لم يكن نداء (اقرأ) في غار حراء مجرد حث على تحصيل المعرفة أو فك لأمية الحرف، بل كان إيذانا بانبلاج فجر قيمي تزكوي يؤسس نسقا للنظر، وكيفية خاصة، ومنهجا متبعا، يعيد صياغة كينونة الإنسان وفق هدي رباني قويم، لا سيّما في ظل هيمنة القراءة المجردة التي اختزلت الوجود في ماديته، والمعنى في سيولة متغيرة، ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة أخلاقية تزكوية تعيد للقراءة وظيفتها الوجودية؛ فتجعلها رؤية منهجية، وفعلاً مهذِّبا للوعي، مقوّما للسلوك، ونظرا استشرافيا، منشئا لعقل مستنير يستبصر الحكمة.
هذا وإن كان الفعل (اقرأ) موجها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكذلك تدخل أمته صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر الإلهي الكريم، ولا يخفى أنها أول ما نزل من القرآن، وهذا مما يزيد دعوة إلى التدبر والتأمل، ولله در الصحابي الجليل ابن مسعود رضي الله عنه حين قال: "ثوروا القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين"، وفي كلمة منهجية للسيوطي يصف فيها ألفاظ القرآن بقوله: "الإيجاز الجامع"، والفعل (اقرأ) لم يرد مرة واحدة في السورة بل ورد مرتين، يقول تعالى:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)} [سُورَةُ العَلَقِ: ١-٣]. كل ذلك وغيره مما يدعو إلى تثوير (اقرأ) والنظر في أبعادها التزكوية.
وعن توجيه الأمر بالقراءة في قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} عند المفسرين ففيها أقوال، غير أن تفسير ابن عاشور أقرب إلى دلالة السياق الداخلي والخارجي؛ إذ يرى أن الأمر بالقراءة هو التأهب والاستعداد لما سيتنزل من الوحي؛ إذ وقت نزول هذه الآيات لم يكن شيئا نزل من القرآن –على الأرجح- على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن الناحية النحوية، فإن قوله تعالى: {بِاسْمِ رَبِّكَ} يقع موقع النصب على الحال؛ أي: اقرأ حال كونك مفتتحاً قراءتك ومستعيناً باسم ربك، والاسم مشتق من السمو، وهو علامة على ما يدل عليه، وفرق بين السمو والعلامة، فالسمو علامة لكنها تضم دلالة العلو الحسي والمعنوي، وقد تلا الاسم ما يدل على الربوبية في قوله:{بِاسْمِ رَبِّكَ} ثم الألوهية في التفرد بالخلق، في قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ} وعبر بالاسم الموصول {الَّذِي} المتضمن السببية؛ للاستدلال بخلق الإنسان على انفراد الخالق بالعبادة، والخالق هو من يتوجه إليه لا إلى غيره. وموجز معنى ما تقدم: يا أيها الإنسان اقرأ الوجود بالوحي، وحالك متوجهة بالكلية إلى الرب الإله الذي أوجدك من عدم، جاعلا من اسمه الكريم مرجعا وسموا لكل وجهتك.
هذا وقد اقترنت التزكية بأثر قراءة القرآن الكريم في النظم الكريم في مواضع متعددة، من ذلك ما ورد في قوله تعالى:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سُورَةُ الجُمُعَةِ: ٢]، فالتزكية طهارة من الكفر ومساوئ الأخلاق، والقراءة التزكوية هي بدورها تطهيرٌ من القراءة المجرّدة التي تكتفي بذاتها، وتُقصي البعد الأخلاقي عن الحياة.
وتأسيسا على هذه التوجيه الإلهي الكريم في (اقرأ)، يروم هذا المقال البرهنة على أن من المفاهيم التي تضطلع بها معاني القراءة في سورة العلق هو المعنى التزكوي؛ المعنى الذي يتجاوز مضائق القراءة المجردة المكتفية بذاتها، إلى القراءة التزكوية التي تلزم صاحبها بمواثيق الأخلاق، وتعقد صلة لا تنفصم بين العقل والعلم، وتنهض بالوجود الإنساني إلى القيام بأعباء الأمانة المكلف بها التي ناءت بها السماوات والأرض، واضطلع بها الإنسان، يقول تعالى :{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [سُورَةُ الأَحْزَابِ: ٧٢].
