم يبدأ بفكرة، والحياة العظيمة تبدأ بعزيمة". لويس لامور
تمثلت هذه العزيمة عند الكاتب الغربي الشهير لويس لامور في سعيه لتعليم نفسه تعليمًا متينًا منذ نعومة أظفاره. فبعدما ترك هذا الشاب الرحّالة المدرسة في الخامسة عشرة لتجربة وظائف متنوعة واكتشاف الغرب الأمريكي، قطع على نفسه عهدًا بالقراءة والتعلم، ووفّى به باقي عمره.
"أنا نفسي خير مثال على قيمة الكتب، فلولاها لكنت مجرد عامل، وربما لقيت حتفي في كارثة بالمنجم كما حدث لبعض أصدقائي".
عكف لامور في تلك "السنوات المبكرة المضطربة" على قراءة مئات الكتب، ومن بينها كثير مما نسميه الكلاسيكيات، فحظي بتعليم تأسيسي يستطيع أن يبني عليه بقية حياته، تعليم مكّنه من الانطلاق في أي اتجاه يرتضيه.
كان ذلك الاتجاه هو تاريخ الحدود الأمريكية، وقد ساعده هذا الموضوع في كتابة روايات واقعية قائمة على الحقائق حول كيفية عيش الرواد الأوائل وطريقة تفكيرهم.
أود أن أحدثكم اليوم عن سر إلهام حياة لامور للمتعلمين ذاتيًا والقراء الجادين، كما أعرض سبع نقاط رئيسية عن التعلم الذاتي استخلصتها أثناء قراءة سيرته الذاتية. هذه النصائح من شأنها أن تعينكم في تعزيز برامجكم للدراسة الذاتية، وربما تبلغون يومًا مستوى سعة اطلاع لامور.
تعليم رحّالة: نافذة على حياة كاتب قارئ
"تعليم رحّالة: نافذة على حياة كاتب قارئ" كتاب فريد بين السير الذاتية، يصفه لويس لامور بأنه "مغامرة تعليمية في ظروف غير مواتية".
رغم أن لويس يكتب عن أسفاره في الغرب الأمريكي والتجارب التي خاضها حتى صار كاتبًا محترفًا، فإن تركيزه الأساسي ينصب على عرض رحلة تعليمه الذاتي وعاداته القرائية، مع عرض أفكاره حول التعليم بوجه عام.
أرى هذا الكتاب كنزًا ثمينًا، فكثيرًا ما أجد كتّابًا ومفكرين ومتعلمين ذاتيًا يتحدثون عن أهمية التعليم، لكن نادرًا ما أجد أحدًا يروي رحلته في التعليم الذاتي بمثل هذه التفاصيل الحميمية. يجمع لويس في هذا الكتاب بين الأمرين، وهذا النهج ليس مفيدًا في بناء فلسفتك في التعليم فحسب، لكنه مصدر إلهام أيضًا.
هذا مؤلف حصيف وأصيل وملهم لدرجة أني بعدما أنهيته وضعته على مكتبي ولم أعده إلى الرف، وما زلت أرجع إليه بانتظام لاسيما في لحظات فتور القراءة. كما أني مذ قرأته مفعم بالحماس لكل ما يمكن اكتشافه واستكشافه في العالم. أشعر وكأني اهتديت إلى قدوة أخرى من المتعلمين ذاتيًا، شخص يستحق الاقتداء به، شخص يربت على كتفي أثناء جلسة دراسة في وقت متأخر من الليل ويقول لي "استمر أيها المُجد!"، أو ربما يحدق بي ويقول "تناول كتابًا!" عندما أتصفح يوتيوب بلا وعي.
مع أني أوصي بشدة بقراءة الكتاب بنفسك، فسأذكر ههنا بعض النقاط الرئيسية المتعلقة بالتعليم، والتي ستلهمك وتساعدك على التعلم بعمق والتوسع في القراءة وبلوغ أهدافك التعليمية.
- احفظ علمك كساعة الجيب
لا أحد يحب مدّعي المعرفة. حتى أنا الذي أميل قليلًا إلى مَن يشبه الموسوعة، سرعان ما يضيق صدري من المحاضرات التي تُلقى دون طلب.
