يوجد تفضيل شبه جماعي بين أصدقائي من القرّاء الجادين (ومعظمهم كذلك) للكتب الورقية المطبوعة على الشاشات الإلكترونية. تختلف أسباب هذا التفضيل من المتعة الحسية النابعة من تقليب الصفحات واحدة تلو الأخرى، إلى نفحة الحنين التي تنبعث من بين دفتي كتاب عتيق.
حسن الاستيعاب مع الورق
إلى جانب هذه المُتع الحسية الذاتية توفر القراءة من الورق فائدة ملموسة أقوى بكثير مقارنةً بالقراءة من الشاشات، ألا وهي حُسن الاستيعاب. خلصت الأغلبية العظمى من الدراسات التي تقارن بين هاذين الوسيطين إلى أن ما يحتفظ به القرّاء من معلومات عند القراءة على الورق تفوق ما يحتفظون به عند القراءة على جهاز إلكتروني. ومع أن قد طُرحت نظريات كثيرة لتفسير هذا التفاوت، بما فيها "التشتت الرقمي" (الميل إلى التصفح أو القيام بمهام متعددة أثناء القراءة على الشاشة)، والتحدي الذي يواجه "الذاكرة المكانية" للنصوص التي لا تتخذ موقعًا محددًا من الصفحة، وحتى "الخداع الذاتي المستشري" بين القرّاء عبر الشاشات الذين يبالغون في تقدير مستوى استيعابهم القرائي وبالتالي لا يبذلون جهدًا كافيًا في عملية القراءة؛ فلا يوجد إجماع عام على سبب احتفاظنا بكَم أكبر عندما نقرأ من الورق. لكن أُجريت دراسة حديثة في كلية الطب بجامعة شووا في طوكيو وتوصلت إلى إجابة محتملة للسؤال في عامل غير متوقع -ويراه المراقب العادي هامشيًا تمامًا- وهو التنهّد!
استشهد الفريق البحثي بدراسات سابقة ربطت بين البيئة المرئية والأداء المعرفي؛ سعيًا لإيجاد صلة بين المُدخل المرئي للنص المقروء عبر شاشة إلكترونية وانخفاض استيعاب المعلومات التي تنقلها هذه الوسيلة. وبالنظر إلى التأثير المهيمن للبصر على بقية الحواس في عملية "التكامل الحسي أو القدرة على الدمج عبر الحواس"، شك الباحثون أن المدخل المرئي قد يؤثر أيضًا على حالة الدماغ والحالة الفسيولوجية، وهو ما بدوره "قد يشكّل عوامل وسيطة تساهم في العلاقة بين البيئة المرئية والأداء المعرفي". كانت الحالة الفسيولوجية التي اختارها الباحثون للفحص كعامل وسيط محتمل -إلى جانب نشاط الدماغ- هي التنفس. ولاكتشاف العلاقة بين البيئة المرئية والتنفس والأداء المعرفي، استعان الباحثون بـ 34 طالبًا جامعيًا لإجراء دراسة بحثت في آثار استخدام الأجهزة الإلكترونية على الاستيعاب القرائي، وذلك بقياس نشاط الدماغ والجهاز التنفسي في آن واحد: قبل القراءة، وفي أثنائها، وبعدها.
قرأ المشاركون الأربعة والثلاثون مقتطفات روائية على هاتف ذكي وكتاب ورقي لهما نفس الحجم والوزن. خضع كل مشارك لتجربتين عشوائيتين لكل من الحالات الأربع (هاتف ذكي/ورق، رواية أ، رواية ب)، وتألّفت كل تجربة من أربع جلسات: حالة السكون قبل القراءة، مرحلة القراءة، حالة السكون بعد القراءة، اختبار قرائي (10 أسئلة في محتوى المقتطفات الروائية). كان المشاركون طوال التجارب موصولين بشاشات تقيس وظائف الدماغ (نشاط القشرة الجبهية الأمامية)، والتنفس (نمطه، وعدد التنهيدات، والنمط الأيضي).
التنفس ونشاط الدماغ
على غرار ما تبين في الدراسات السابقة، أدت القراءة عبر الهاتف الذكي إلى انخفاض أداء القراءة مقارنةً بالقراءة عبر الوسيط الورقي. ولتحديد سبب هذا الانخفاض في الأداء، فحص الباحثون بيانات التنفس ونشاط الدماغ التي جمعوها أثناء التجارب القرائية. تشابهت بعض جوانب التنفس ونشاط الدماغ في كلا الوسيطين الإلكتروني والورقي، حيث انخفضت كمية هواء الشهيق والزفير أثناء القراءة مع الهاتف الذكي والنص الورقي، فكان التنفس سريعًا وسطحيًا، في حين زاد نشاط القشرة الجبهية الأمامية من الدماغ مع كلا الوسيطين.
