header

كيف ننمّي عمليات القراءة العميقة في العصر الرقمي؟

يارا عمار
يارا عماريارا عمار
29 مارس 2026
٨ دقيقة قراءة
vladyslav-bahara-EOva41PiBYg-unsplash_1

 

إن الملكة القرائية تغير الدماغ البشري حرفيًا، وليست عملية تعلم القراءة وحدها هي ما يغيره، بل كذلك ما نقرأه وأسلوب قراءتنا والوسيط الذي نستخدمه (كتاب ورقي، قارئ إلكتروني، هاتف، لابتوب). لهذا الأمر أهمية خاصة في واقعنا الجديد، حيث غدا الكثيرون مقيدين بشاشات متعددة في آن واحد، فعلى مدار السنوات القليلة الماضية تزايدت أعداد العاملين عن بُعد، واضطر ملايين الطلاب إلى الدراسة من المنزل. ومع تزايد اعتمادنا على الشاشات، تبرز حاجتنا الماسة إلى صقل دماغ مزدوج يتكيف مع كل من القراءة الرقمية والورقية على حد سواء.

طرح الشاعر تي. إس. إليوت سؤالًا بعيد النظر في مسرحيته "الصخرة" الصادرة عام 1934: "أين المعرفة في معلوماتنا؟ أين الحكمة في معرفتنا؟" واليوم يطرح علماء الأعصاب والمعلمون سؤالًا مشابهًا: هل الوسائط المختلفة تحسّن قدراتنا على تحصيل المعلومات أم تضرها؟ وهل تعيننا على تمييز الحقائق، واستيعاب وجهات نظر الآخرين، وتحويل المعلومات إلى معرفة التي هي بادرة الحكمة؟ سيكون لإجابات تلك الأسئلة تأثيرات عميقة في تشكيل التطور الفكري والاجتماعي العاطفي والأخلاقي للأطفال، وفي حفظ ما وصلنا إليه من تطور.

ما زلنا في المراحل الأولى لفهم تأثير التعلم القائم على الوسائط الرقمية على تطور الدماغ القارئ عند الأطفال، وحفظه لدى البالغين. نُشرت للتو في مجلة جاما لطب الأطفال  JAMA Pediatrics  أحدث الدراسات حول الآثار طويلة المدى لاستخدام الشاشات على الصغار، وقد أجراها مجموعة باحثين من سنغافورة وجامعة ماكجيل وجامعة هارفارد. أظهرت نتائج معاينة ما يزيد على 500 طفل أن زيادة وقت التعرض للشاشات ارتبط بضعف تطور مناطق الدماغ المسؤولة عن مهارات الوظائف التنفيذية، وهي التي تحكم الانتباه والاندفاع والكبح وبعض جوانب الذاكرة، وقد استمرت هذه الآثار الضارة على الإدراك والأداء الأكاديمي حتى سنوات الدراسة. يقول الباحثون في تفسير ما وصلوا إليه من نتائج:

عندما يشاهد الرضيع شاشة فإنه يتعرض لوابل من الحركات السريعة والأضواء الوامضة المستمرة وتغيرات المشاهد، مما يتطلب موارد إدراكية هائلة لفهمها ومعالجتها، فيصاب الدماغ بـ "الإنهاك" ويعجز عن استبقاء ما يكفي من الموارد لنفسه من أجل تنمية المهارات المعرفية كالوظائف التنفيذية.

ليس مستبعدًا أن تنطبق العبارة نفسها على الأطفال الأكبر سنًا، بل والراشدين. فتحويل المعلومات الجديدة إلى معرفة راسخة في دوائر الدماغ -سواء لدى الأطفال أو الراشدين- يتطلب ربط مهارات تنفيذية متعددة بمهارات التفكير التحليلي المعقدة والمتعددة التي تستغرق وقتًا طويلًا، ولا بد لكل ذلك من الوقت الذي نفتقده مع القراءة السطحية على الشاشات الرقمية.

اعترفوا: قرأ أكثركم الجملة الدسمة الأخيرة قراءة سطحية، أو ربما النص بأكمله، لعلكم سعيتم لأخذ المعلومة بسرعة دون استغراق وقت إضافي في التأمل. لو كان كذلك فقد فوّتم على أنفسكم فرصتين: النظر في أسس الكلام، وتحفيز إنتاج أفكاركم الخاصة.  ذلك لأنكم اكتفيتم بالقراءة السطحية أو التصفح أو رصد كلمات معينة، غافلين عن أن أدمغتكم بذلك أخذت في التغيير بالفعل، تمامًا كما تتغير أدمغة أطفالكم الأكثر ليونة.   

غدا معيار القراءة الجديد "أتصفح من أجل المعلومة". إلا أن ما يضيع في المقابل هو عمليات القراءة العميقة التي تتطلب نوعًا من الانتباه المعرض لخطر متزايد في ظل ثقافة ووسائط تجزّئ انتباهنا بسبب تشتيتها المتواصل. تشمل هذه العمليات: ربط المعارف السابقة بالمعلومات الجديدة، عقد المقارنات، استخلاص الاستنتاجات، اختبار الحقائق، استيعاب وجهات نظر الآخرين (مما يزيد التعاطف ويوسّع آفاق المعرفة)، دمج ذلك كله في تحليل نقدي. إن القراءة النقدية هي الجسر الذي يوصل إلى البصيرة والفكر المبتكر.