وبناء عليه فإن المقال سيشيّد على محورين رئيسيين؛ يبحث الأول في ماهية القراءة المجردة، وسماتها الاختزالية، بينما ينصرف الثاني إلى تجلية معالم القراءة التزكوية وصولا إلى استنتاجات تبرز المحورية الأخلاقية لهذا النموذج المزكّى، ويستكشف أثره في صياغة وعي كوني ينظر إلى القراءة بوصفها رؤية ومنهجا قويما.
أولا: مفهوم القراءة المجردة
هي عملية إدراكية تتخذ من العقل البشري والمدركات الحسية، مصدرا لصناعة معنى.
ومن خلال هذا التعريف يمكن استخلاص السمات الجوهرية التي تحكم مسار هذه القراءة:
- الذاتية والاستغناء: تُعدُّ القراءة المجردة قراءة دائرية؛ إذ تبدأ من التجربة الإنسانية وتنتهي إليها، فيغدو العالمُ في نظر الإنسان مجرد مرآةٍ عاكسة لتصوراته القبلية، وتجاربه المؤطرة بالمكان، فلا يرى الوجود إلا من خلال أُطُره الذاتية، مما يحرمه من الانفتاح على أنوار الحقائق المتضمنة في الوحيين، وينهض التوجيه القرآني على هذه السمة من قوله تعالى: {أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [سُورَةُ العَلَقِ: ٧]، إذ يرى الإنسان نفسه مستغنياً بوعيه الذاتي عن أي مصدر خارجي، فيقعفي فخ التمركز حول الذات.
وعلى الصعيد الأخلاقي تُنتج هذه القراءة المستغنية منظومةً قيمية نفعية ضيقة، تجعل من المصلحة الشخصية واللذة العابرة معياراً وحيداً للفعل، دون اكتراث بحقوق الآخرين أو احتياجاتهم، وللمتأمل في الهدي النبوي يجد أن التوجيه النبوي قد كسر هذه الدائرة المغلقة عبر ترسيخ قيم السموّ والتعالي الأخلاقي، كما في قوله ﷺ: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه))؛ فهذا الربط النبوي بين الإيمان والإيثار هو المخرج الأخلاقي من ضيق المركزية الذاتية إلى رحابة الذات المزكية التي ترى في الآخر حقوقا ومواثيقا يجب أن تؤدى إليه.
- التشيؤ والاختزال: يمثّل هذا النمط من القراءة بأنها قراءة اختزالية تقصر الوجود في نطاق المادة التي تُدركها الحواس وتخضعها لاختبارات ومقاييس، وتجعل من العقل البشري المحدود حَكَماً نهائياً على ما هو موجود وما هو غير موجود، مُلغيةً بذلك البعد الغيبي والروحي، فيختزل الإنسان في بعده المادي، ويستدل على بطلان هذا المنزع قوله تعالى: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [سُورَةُ العَلَقِ: ٥]، إذ تشير الآية إلى أن العلم يبدأ من لدنه سبحانه، لا من عند الإنسان، وأن المعرفة نازلة من عنده سبحانه، لا صاعدة من الإنسان، وأول العلم هو العلم الذي يتعلق بضرورة وجود الله وربوبيته وألوهيته، ومنها تستمد المعرفة، وكما قال ابن تيمية: «... أصل العلم الإلهي فطري ضروري، وأنه أشد رسوخا في النفس من مبدأ العلم الرياضي؛ كقولنا: إن الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبيعي؛ كقولنا: إن الجسم لا يكون في مكانين ...»، وما الوجود والمخلوق والمعرفة إلى أثران منسجمان من ربوبية الخالق وألوهيته.