وكذلك كان يرى اللورد تشيسترفيلد، وهو دبلوماسي ورجل دولة إنجليزي في القرن الثامن عشر، حيث كتب هذه الكلمات إلى ابنه غير الشرعي في مجموعة رسائله الشهيرة:
"احفظ علمك كما تحفظ ساعتك: لا تخرجها من جيبك بغرض التباهي. إن سئلت عن الوقت فأجب، لكن لا تظل تشهرها كل ساعة دون سؤال وكأنك حارس ليلي".
قرأ لويس لامور الكلاسيكيات ومئات الكتب حول تاريخ الغرب الأمريكي وغيرها الكثير في موضوعات نادرة، فبلغ متوسط قراءاته سنويًا على مدى شطر كبير من عمره مئة كتاب. لقد كان رجلًا ذكيًا بكل المقاييس، فضلًا عن كونه روائيًا ناجحًا للغاية، ومع ذلك كان يتحلى بالتواضع الفكري:
"لن يتفاجأ أي زائر للويس في مكتبه الذي يبلغ ارتفاع سقفه ستة عشر قدمًا، والذي تمتلئ جدرانه بأرفف الكتب ذات التصميم الخاص، فتلك الأرفف التي صممها كانت تحاكي شخصيته. كل صف طويل بمثابة باب مسكون بالكتب، مَن يفتحه يجد وراءه مجموعة أخرى من الأرفف المليئة بالكتب يبلغ ارتفاعها ستة عشر قدمًا ومثبتة بالجدار خلفه. كان لويس رجلًا متواضعًا لا يسرع إلى الكشف عما يعلمه". - دانييل بورشتاين، مقدمة تعليم رحّالة.
وحتى في رواياته التي سعى فيها إلى تثقيف الناس حول التاريخ وحياة الحدود، لم يكن يغرقك في الحقائق المجردة، بل يدمج هذه المعرفة في قصص آسرة، بحيث تكون مسلية في المقام الأول وتثقيفية في المقام الثاني.
- تجنب المنهجية المفرطة في دراساتك (خاصة في البداية)
لم يفقد لويس غرامه بالكتب أبدًا. وأتصور أنّ هذا يعود إلى أنّ الدافع وراء اختياره أي كتاب -في أغلب الحالات- هو انجذابه له.
"لم يكن لويس قارئًا منهجيًا بأي حال من الأحوال، بل كان اختياره للكتب بمحض الصدفة، فهو يُشركنا في متعة القراءة العشوائية". - دانيال بورشتاين
هل سبق أن وضعت خطة قرائية صارمة ومنظمة حيث تتوقع من نفسك أن تتبع الكتاب بآخر دون أن تحيد عنها لمدة عام؟ أنا جربت، وكانت تجربة قاسية.
ذلك لأني بالكاد كنت أقرأ، واستسلمت بلا شك، ثم شعرت بالأسى على عدم انضباطي. لكن كان محكومًا عليّ بالفشل من البداية، فقد كنت بحاجة إلى قدر من الفسحة لاستكشاف ما أهتم به في الوقت الحالي.
أما القراءة بصرامة وفقًا لقائمة موضوعة مسبقًا فأشبه بملازمة زوجك على مدار الساعة طوال الأسبوع دون تفريغ وقت لممارسة هواياتك أو الخروج مع أصدقائك، ستشعر بالاختناق بعد أسابيع قليلة.
في حين أن الأنظمة معينة على تحقيق الأهداف التعليمية، فإنها ستنهار إن لم تدمج فيها قدرًا من المرونة. على سبيل المثال، بإمكانك أن تبدّل بين كتاب من خطتك القرائية في الاقتصاد وكتاب آخر عشوائي يتناسب مع اهتماماتك هذا الأسبوع.
هذا سيجنّبك الإنهاك بتزويدك بوقود التعلم الذاتي: الفضول الذي -على الأقل في تجربتي- هو أكثر استدامة وأقوى من الطموح.