يتطلب تفعيل هذه العمليات التفاعلية مهارات شبه تلقائية لفك التشفير وانتباهًا مقصودًا ينتقل "من التحليق إلى الاستقرار" على حد تعبير وليام جيمس. هذه الوقفات غير المحسوسة أثناء القراءة قد تُحدث قفزات بسرعة البرق تبلغ بالمرء أقصى حدود أفكاره.

 أما عندما نقرأ قراءة سطحية فإننا -حرفيًا وفسيولوجيًا- لا نمنح أنفسنا وقتًا للتفكير.. ولا للشعور. أجرى ريموند مار أبحاثًا بالتصوير العصبي كشفت عن دور القراءة العميقة في تنشيط المناطق المستخدمة عادة للشعور، بل والحركة. عندما نعيش وصف تا-نيهيسي كوتس للهروب من الخطر في كتابه "بين العالم وبيني" يُثار الشعور بالخوف في المناطق الحوفية. وعندما تقوم غوين بالرمية التي غيرت موازين القوى في رواية جيش جين "المقاومون" فإن قشرتنا الحركية تكاد تشاركها الرمية. إن الفرق بين القراءة السطحية والقراءة بكافة حواسنا كالفرق بين الدماغ القارئ المنشط بالكامل والآخر العاجز الذي أصابه التبلد بسبب الشاشات.  

أزمة الانتباه الجزئي المستمر

تفاقم أزمات عصرنا التهديدات المحيطة بالملكة القرائية. ذلك أنه لم يولد إنسان قارئ، وتعلم القراءة يتطلب بناء دائرة مرنة جديدة في الدماغ، وهذه المرونة هي التي تسمح لها بالتكيف مع أي نظام للكتابة وأي وسيط. تكمن المعضلة في أن الدوائر تعكس خصائص الوسيط المستخدم، أيًا كان.

يعزز الوسيط الورقي العمليات المتأنية التي تتطلب انتباهًا أشد ووقتًا أطول. أما الوسيط الرقمي فيعزز العمليات السريعة وتعدد المهام، وهما اللذان يتلاءمان مع قراءة وابل المعلومات التي نُقصف بها يوميًا. راقب نفسك: هل تقرأ غالبًا أول سطر ثم تمرر عينيك سريعًا كالزجزاج على بقية الصفحة حتى تأتي على آخرها؟ أم تقرأ السطر الأول ثم تمر على منتصف الصفحة ثم خاتمتها؟ يسمي الباحثون في حركة العين هذين النمطين “Z” و“F” . لكننا هكذا نفوّت على أنفسنا ما بين السطور: تفاصيل الحبكة، جماليات لغة المؤلف، استيعاب وجهات نظر الآخرين. تتوالى تبعات هذه الخسائر من خفض مستوى التعاطف والتحليل النقدي إلى الانسياق وراء الأخبار الزائفة والغوغائية وتأثيرهم الذي ينخر في جسد المجتمع الديمقراطي.  

المشكلة الجلية التي تفرض نفسها في كل فصل دراسي وكل منزل هي: هل سيبلغ الشباب الملكة القرائية لو كان التعلم يعتمد في معظمه على الشاشات المغرية بالقراءة السطحية؟ وجدت دراسات أجراها باحثون أمثال ناومي بارون وآن مانغن وبابلو ديلجادو ولاديسلاو سالمرون أن استيعاب الطلاب ينخفض عند قراءة نفس المعلومات على الشاشات مقارنة بالوسيط الورقي. غير أن القراء يظنون أنفسهم في حالة أفضل عندما يقرأون من الشاشات لكونهم "أسرع". تشير ناومي إلى أن أكثر من 80% من أساتذة الجامعات يلاحظون "أثر الضحالة" الذي تتركه الشاشات على استيعاب طلابهم، حتى الأطفال في سن الثالثة تقل قدرتهم على معالجة المواد المجردة عندما يستمعون إلى القصص عبر الشاشات مقارنة بالكتب.

تتعدد الأسباب، لكنها لا ترجع إلى استحالة القراءة العميقة عبر الشاشات، بل تزداد صعوبة لأن الشاشات تقترن بالتشتت، ما يفضي إلى ما تسميه الباحثة ليندا ستون "الانتباه الجزئي المستمر"، وهو ما يقلل بدوره الوقت المخصص للتفكير المجرد. وكلما زاد الوقت المقضي على الشاشات، ترسّخ سلوك جمع المعلومات السريعة والسطحية، والبحث المستمر عن معلومات جديدة (مشتتة). وهذا الأخير نتاج رد الفعل تجاه المستجدات المتجذر في جيناتنا والذي ساعد أسلافنا على البقاء بفضل نظام تنبيه سريع يميز المفترس والفريسة. غير أن رد الفعل هذا قد صار مفرط النشاط ولا يمكن كبحه بسهولة، خاصة عند الناشئة.