وعلى الصعيد الأخلاقي، فإن الإنسان مُعلَم مفطور على إدراك الخير والشر، ومجبول على قيّم تميز بينهما، غير أن القراءة الاختزالية المستغنية عن الوحي، المكتفية بالحواس، تُنتج رؤية تجزيئية تُشيِّئ الإنسان وتُقصي جانبه الفطري والروحي، مما يؤدي إلى إضعاف النزعة الأخلاقية التي تُهذّب السلوك وتضبطه، وتجريده من قيمته الإنسانية، وحين تُغفل هذه القراءة البعد الأخلاقي، يفقد الإنسان بوصلته القيمية، ويغدو كائنًا محكومًا بالغرائز لا بالمواثيق الأخلاقية التي تحفظ توازنه وكرامته.
- الاستهلاك والتملك: تمتد هذه القراءة في مسار أفقي يختزل علاقة الإنسان بالكون في دائرة الصراع والسيطرة؛ إذ تنظر هذه القراءة إلى الطبيعة بوصفها مادة غُفل مُسخَّرة للاستهلاك والامتلاك، فتقود الإنسانية إلى الطغيان، يقول تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى} [سُورَةُ العَلَقِ: ٦].
وعلى الصعيد الأخلاقي فإن أداة هذه السيطرة هي الكذب والتولي، يقول تعالى: {أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [سُورَةُ العَلَقِ: ١٣]، إذ تكشف الآية عن مآلات هذا النمط من القراءة حين يتكئ الإنسان على قوته الموهومة، ويتخذ من التكذيب بالحقيقة والتولي عن مقتضياتها الأخلاقية سبيلا لتحقيق تملك طغياني استعلائي، وتتجلى خطورة هذه النزعة في اتخاذها الكذب والتولي مدخلا لكي خلق مذموم، إذ يعد التكذيب بالحقيقة تجاوزا للوحي، والتولي هو انصراف عن مقتضياته القيمية، وكلاهما نتيجة حتمية للقراءة التي تقصي البعد الروحي والأخلاقي.
- السيولة والعبثية: هي قراءة نتائجها مؤقتة؛ محكومة باللحظة الراهنة وقابلة للتبدل المستمر مع تغير المصالح والنظريات البشرية، فهي لا تبني رؤيةً كونيةً مستقرة، بل تبقى في حالة سيولة معرفية تفتقر إلى الطمأنينة اليقينية، ومما ينبه ويوقظ على آثار هذه القراءة قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [سُورَةُ العَلَقِ: ١٣]، إذ تأتي هذه الآية لتضع المصير والرجوع إلى الله في مواجهة الوعي المادي المنغمس في لذة اللحظة، وتذكر بأن الزمنية المتقلبة ليست معيارا للحقيقة.
وعلى الصعيد الأخلاقي فإن الانغماس في اللحظة العابرة تنتج حالة من العبثية، ووعيًا مُشوَّشًا لا يرى أبعد من حدود المتعة الآنية، فيغيب عنها البعد الغائي الذي يربط الفعل بمآلاته، ومن هذه السيولة تنبثق الخصال الذميمة التي لا تسعى إلا إلى إشباع اللحظة، بغض النظر عن تبعاتها، فيظل صاحبها في حالة تبدّل مستمر تُفقده سكينته وطمأنينته، وتُخرجه من دائرة الاستقامة الأخلاقية إلى فضاء العبث الذي لا ضابط له ولا ميزان.
ثانيا: مفهوم القراءة التزكوية
هي عملية إدراكية تعبدية، تتخذ من الوحي الإلهي مشكاة لتوجيه العقل والمدركات الحسية نحو اكتشاف المعنى.