٣. استعن بالكتب للاهتداء إلى كتب أخرى
غالبًا ما كان لويس يعثر على الكتاب التالي الذي سيقرأه من الكتاب الحالي. يقول:
"كنت أصادف باستمرار وأنا أقرأ أسماء علماء أو مؤرخين أو قادة سياسيين لا أعرف عنهم شيئًا، إلا أن أسماءهم كانت تردد أحيانًا على مائدة العشاء. كانت قراءة دونكيشوت مذهلة، لكنها حمّستني للتعرف أكثر على سيرفانتس وعالمه الذي عاش فيه".
يعد تتبع مراجع الكتاب طريقة رائعة للتعمق في موضوع معين ونيل الخبرة. إنها نسخة أكثر تطورًا من دوّامة ويكيبيديا.
إن أعجبك كتابًا انتقل إلى قائمة المراجع حيث ستعثر على الكتب التي أفادت المؤلف، ثم اقرأها.
٤. ارتد المكتبات ومتاجر الكتب لاكتشاف اهتمامات جديدة
متى ما صادفت متجر كتب لا أستطيع تجاوزه دون أن أدخله، وفي كل مرة أكتشف مجالات أو مؤلفين أو موضوعات جديدة وشيقة كانت تخفى عليّ تمامًا. وكذلك فعل لويس:
"كنت أشعر بسعادة عارمة عندما أتصفح أرفف الكتب في المتاجر أو المكتبات، حيث أطالع كتابًا هنا وآخر هناك، أتذوق، أستمتع، أتعلم. كثير من الكتب التي لم أقرأها إلا بعد سنوات كنت اطلعت عليها للمرة الأولى في هذه الأوقات".
إن كنت تمر بحالة فتور في القراءة، أو تسعى لاستجلاء اهتماماتك التي لم تكتشفها بعد، فما عليك سوى أن تزور مكتبة وتتصفح الأرفف، وتطالع كتابًا حول موضوع آسر لا تعرف عنه شيئًا. كما يقول لويس: "على أرفف مكتباتنا أعظم معلّمي العالم يترقّبون أسئلتنا".
٥. تحدث مع الناس عن قراءاتك
إن الشخصيات الأدبية العظيمة وكلاسيكيات الفلسفة والتفسيرات التاريخية كنوز في العلوم الإنسانية معدَّة للمناقشة، هذا جزء من المتعة. إضافة إلى أنها تدرّبك على البلاغة، وهي المرحلة الأخيرة من (التريفيوم) وهو مفهوم أساسي في التعليم الكلاسيكي. مرحلة البلاغة هي تلك التي تحاول فيها أن تصوغ أفكارك عن أي كتاب أو شخصية أو موضوع أو فكرة وما شابه.
حُرم لويس في سنواته المبكرة من هذه المتعة التعليمية، يقول:
"أظن أني كنت وحيدًا. أعلم أني كنت كثيرًا ما أشتاق لوجود شخص أتبادل معه الحديث عن الكتب والكتّاب وقضايا الفكر، لكن هذا لم يتحقق إلا بعد مدة طويلة، باستثناء لقاءات عابرة هنا وهناك عندما أصادف روحًا أدبية أخرى تائهة".
كذلك يشعر كثير من المتعلمين ذاتيًا. نحن نحلم بالعودة إلى المدرسة ومناقشة الكتب الرائعة مع ذوي الفضول المعرفي أمثالنا. لكنا ننسى أن محيطنا أو مجتمعنا الأوسع به أشخاص بإمكانهم إجراء مثل هذه الحوارات، لو سعينا بنشاط في البحث عنهم. لعل جارنا القريب يشاركنا حبنا لشكسبير أو اهتمامنا بالفلسفة أو سعينا الحثيث لطلب العلم. كل ما يلزمنا هو الانفتاح على بدء محادثة مع شخص غريب وتقليل الانعزال، باختصار علينا أن نتشبّه بلويس.