الكتب: ملاذ الطفولة

يتمثل التحدي الأكبر الآن في تعلم كيفية استخدام كلًا من الوسائط الورقية والرقمية على أفضل وجه يخدم الجميع. بالنسبة للأطفال الذين شهدوا الجائحة ولم يتسن لهم إتقان مهارات القراءة التأسيسية: بات من الضروري بناء تلك المهارات لتشكيل الدائرة العصبية الأولى للقراءة. إننا نحن بحاجة إلى مناهج واضحة ونظامية وقائمة على الأدلة لترسيخ المهارات التأسيسية، تمامًا كما كان الأمر قبل الجائحة. دع عنك فكرة أن التكرار يورث الملل، فالممارسة تتيح للدماغ التفاعل المتكرر مع الأجزاء المكونة للدائرة. يحتاج القراء الصغار إلى مران مستمر لتعلم هذه الأجزاء وربط بعضها ببعض: بدءً من الحروف وأصواتها إلى الكلمات والقصص والكتب التي تلامس وجدانهم وتربط العمليات الذهنية بالدائرة العصبية. 

ركزت أبحاثي قبل الجائحة على الازدواجية القرائية، حيث يتعلم الأطفال القراءة بالاعتماد الكامل تقريبًا على المطبوعات الورقية، فيما يكتسبون المهارات المعرفية الرئيسية كالبرمجة عبر الشاشات الرقمية. وبعد ترسيخ مهارات القراءة التأسيسية العميقة، يشرع المعلمون في تدريس مهارات القراءة العميقة على الشاشات. غير أن سنوات جائحة كوفيد 19 الأخيرة عقّدت هذا النهج البسيط، لكنها زودتنا أيضًا برؤى حول أفضل طرق استخدام كلا الوسيطين. على سبيل المثال: يمكن استخدام الوسائط الرقمية الآن كأداة للمران على المهارات التأسيسية وبناء خلفية معرفية متكاملة، خاصة للقرّاء المتعثرين والأطفال المصابين بعسر القراءة والأطفال الآتين من أوساط محرومة. وفي الوقت ذاته يُستخدم الوسيط الورقي لبناء قدرة الأطفال على التركيز وترسيخ المعلومات والتفكر فيما يقرؤونه في المراحل الابتدائية.  لقد أدركنا حدود التكنولوجيا وأهمية المعلم وأهمية التفاعلات بين الطالب والمعلم وتأثير البيئة المنزلية.

أهم عامل لتطور القراءة دائمًا وأبدًا هو أن يقرأ الآباء ومقدمو الرعاية والمعلمون للأطفال. ينبغي أن يكون "قراءة، حديث، غناء" شعارًا من المهد إلى أن يشكّل الطفل عالمه القرائي الخاص. يجب الحفاظ على هذا العالم الذي وصفه مارسيل بروست وصفًا خالدًا: ملاذ الطفولة. قد يكون عالم القراءة أنجع ترياق للأطفال (ولنا) لتحويل "الوقت الضائع" إلى أماكن سرية نراقب فيها أنفسنا ونحن نفكر -والآخرين- ونستشعر كنه تفكيرنا.

أما على المستوى المجتمعي: لا بد أن نحرص على وجود كتب دائمًا إلى جوار أجهزة أطفالنا الرقمية، لا يهم أهي كتب جديدة أم قديمة، مملوكة أم مستعارة من المكتبة، المهم هو وجودها وتشجيع الأطفال على قراءتها، فضلًا عن الآباء والأشقاء والأجداد! قد تكون القدوة أقوى المؤثرات البيئية.

لنجعل الكتب مجددًا الفضاءَ الذي نتحرر فيه من أنفسنا لاكتشاف معارف وبشر ومساحات وأفكار تتجاوز حدود خيالنا، وهو ما يغيرنا ويتحدانا ويوسع إدراكنا كأفراد وكائنات.  

يصف جيمس بهذه العبارة طبيعة تدفق الوعي، والمقصود حركة الفكر أثناء القراءة العميقة، فالتحليق انتقال الذهن من فكرة إلى أخرى، والاستقرار لحظات التوقف لاستيعاب الأفكار أو تحليلها. 

 

المصدر

شارك الصفحة

المزيد من المقالات

عن الكتابة

عن الكتابة

لماذا نكتب إذن؟ ربما كانت بداية الكتابة مع الإنسان القديم ليضع بصمته على العالم.

يارا محمد
دليلٌ بشري لمراجعات الكتب

دليلٌ بشري لمراجعات الكتب

تشد الحاجة إلى مراجعات الكتب حاليًا، بسبب الطوفان الكبير من الإصدارات، فنحتاج إلى متخصصين، يرشدوننا لأفضل المطبوعات.

حمود الباهلي
من القراءة المجردة إلى القراءة التزكوية تأملات أخلاقية لمفهوم القراءة في سورة العلق

من القراءة المجردة إلى القراءة التزكوية تأملات أخلاقية لمفهوم القراءة في سورة العلق

اقترنت التزكية بأثر قراءة القرآن الكريم في النظم الكريم في مواضع متعددة.

د. محسن الشهري