ومن خلال هذا التعريف يمكن استخلاص السمات الجوهرية التي تحكم مسار هذه القراءة:
- الاستعانة والإحسان: تقوم القراءة التزكوية على مبدأ الافتقار إلى الله سبحانه، والاستعانة به، فهي قراءة ممتدة لا تنحبس في أطر الذات الضيقة، بل تنطلق من السمو الإلهي، فتفتح للقارئ أفقا يتجاوز التجربة الإنسانية المحدودة ليستبين حقائق الوجود في مداها الأرحب والأسمى، وينهض الاستدلال على هذه السمة من قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [سُورَةُ العَلَقِ: ١]، إذ يشير حرف الجر (الباء) على الاستعانة أو المصاحبة، فتكون القراءة فعلا مؤطرا بمرجعية الوحي، وهذا المصدر الخارجي يكسر الدائرة المغلقة ويحول المعرفة من مرآة الذات إلى نافذة على الحق، ويسمو بها الإنسان إلى رحلة ارتقاء نحو اليقين.
وعلى الصعيد الأخلاقي فإن هذه القراءة تورث محاسن الأخلاق، ومنها خلق الإحسان؛ كون الإنسان يحسن إلى نفسه بالافتقار إلى خالقه، ثم يفيض هذا الإحسان على الخلق كلهم، فيغدو خلقا شاملا لحياة الإنسان، وفي صحيح مسلم، يقول شداد بن أوس رضي الله عنه: ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء))، وهذا يقودنا إلى أن القراءة التزكوية أساس لمنظومة أخلاقية تجعل الإحسان مبدأ ناظما للفكر والسلوك والعلاقات.
- الاستبصار والحكمة: تتسم القراءة التزكوية بأنها قراءة مستنيرة بنور الوحي، إذ تعمد إلى المزاوجة بين عالم الشاهدة (المحسوس) وعالم الغيب، وتجعل من العقل المتكئ على الوحي أداة لاستبصار الحكمة، ورافضة لاختزال الوجود في مضائق المادة، والارتهان لظواهر الأشياء، وعلى الصعيد الأخلاقي فإن القراءة التزكوية تورث مكارم الأخلاق، ومنها خلق الكريم، يقول تعالى: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} [سُورَةُ العَلَقِ: ٣]، والكرم التفضل بعطاء ما ينفع الـمُعطِى، وإذا تأملنا مجيء هذه الآية عقب قوله تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [سُورَةُ العَلَقِ: ٢]، بدت فيه إشارة لطيفة؛ فالعلق يمثل مبتدأ النشأة المادية للإنسان، بينما قوله: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ}، يمثل مبتدأ النشأة الروحية والأخلاقية، فكما أن العلق هو الجذر الذي تخلقت منه البنية الجسدية، فإن الكرم هو الأصل الذي تتفرع عنه سائر الأخلاق الإنسانية، ومن هنا جاءا قتران القراءة بصفتي الربوبية {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} والألوهية {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ}، إذ إن وصفه سبحانه بالأكرم يتضمن صفات الكمال والتنزيه عن النقائص، فنعمت القراءة التزكوية بعطاء الربوبية وجلال الألوهية.
- الثبات والسكينة: تعد القراءة التزكوية نسقا معرفيا مستقرا؛ كونها محكومة بغاية عظمى تتجاوز اللحظة الراهنة والمصالح المادية العارضة، وهي بذلك تمنح المعرفة صبغة أخلاقية ثابتة، وطمأنينة يقينية لا تزلزلها النظريات البشرية أو سيولة الأهواء الظرفية، وينهض الاستدلال على هذه السمة من قوله تعالى: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} [سُورَةُ العَلَقِ: ٨]، إذ تمثل هذه الآية الضابط الغائي، فكل معنى يكتشف وكل علم يحصّل، محكوم بمسؤولية الوقوف بين يدي الله، فالرجوع يمثل المصير الثابت الذي يمنح المعرفة اتجاهها الصحيح، ويقينها الراسخ، بعيدا عن اضطراب المصالح اللحظية.