بينما كان لويس يتجول ذات مساء بحثًا عن الأرانب ويطالع الشعر، التقى بمزارع. حيّاه لويس، فسرعان ما لاحظ الكتاب الذي في جيبه وسأله عنه، فشرع الاثنان في مناقشة كتبهما المفضلة، ثم صار هذا حدثًا متكررًا على مدار الأشهر القليلة التالية. يقول:
"أجرينا في الأشهر التالية كثيرًا من المحادثات المطولة حول الكتب والكتّاب والتاريخ وجميع الموضوعات المتعلقة بأي منها. لقد كان رجلًا لطيفًا ورصينًا مدخنًا للغليون، ومزارعًا صالحًا يتبرع بمعظم ما تخرجه أرضه".
ليس جميع المثقفين الطموحين والقرّاء المدققين يجتمعون في قاعات الأوساط الأكاديمية، بل قد تجدهم على أعتاب منزلك.
ابحث عن رفيق في القراءة.
وجدت أني عندما أعلم أني سأناقش صديقًا فيما أقرأه، أزداد انتظامًا واجتهادًا في قراءتي، فأدوّن ملاحظات أكثر وأتفاعل بعمق مع النص. ولا بد من ذلك، ففي النهاية عليّ أن أقنع صديقي بأني أفضل منه في كل شيء 🙂
٦. ماذا لو كنت قلقًا من مناقشة الكتب؟
قد تبدو مناقشة الكتب مخيفة. وهي كذلك بالنسبة لي أحيانًا، خاصة عندما أشعر بحماس قوي تجاه جانب معين من الكتاب، فكلما زاد اهتمامي بالنقاش الأدبي زاد قلقي من العجز عن نقل الفكرة إلى الشخص الآخر.
لكن كلما أكثرت من الحديث عن قراءتك، أيقنت أن ما تقوله سيكون له وقعه على المستمع.إضافة إلى أن حتى أفضل رفاق القراءة نادرًا ما يصغون، بل هم في انتظار طرح فكرتهم قبل أن تتلاشى من ذاكرتهم.
علاوة على ذلك، فالتلعثم بحثًا عن الكلمات المناسبة في المحادثة جزء من التمرين. فكما أن جمع انتباهك المتشتت إلى التنفس أثناء التأمل يعد تمرينًا للذهن، فكذلك الجهد المبذول للبيان والتعبير عن موضوع أو قصة أو فكرة معقدة.
إليك حيلة بسيطة لتُحسن في مناقشة الكتب: أعد نقطتين تود أن تطرحهما، تدرّب على التعبير عنهما أمام كرسي فارغ، وبذلك تضمن انتصارين.
٧. توسّع في القراءة مع بناء الخبرة في أحد المجالات
بدأ لويس القراءة كمعظم المفكرين والكتّاب الطموحين، فقد توسع واستكشف موضوعات ومؤلفين شتى. لم يكن أسلوبه منظمًا أبدًا، ولم يتبع أي خطة، بل اتبع فضوله وميله الطفيف للكلاسيكيات. وهذا يعكس تجربتي الخاصة.
كما وضحت في مقالتي كيف تكتشف شغفك بالقراءة، فإن فائدة التوسع في القراءة لا تقتصر على بناء قاعدة معرفية عامة فحسب، لكنها ترشد المرء إلى أكثر ما يثير اهتمامه. ومن هنا يبدأ بناء الخبرة. أنا مثلًا اكتشفت قبل أربع سنوات أني أحب الروايات الكلاسيكية والفلسفة السياسية، وأقرأ فيهما منذ ذلك الحين.
وهذا بالضبط ما حدث للويس، فقد وجد في مرحلة ما أنه يميل للتاريخ والقصص الخيالية والروايات المباشرة ممن استقروا وعاشوا على الحدود، خاصة في الغرب الأمريكي، وعكف منذ ذلك على بناء معرفته في هذا الموضوع، وسرعان ما شرع في كتابة قصصه المبنية على أسس تاريخية.
