خلال تصفحي لإكس مؤخرا، لفت نظري تغريدة تعرض ملخصًا لكتاب نشر بالإنجليزية، توقفت عندها لا إعجابًا بمحتواها،ولكن الفضول (القصيمي) دفعني إلى ذلك، فقد كانت أول مرة أقرأ مثلها، لكن إكس (بذكائه المعروف) ظن أنني معجب بها، فكثرت أمثالها عندي! ثم تنبهت بعد فترة إلى أنها تُكتب بالذكاء الاصطناعي (أعترف الفطنة ليست من فضائلي).
لم أكن أتصور أن مستخدمي الذكاء الاصطناعي سوف ينتقلون بسرعة من "غروك بالله عطنا مخلص الفيديو"، إلى نشر تغريدات تعرض كتبا، لكن كما قيل: «معظم النار من مستصغر الشرر».
لماذا نحتاج إلى مراجعات الكتب البشرية وليس الآلية؟
يهدف المراجع "البشري" لأن يشوق القراء إلى قراءة الكتاب، لذلك يراجع الكاتب "المحترف" الكتب الصادرة الحديثة، وليست الكتب التي يعرف عناوينها الجميع، أيضا لا يراجع أي كتاب جديد، بل لا بد أن يكون كتابًا مميزًا.
وهي مهارة تتطلب عينًا فاحصة، تميز الكتاب الجيد بسرعة، وتحتاج أيضا متابعة للجديد من الكتب، وتنقلا بين العديد من المكتبات ومنصات بيع الكتب، وصفة أخيرة هي القدرة على تحمل الضغوط الاجتماعية، فما إن تُعرف بمراجعة الكتب، حتى تنهال عليك الاهداءات! فتكون محتارًا بين المحافظة على جودة مراجعاتك، أو التمسك بعلاقاتك الاجتماعية.
تشد الحاجة إلى مراجعات الكتب حاليًا، بسبب الطوفان الكبير من الإصدارات، فنحتاج إلى متخصصين، يرشدوننا لأفضل المطبوعات. بالتأكيد لكل أحد اهتماماته المعرفية ، وبالتالي، ستروق له مراجعات من يهتم بالكتب التي يفضلها (فلا يوجد مراجع كتب يناسب الجميع) وأنا شخصيًا معجب بمراجعات الكاتبة العراقية لطيفة الدليمي -رحمها الله- في جريدة الشرق الأوسط، والكاتب السوري محمد تركي الربيعو في جريدة القدس العربي، لأنهما يراجعان كتبًا في المجالات التي تهمني.
عرض محتوى الكتاب، كما تفعل ملخصات الذكاء الاصطناعي ليس كافيًا لتشويق القراء لقراءة الكتاب، فنجد مثلًا موسوعة ويكيبيديا تستعرض كثيرًا من محتويات الكتب، بل إنها قد تعرض معلومات عن الكتاب، قد لا يعرفها المؤلف نفسه! لكن أستبعد أن يقرأ أحد كتابًا بعدما قرأ ما كتبته عنه الموسوعة، لأن عرضها جامد، آلي، بل إني أعتبر أن بعض التعليقات في منصة إكس مثل (أنا ويني عن هذا الكتاب؟، لا تخبروا أحد عنه!) تشجع الآخرين على قراءة الكتاب، أفضل من مخلصات الذكاء الاصطناعي.
كيف أكتب مراجعة لكتاب؟
مراجعة الكتب فن، ولا يوجد طريقة واحدة متبعة، لكن المهم أن تكون مشوقة للقراء بحيث يقرؤون الكتاب بعدها.
المراجع من خلال(١٠٠٠-١٥٠٠) كلمة، سوف يشوق القراء لقراءة كتاب يحتوي أكثر من ١٠٠ ألف كلمة، لذلك عليه أن يختار أفضل ما في الكتاب.
لذلك أحرص في مراجعة الكتاب على أمرين:
١) المقدمة
٢) أهم فكرة في الكتاب في نظري.
فالمقدمة لابد أن تحمل ملمحًا ذاتيًا، كيف تعرفت على الكتاب؟ موقف شخصي يقربك من الكتاب.
مثلا لو أردت أن أكتب مراجعة لكتاب (الفرس، تاريخ إيران في العصور القديمة والحديثة) لهوما كاتوزيان بترجمة أحمد حسن المعيني (وقد حصل بسبب الترجمة على المركز الثالث مكرر في جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي سنة ٢٠١٥) والكتاب من إصدارات دار جداول، ستكون المقدمة واحدة من اثنتين:
- قرأت منشورًا في منصة الفيس بوك (هل لا يزال سعوديون هناك؟) يتحدث أن طريقة شرب الإيرانيين للشاي، هي بأن يضعون قطعة السكر في أفواههم، ثم يرتشفون الشاي، تعكس عقلية الإيرانيين السياسية، تذكرت هذا التحليل الساذج، لما انتهيت من كتاب (الفرس، تاريخ إيران في العصور القديمة والحديثة) لهوما كاتوزيان، الباحث البريطاني في جامعة أكسفورد والمولود في طهران سنة ١٩٤٢م، وهو كتاب ضخم وعميق، ومن يعانون من (تعفن الدماغ) لا يستطيعون أن يكموا قراءة ١٠ صفحات منه، لكنه مهم، لمن أراد أن يطلع على تاريخ مجمل لإيران، مع تركيز أكبر على القرن العشرين.
- ذهبت إلى مطعم إيراني في مدينة سدني سنة ٢٠١٢، بعد توصيات كثيرة من العرب هناك (سبحان الله كل توصياتهم مطاعم ومقاهي فقط)، سألت السيدة التي تدير المطعم، لماذا لا أرى إيرانيين في المطاعم العربية؟
أجابت: قائمة مأكولاتنا متشابهة، لذلك لا نجد حافزا لأكل طعام، نعد قريبا منه.
= لكن العرب يذهبون إلى المطاعم الإيرانية، مع أن نفس الحجة تنطبق عليهم؟
صمتت قليلا ثم أجابت بخجل: لأن جودة طعامنا أعلى!
تذكرت حديثي معها، لما رأيت كتاب (الفرس، تاريخ إيران في العصور القديمة والحديثة) لهوما كاتوزيان، الباحث البريطاني في جامعة أكسفورد والمولود في طهران سنة ١٩٤٢م، في أحد رفوف مكتبات جرير.
فالفرس أكثر عرق تعامل معه العرب، ومع ذلك، نجد ضعفًا كثيرًا لدينا في معرفة تاريخهم وفهم عقلياتهم، ولماذا لديهم موقف سلبي عموما من العرب؟ وكتاب تاريخ إيران يذكر في المقدمة بعضا من سمات العقلية الإيرانية، ثم ينتقل للحديث عن تاريخ إيران المجمل، مع تركيز على فترة القرن العشرين، وقد توقف عند سنة ٢٠٠٩.
الفكرة الرئيسية في الكتاب:
كما ذكرت سابقا، عرض محتويات الكتاب، بطريقة آلية، الفصل الأول كذا، الفصل الثاني ... لا يشجع على قراءة الكتاب، ومهارة مراجع الكتاب في أنه يختار أهم أفكار الكتاب، التي يرى أنها ستحفز على قراءة الكتاب، لكي يشجع الآخرين على قراءة الكتاب.
هذه أهم أفكار الكتاب في نظري:
- تعاقبت على تاريخ إيران المئات من النظم السياسية، لكن إيران الحالية، التي نعرفها بحدودها السياسية ومذهبها الطائفي، وبروز دور رجال الدين الشيعة، وعنصريتها الفارسية، وخصوماتها مع جيرانها العرب والأتراك، قد تشكلت ابتداءً من الدولة الصفوية التي حكمت إيران.
- لو نظرنا إلى خريطة العالم، سوف نلاحظ أن الطريق البري الوحيد هو الذي يربط بين آسيا من جهة وبين بقية العالم هو منطقة التي تقع فيها دولة إيران، لذلك، تحتوي هذه البقعة الجغرافية على تنوع عرقي، مذهبي، اجتماعي، ضخم جدا، ومن يصنفون أنفسهم على أنهم فرس من نسل من حكموا إيران قبل ٢٥٠٠ سنة، هم فرس ثقافيا وليس عرقيا، فلا يوجد في إيران نقاء عرقي.
- يذكر الباحث في الكتاب أن أسرة بهلوي، هي أول أسرة فارسية حكمت إيران بعد انقطاع لمدة ١٠٠٠ سنة عن حكم إيران، لذلك مهما اختلف الفرس فيما بينهم (علمانيين وإسلاميين) فهم متفقون أن تكون السيادة للفرس على جيرانهم.
وكأي مهارة كتابية، تتحسن بالقراءة في نماذج مراجعات كتب من كتاب مختلفين، حتى يكتسب المراجع طريقته الخاصة.
في الختام، أرجو من أي شخص، اشترى كتاب تاريخ إيران بعد هذه المقالة، أن يخبر دار جداول بذلك، لعلهم يعطونني ١٠٪ من قيمة الكتاب.
شارك الصفحة
المزيد من المقالات

عن الكتابة
لماذا نكتب إذن؟ ربما كانت بداية الكتابة مع الإنسان القديم ليضع بصمته على العالم.

من القراءة المجردة إلى القراءة التزكوية تأملات أخلاقية لمفهوم القراءة في سورة العلق
اقترنت التزكية بأثر قراءة القرآن الكريم في النظم الكريم في مواضع متعددة.

كيف ننمّي عمليات القراءة العميقة في العصر الرقمي؟
إن الملكة القرائية تغير الدماغ البشري حرفيًا.