وعلى الصعيد الأخلاقي فإن العمل وفق مقتضيات الغاية التي خلقنا الله من أجلها يورث السكينة وقوة اليقين والثبات، وكما قال بن القيم: «والسكينة إذا نزلت القلب اطمأن بها وسكنت إليها الجوارح وخشعت، واكتسبت الوقار، وأنطقت اللسان بالصواب والحكمة، وحالت بينه وبين قول الخنا والفحش واللغو والهجر وكل باطل».
- الصعود والأمانة: تتسامى القراءة التزكوية عبر مسار عمودي يربط الإنسان بخالقه، فيرى الوجود كله أمانة بين يديه للاستعمار والإصلاح لا للتملك والسيطرة، وتتحول أدوات المعرفة لديه من وسائل صراع واستغلال إلى جسر للصلاح والإحسان، والإنسانفي أصل جبلته ضعيف يقول تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: ٢٨]، غير أن التذلل والخضوع إلى الخالق سبحانه من أعظم أسبابوسائل الإعانة والتوفيق، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [سُورَةُ العَلَقِ: ١٩]، إذ يمثل السجود ذروة الخضوع للخالق.
وعلى الصعيد الأخلاقي فإن مما يمنحه السجود والتقرب إلى الله التخلق بالأمانة، وهي القيمة التي تحفظ انتظام الحياة الإنسانية واستقامة مسارها؛ إذ بها تُصان مبادئ القراءة التزكوية وتستمر آثارها، فبالأمانة يُصان الدين من التحريف، وتُحفظ الأعراض من الانتهاك، وتُزكى الأموال من الاستغلال، وتُضبط المعارف والعلوم من العبث، وتُحمى البيئة من الفساد، والعهود من النقض، والحقوق من الضياع.
نتائج المقال:
يمكن إيجاز النتائج الجوهرية التي توصلت إليها هذه المراجعة الأخلاقية في النقاط الآتية:
- قصور القراءة المجردة؛ كونها تظل محبوسة في فلك المعرفة الدائرية؛ حيث يؤدي الانغلاق على الحواس والاستغناء بالذات إلى طغيان معرفي واضطراب في القيم، مما يحيل الوجود إلى مادة غفل للاستهلاك، ويفقد الإنسان طمأنينته اليقينية أمام سيولة النظريات البشرية المتقلبة.
- شمولية القراءة التزكوية بوصفها السردية التي تزاوج بين الشهادة والغيب، وتنقل العقل من رتبة الصناعة الذاتية للمعنى إلى رتبة الاستبصار في مراد الخالق.
- القراءة التزكوية تعيد بناء تصورات الإنسان حيال الخالق والكون والذات، وتحول الأدوات الإدراكية إلى استبصار الحقائق والعمل وفق منهج الوحي.
- تؤكد القراءة التزكوية أن العلم لا يستقيم أثره إلا إذا انصهر في بوتقة الأخلاق؛ فالوفاء بالعهد، والإحسان في العمل، والمسؤولية الاجتماعية، ليست قيماً مضافة للعلم، بل هي جوهر القراءة التزكوية التي تجعل من البصيرة عيناً يرى بها الإنسان ملكوت السماوات والأرض.
- إن القراءة التزكوية لا ترفض العلم التجريبي أو المنجز المادي، بل تستوعبهما كأدواتٍ ضرورية للكشف وعمارة الأرض، لكنها ترفض حصر الحقيقة في حدود المادة وحدها؛ فهي رؤيةٌ شمولية لكافة مناحي الحياة.
شارك الصفحة
المزيد من المقالات

عن الكتابة
لماذا نكتب إذن؟ ربما كانت بداية الكتابة مع الإنسان القديم ليضع بصمته على العالم.

دليلٌ بشري لمراجعات الكتب
تشد الحاجة إلى مراجعات الكتب حاليًا، بسبب الطوفان الكبير من الإصدارات، فنحتاج إلى متخصصين، يرشدوننا لأفضل المطبوعات.

كيف ننمّي عمليات القراءة العميقة في العصر الرقمي؟
إن الملكة القرائية تغير الدماغ البشري حرفيًا.