وفي هذه المرحلة من مسيرته ازداد تركيزه في القراءة، إذ حاول أن يخصص 30 كتابًا من الكتب التي يقرأها سنويًا والتي تزيد على مئة كتاب لتاريخ الغرب الأمريكي. يقول:
"مع أني كنت منشغلًا بدراسة الشرق الأقصى، إلا أني لم أهمل دراسة الغرب الأمريكي إطلاقًا، فجل ما كنت أكتبه كان متعلقًا بالغرب، وواجبي بصفتي كاتبًا أن أعرض أصدق صورة ممكنة. وتحقيقًا لتلك الغاية لم أكتفِ بالتجوال في البلاد، بل كنت أقرأ نحو ثلاثين كتابًا سنويًا عن مختلف جوانب الغرب".
لقد ألهمني تفانيه في موضوع معين للشروع في زيادة قراءاتي في جميع جوانب التعلم والتربية، فخصصت كتابًا واحدًا على الأقل شهريًا في هذا المسعى لنيل الخبرة. والآن أعيد قراءة كتاب العقل المتعلم جيدًا، وهو دليل لسوزان وايز باور للتعليم الكلاسيكي الموجه ذاتيًا.
ما الموضوعات التي نتجذب إليها أكثر من غيرها؟
اختر مجالين لتبدأ ببناء الخبرة فيهما، مع الاستمرار في التوسع فيما سواهما أيضًا. على سبيل المثال، قد تكون هذه خطتك القرائية:
- 10 كتب مختارة حسب الميول/الحدس.
- 5 كتب عن الثورة الروسية.
- 5 كتب عن علم البيئة.
بعد ذلك ستكون اكتسبت عمقًا هائلًا في فترة الثورة الروسية، وستنظر إلى البيئة بطريقة جديدة تمامًا، كل ذلك دون أن تضحي باتساع نطاق الدراسة ومزايا تعدد المعارف.
إن كنت حديث عهد بالقراءة فإليك نصيحة لويس عن اختيار الكتب:
"أما من لم يسبق له القراءة فنصيحتي أن تقرأ ما يسلّيك. القراءة متعة، القراءة مغامرة، لا يهم ما تقرأه في البداية، المهم أن تقرأ".
٨. اقرأ الكلاسيكيات
أينبغي أن تقضي وقتك في قراءة الكتب القديمة؟ إليك رأي لويس:
"...أُلّف كثير من كتب الماضي العظيمة لعصر اتسم بالسكينة والهدوء، حيث كان يتسنّى للمرء أن يجلس ويقرأ بجانب المدفأة أو في راحة تامة داخل منزل ريفي فخم أو كوخ بسيط. ورغم حقيقة أنها كًتبت لعصر مختلف ولجمهور مختلف، فإنها تحوي ما تثرينا به: قصص رائعة، وصف عبقري للشخصيات، أفكار مثيرة للاهتمام. قال أحدهم إنه لا يحق لأحد أن يقرأ الكتب الحديثة ما لم يقرأ القديمة، إلا أني لا أتفق معه، ومع ذلك ينبغي قراءة الكتب القديمة أيضًا".
٩. تعلّم من البشر، ولا تقتصر على الكتب
من السهل أن تقع فريسة للتصور الحالم بأن جل التعليم محصور في الكتب. صحيح أن الكتب وسيلة عظيمة لكسب الحكمة والمعرفة والمهارات، لكن لا تنسَ أن الحياة نفسها مليئة بالفرص التعليمية، مثل المهارات الحوارية التي تستخدمها الجرسونة لتشعرك أنك ببيتك، أو العقلية التي تبناها مديرك للتعامل مع موقف معقد تحت الضغط.
تذكّر مقولة إيمرسون :"كل إنسان ألتقيه في مسيرتي يفوقني في شيء ما، فأحرص على تعلمه منه".
وقد كان لويس، الذي قضى أكثر وقته في التحدث مع الغرباء للتعلم عن الغرب الأمريكي، على دراية تامة بهذه الحقيقة:
"التعليم -كما ذكرت- يأخذ أشكالًا متعددة، وتوجد طرق كثيرة لجني المعرفة والوعي. حاولت منذ بداية تجولي أن أتعلم عن البلد الذي أزوره، وسرعان ما تبيّن أنه في أي عربة برجر أو مطعم، وفي أي صالون حلاقة أو محطة وقود، يوجد شخص يعرف المنطقة أو يستطيع أن يوجهك لمَن يعرفها".
