حين أنظر إلى مكتبة ضخمة أو أذهب إلى معرض الكتاب، أتعجب من كل هذه الكتب؛ كيف يكون هناك ما يُكتب إلى هذا الحد؟! كيف لم تتوقف الكتابة حتى الآن؟ لماذا نستمر في الكتابة ولما يُقرأ أغلب ما كتب؟ اعتدت أن أفكر أن الكتابة فعل إضافة؛ أن الكاتب لا يكتب إلا عندما يرى أنه قدم شيئا جديدًا، على ما في ذلك من ظلم إذ كتب السابقون عن كل شيء تقريبًا وتقل احتمالية أن نضيف جديدًا كل لحظة. لا تفسر الإضافة وحدها هذه الكمية الهائلة من الكتب إذ يستحيل أن يجزم إنسان أنه أتى بجديد إلا نادرًا مع ذلك لا تجدنا نتوقف عن الكتابة.
لماذا نكتب إذن؟ ربما كانت بداية الكتابة مع الإنسان القديم ليضع بصمته على العالم؛ كف يدٍ مدمم يقول قد مررت من هنا. هنا، تصبح الكتابة محاولة للخلود لخلق أثر يبقى بعد أن نرحل. يمكن رؤية الأمر كذلك أيضًا عند النظر إلى الأعمال الأدبية والفلسفية الكبيرة؛ لو لم يدون هؤلاء أفكارهم لما عرف بهم أحد. لكن مع كثرة الكتب تظهر مشكلة أخرى: ليس كل ما يكتب يبقى؛ لم تعد الكتابة تمنح خلودًا لصاحبها بل ربما لم تمنح له شيئًا ولم يقرأ له أحد من الأساس.
نكتب لأنفسنا أم للآخر؟
هنا تبرز فكرة أننا نكتب لأنفسنا -ولنتذكر جميعًا مدوناتنا الشخصية- وأن الكاتب حقًا هو من يكتب حبًا في الكتابة يكتب لنفسه لا لأحد. صحيح أن تلك الفكرة تتعارض مع الرغبة الأولى في وجود أثر للإنسان؛ إنها آثار لكن لا يعلم بها أحد. حين يكتب المرء مذكراته مثلًا فإنه يسعى لأن يفهم ذاته بشكل أفضل أو أن يجد في الكتابة ما يسري عنه، لكن يظل شيءٌ ما ناقصًا، إذ هناك ما يدفع الكاتب إلى نشر ما كتب ومشاركته، فالحقيقة المرة أن ليس للأوراق روحًا؛ لا يتحدث الكتاب ولا تستمع المفكرات. الحقيقة أيضًا أنه لا يكتفي أحد بنفسه مهما بلغت دوافعه أنانية، يريد المرء أن يُشاهد وأن يُرى من آخر. مهما حاولت ذاته الانقسام فإننا في حاجة دائمة إلى المشاركة والأنس.
القارئ عدو الكاتب
لكن المشاركة تفرض عبئًا على الكاتب. كما يقول عبد الفتاح كليطو في كتابه "الأدب والارتياب"، فالقارئ عدو الكاتب يقف له بالمرصاد وهو ما يشعر به الكاتب، فيحاول أن يستميل القارئ ويتحايل عليه كي يعجبه ويقنعه برأيه. تجعل هذه الفكرة الكتابة تحدث من منظور الآخر لا من منظور الذات، فيكون القارئ معيارًا ينطلق منه الكاتب. ويتخذ الكاتب من نفسه موقف العدو أثناء كتابته، ما يجعل الكتابة فعلًا مرهقًا. ربما هذا ما يدفع البعض أن يكتب سيرته الذاتية بصيغة الغائب كطه حسين، فلم يعد الأمر حينها أنا أو أنت أيها القارئ، بل أنا في صف القارئ نتطلع إلى هذا الآخر. وربما هذا ما يحدث عند كتابة الروايات فيضع الكاتب جزءًا من نفسه في شخصياته وأحداثه ويعبر عن عالمه فيها، فتجد لكل كاتب سمة معينة لعالَم ينتمي إليه، ومهما خلق من شخصيات تجد شيئًا من نفسه في كل منها.
الكتابة بين الاتصال والانفصال