ومع ذلك، ظهر فرق ملحوظ في أنماط التنفس تجلى عدد مرات تنهّد المشاركين. فقد زاد عدد التنهيدات عند القراءة من الورق، بينما انخفض عند القراءة من هاتف ذكي. تبيّن أن القراءة من وسيط إلكتروني يكبح عملية التنهد.
وإلى جانب هذا التباين في التنهّد، لوحظ تباين آخر لافت في نشاط الدماغ. فبينما ازداد نشاط القشرة الجبهية الأمامية أثناء القراءة من كلا الوسيطين الإلكتروني والورقي، لوحظ فرط نشاط في القشرة لدى المشاركين الذين يقرأون من هاتف ذكي. وبالاستناد إلى الارتباطات المسجَّلة بين فرط نشاط القشرة الأمامية "وضعف استيعاب المحتوى السردي"، أجرى الباحثون تحليلًا للمسار أشار إلى "وجود علاقة تفاعلية بين كبح التنهد وفرط نشاط القشرة الجبهية الأمامية" وهي ما قد تكون مسؤولة عن تراجع الاستيعاب المرتبط بالقراءة من جهاز إلكتروني.
أشارت دراسات سابقة إلى أن التنهد يزداد مع زيادة الحمل المعرفي. ولذلك افترض الباحثون أن القراءة من وسيط ورقي تنشئ "حملًا معرفيًا معتدلًا" ينتج عنه تنهد القارئ، والذي "يبدو أنه يضبط إيقاع التنفس المضطرب ويتحكم في نشاط القشرة الأمامية". وعلى الجهة الأخرى، فرط النشاط الجبهي الأمامي الملاحَظ عند القراءة من هاتف ذكي يشير إلى وجود "حمل معرفي حاد" قد يثبّط التنهد ويمنع ضبط إيقاع التنفس والتحكم في نشاط القشرة الأمامية.
الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات
عند البحث عن سبب محتمل لكبح التنهد وفرط نشاط القشرة الأمامية المرتبطين بالقراءة من الهاتف الذكي، خلص الباحثون إلى أن الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الإلكترونية هو المُدان على الأرجح. يسبّب الضوء الأزرق انتباهًا متواصلًا قسريًا، قد يُعزى هذا إلى الصلة الوثيقة بين خلايا العقدة الشبكية الحساسة للضوء وأجزاء الدماغ التي تضبط اليقظة والتعلم. والانتباه المتواصل الذي تتطلبه القراءة من الهاتف الذكي قد يكبح التنهد ويُحدث فرط نشاط في القشرة الجبهية الأمامية، ما يفضي بدوره إلى تراجع الاستيعاب القرائي.
ماذا تقدّم الدراسة إذًا للذين يداومون على القراءة أوقاتًا طويلة؟ مَن يفضّلون القراءة الورقية أمثالي: تؤكد النتائج تفضيلنا وتعطينا سببًا آخر يدعونا لزيارة المكتبة المحلية أو متاجر الكتب. أمّا من يفضلون القراءة من جهاز إلكتروني لسبب أو آخر (أو محبّو الكتب الورقية حينما يتعذر الحصول عليها ويحتم عليهم اللجوء إلى الهاتف الذكي): يرى الباحثون أنه يحسُن التوقف من حين لآخر أثناء القراءة وأخذ نفس عميق "لأن التنهيدات -سواء طواعية أم لا- تنظّم اضطراب التنفس". قد يكون التنهد مفتاح تحسين الاستيعاب القرائي سواء كنّا نقرأ ورقيًا أم رقميّا.
شارك الصفحة
المزيد من المقالات

عن الكتابة
لماذا نكتب إذن؟ ربما كانت بداية الكتابة مع الإنسان القديم ليضع بصمته على العالم.

دليلٌ بشري لمراجعات الكتب
تشد الحاجة إلى مراجعات الكتب حاليًا، بسبب الطوفان الكبير من الإصدارات، فنحتاج إلى متخصصين، يرشدوننا لأفضل المطبوعات.

من القراءة المجردة إلى القراءة التزكوية تأملات أخلاقية لمفهوم القراءة في سورة العلق
اقترنت التزكية بأثر قراءة القرآن الكريم في النظم الكريم في مواضع متعددة.