هل نفقد هذا الشكل العتيق من التعليم؟
أخشى أننا بدأنا في نسيان ممارسة التعلم من البشر في ظل عصر المعلومات حيث تُتاح لنا إجابة أي سؤال بلمسة زر.
وأنا أقر بهذا الذنب.
كنت أكتب مقالة في أحد الأيام لمدونة عميل تستعرض منصة Zendesk، وهي منصة برمجية لخدمة العملاء.
مكثت أقرأ مقالة تلو الأخرى ومراجعة تلو الأخرى حتى أصل إلى الطريقة المناسبة للتعبير عن نقاط قوة الأداة ونقاط ضعفها في فقرة موجزة. وفي آخر اليوم التقيت بصهري على العشاء، فأدركت فجأة أنه يشغل منصبًا قياديًا في قسم خدمة العملاء بشركته.
لماذا لم أسأله؟ لماذا لم أتصل به؟
سألته في السيارة إن كان يعلم شيئا عن منصة Zendesk، فتبين أنه استخدمها سنوات عديدة. طلبت منه تعليقه، فكان ما قاله هو بالضبط ما أبتغيه، ملخص مثالي للمنصة والذي استخدمته حرفيًا تقريبًا في مقالتي. كما ضرب لي أمثلة واقعية عن استخدام البرنامج، وأعطاني إجابات دقيقة لأسئلتي المتخصصة.
والأهم من ذلك أن التحدث مع شخص عن شيء أبحث عنه أمر ممتع وراحة من الانكباب على شاشة الحاسوب.
نصيحة عملية: فكر في موضوع أو مهارة يمتلك أحد أصدقائك خبرة فيها، واطرح عليه أسئلة متعلقة بها. ستتفاجأ من مقدار ما يعرفه.
١٠. نظرة مغامر للكتب
قد يظن المرء أن السفر في أنحاء الغرب سنوات عديدة وممارسة الملاكمة والعمل بوظائف متنوعة والكتابة والخروج مع الرواد السابقين مغامرة كافية.
لكن هذه الأحداث الخارجية لم تكن إلا نصف المغامرة التي عاشها لويس، والنصف الآخر كان في عقله وخياله. ففي تلك "السنوات المضطربة" وعلى مدار بقية حياته، قضى لويس أكثر وقته في استكشاف الأماكن والأفكار والأزمان والناس والثقافات من خلال الكتب.
"كثيرًا ما يقال إن المرء لا يعيش سوى حياة واحدة، لكن هذا محض هراء. لا حد لعدد الحيوات التي قد يعيشها القارئ، فالروايات والسير الذاتية وكتب التاريخ تقدم عددًا لا يفند من الحيوات في شتى بقاع العالم وعبر كل العصور".
إن كان من فكرة واحدة نستخلصها من هذا الكتاب الرائع فهو روح لويس المغامرة.
متى ما تناولت كتابًا فكن على ثقة تامة أنك ستجد شيئًا عميقًا بين تلك الصفحات، وربما يغير حياتك. لعلّك على أعتاب مغامرة عظيمة وأنت لا تدري.
كان من الشائع في أوروبا تعيين حارس يتجول بالمدن ليلًا لإعلان الوقت، وذلك قبل انتشار الساعات بالمنازل.
تريفيوم مصطلح لا تيني يعني "ثلاثي" يشير إلى المراحل الأساسية للتعليم الحر: القواعد والمنطق والبلاغة.
شارك الصفحة
المزيد من المقالات

عن الكتابة
لماذا نكتب إذن؟ ربما كانت بداية الكتابة مع الإنسان القديم ليضع بصمته على العالم.

دليلٌ بشري لمراجعات الكتب
تشد الحاجة إلى مراجعات الكتب حاليًا، بسبب الطوفان الكبير من الإصدارات، فنحتاج إلى متخصصين، يرشدوننا لأفضل المطبوعات.

من القراءة المجردة إلى القراءة التزكوية تأملات أخلاقية لمفهوم القراءة في سورة العلق
اقترنت التزكية بأثر قراءة القرآن الكريم في النظم الكريم في مواضع متعددة.