بين ثنائية الاتصال والانفصال، تأتي الكتابة كفعل متردد. يقول إيريك فروم في كتابه "فن الحب" أن الإنسان إنما يسعى لسد الفجوة بينه وبين العالم الذي يشعر بالانفصال معه، وأن محاولاته لسد هذه الفجوة ينشأ منها التدين والحب والإدمان. لكن الإدمانات والعادات السيئة هي فقط محاولة خاطئة لحدوث اتصال مع العالم، وغالبًا ما تؤدي إلى انفصال متزايد كلما حاول به الإنسان أن يتصل تعمق في هوة انفصاله. الكتابة محاولة اتصال بلا شك، اتصال مع الذات أو مع الآخر لكن هل تسفر عن اتصال صحي أم تعمق الانفصال في النهاية؟
الكاتب إنسان، كائن اجتماعي بالضرورة يحتاج إلى وجود آخر معه. تقوقعه حول ذاته يزيده وحدةً وكآبة ولا يزيده حرية كما يبدو الأمر من الخارج. يتجلى هذا واضحًا في مثال شخصية "عنايات الزيات" التي كتبت عنها إيمان مرسال. كانت عنايات فتاة شابة ذات موهبة كتابية واعدة كتبت رواية واحدة لم توافق عليها دار النشر فانتحرت. بالرغم من تفاصيل حياتها وتداعيات انتحارها، لا يمكن إغفال جدلية الكتابة للأنا والآخر في قصة عنايات الزيات. تقول عن انتحارها إيمان مرسال: "حدث معها ما يحدث كثيرًا، ما رأيناه بأعيننا: يتحول الكاتب الذي لا يستطيع أن يتواصل مع الآخرين إلى بطل مسرحي تراجيدي، يتضخم في عزلته إحساسُه الوهمي بالظلم أو بالعظمة أو بانعدام معنى وجوده. ينتهي به الأمر في منصب ثقافي أو يصبح متصوفًا او حقودًا أو عصاميًا متعاليًا مشغولًا بصورته كعصاميٍ نزيه أو مؤيدًا لسلطة من القتلة أو يعود إلى عائلته التي لم يصدق أبدًا أن يعود إليها. أو ينتهي به الأمر بطلًا.. بطلًا يلفظ كل هذه الطرق فيتخلص من حياته".
نجد في قصة عنايات أن مشاركة الكتابة لا تمنح الشعور بالأنس فقط، فلا تشبه مشاركة الكتابة مشاركة الصورة على موقع تواصل مثلًا، فللأمر خصوصية أكبر، إنها وسيلة لحفظ الكاتب مما قد تفعله به كتابته، من انغماسه في وحدةٍ مطبقة تزيد في عزلته عن الآخرين حتى يشعر أنه لا يفهمه أحد ولا يمكن له أن يفهم أحدًا. ربما تساعد المشاركة على جعل الكتابة وسيلة اتصال صحية أكثر مما تفعله الكتابة المنفردة.
خاتمة
ربما لم تكن الكتابة فعل إضافة بقدر ما هي فعل إعادة، وربما ليس على الكاتب أن يضيف شيئًا، بل ربما خير ما يفعل أن يستحث شعورًا أو أن يعبر عن ذاته فقط. ربما حين يتلامس المرء مع ذاته كثيرًا فيحسن التعبير عن ذلك، يتلامس أيضًا مع الشيء المشترك بيننا جميعًا، ويتوه الحد الفاصل بين الأنا والآخر، بين القارئ والكاتب فتنتهي العداوة وينشأ الأنس والاتصال.
شارك الصفحة
المزيد من المقالات

دليلٌ بشري لمراجعات الكتب
تشد الحاجة إلى مراجعات الكتب حاليًا، بسبب الطوفان الكبير من الإصدارات، فنحتاج إلى متخصصين، يرشدوننا لأفضل المطبوعات.

من القراءة المجردة إلى القراءة التزكوية تأملات أخلاقية لمفهوم القراءة في سورة العلق
اقترنت التزكية بأثر قراءة القرآن الكريم في النظم الكريم في مواضع متعددة.

كيف ننمّي عمليات القراءة العميقة في العصر الرقمي؟
إن الملكة القرائية تغير الدماغ البشري حرفيًا.
