من فترة ليست بالطويلة كثر الحديث عن طرق تلقي المعرفة ما بين أسلوب بصري أو سمعي أو عملي. فانشغل الناس بالانتماء إلى طريقة من هذه الطرق ولم يفكروا في أصل العلاقة بين عملية التعلم والحواس. هذا ما ستتناوله المقالة اعتمادا على الأبحاث العلمية مضافا إليها الخبرة الشخصية للكاتب.
بداية لعل من الجيد أن نتناول طبيعة عمل الحواس وارتباطها بالأفكار على وجه عام، ثم بالتعلم على وجه خاص. فالمقصود هنا ليس مجرد بيان وظيفة كل حاسة، بل ما ينبني عليها تصورات ناتجة من تفاعلات معقدة. فعيون الناس تُبصر السكين بنفس الطريقة: معدن له طرف حاد، لكن تختلف الانطباعات والميول باختلاف الناس. فبعضهم ينقبض وبعضهم يسعد. لعل المنقبض رأى ذلك الشيء ملطخًا بدم إنسان قتله حالًا، والسعيد ربما رآه محاطًا ببقايا حلوى قسمها للتو. هدفنا هو التعرف على طريقة تكون تلك العلاقة بين المحسوس والمعنوي.
هل شعرت أنك تنشط مع مشاهدة محاضرة أكثر من سماعها؟ هذا حال 60 بالمائة من الناس.مما يشير إلى سطوة العين على باقي الحواس، وأن التفاعل البصري هو أكبر مدخل للمعلومات. ولكن من المهم أن نوضح معنى الإبصار هنا، فبرغم أن الحاسة التي تُستعمل لرؤية سيارة تتحرك في درس فيزياء هي هي التي تُستعمل لرؤية رموز ساكنة مكتوبة، غير أن طبيعة العمل تختلف بالكلية.
من أهم المميزات بين الفعلين: الخيال. حول نفس الموضوع، لننظر إلى قراءة كتاب بالمقارنة مع مشاهدته فيلما، سنجد أن فكرتنا تكون مقيدة بما رأينا في الفيلم، بينما القراءة تفتح بابا واسعا من الاحتمالات، ومن ثم تشحذ الذهن للتفكر والمقارنة ليصل إلى جواب. أما العين محدوديتها في رؤية العالم الحي لا تسمح للفكر أن يذهب بعيدا وراء ما يشاهد، هذا لما في الحاسة من قطع في الأمور، بينما اللغة فيها من التأويلات الممكنة ما يجعلها أكثر مرونة.
كأن تحريك الفكر على قدر سكون المَشهد، والوصول إلى رأي صائب على قدر تعدد الإمكانات المطروحة.
أذكر أني شاهدت مسلسلا تلفزيونيا عن نبي من الأنبياء، وكلما مر ذكره في قراءتي للقرآن، تحضر تلك المشاهد بقوة، لدرجة أنها تشكل فهمي للنص فيتقيد بها. في مقابل هذا، ألاحظ حرية أكبر في التخيل في قصص أولئك الأنبياء التي لم أتلقها سوى عن طريق القراءة، فأستطيع مع كل تدبر ومع كل ازدياد لغوي أن أضيف شيئا إلى صورتي الذهنية عنها.
قد يُقال: لماذا جعلت القطع رذيلة؟ بينما الظن وتدوير الاحتمالات فضيلة؟ ألسنا في سعي دائم إلى تحصيل اليقين والتخلص من الشك؟
الأمر راجع إلى الشيء موضع التعامل. من المفيد جدا أن يقطع الإنسان، بل وأن يسعى إلى الإحاطة بالأمور المادية في هذا العالم، أنه مثلا إذا مس نارا أن تكون محرقة، أو إذا رمى شيئا أنه سيسقط بفعل الجاذبية. لا مكان للاحتمالات هنا. لكن انظر إلى الجانب الإنساني/الاجتماعي للعالم، وهو أكبر بكثير من المادي، تُرى هل يُفيدنا أن نجزم بشيء فيه؟ ييسر لنا الجواب النظر إلى حال هذا الإنسان منذ أن كان: هل ثبت على حال؟ من وقت أن كان حاملا سهامه يطارد الحيوانات طول النهار ليأكل، إلى حين بنى المدن الكبيرة وأنشأ ناطحات السحاب. ومن حيرته في عبادة آلهة من صنعه، إلى هدايته إلى التوحيد، وغيرها من التطورات تخبرنا أن الإنسان لا يعرف الثبات.
فكما أن الجزم بقوانين العالم المادي مفيد جدا، كذلك فتح باب الاحتمالات للعالم المعنوي مفيد. تخيل لو أننا وصمنا مجموعة من الناس لأفعالهم السيئة واعتقدنا بأنه "هكذا طبيعتهم"، ألن يكون هذا سدا لباب التغيير للأفضل؟ حتى العالم المادي، ليس ماديا محضا، بل إن جزءا ليس بالصغير منه قائم على الخيال، هناك جزء خاص من العلم يُسمى: الخيال العلمي science fiction فهل كان اختراع الطائرة مثلا ممكن بدون خيال؟ هذه علاقة أسلوب التلقي بالخيال، فكيف بالذاكرة؟
كيف تعمل ذاكراتنا مع أنواع المدخلات المختلفة؟ هل يثبت الشيء بالذاكرة إذا كان مسموعا أو مرئيا أو معنويا؟
الملاحظ أن هناك نوع ارتباط بين كل هذا. فإذا أردنا أن نستحضر صورة مثلا، قد يكون التعرض لما كان يُسمع حين رؤيتها أول مرة مساعدا. هذا تذكر حسي بواسطة حسي آخر. أما استحضار معنوي بحسي والعكس فهو أعم. مثل أن نتذكر قيمة معنوية كالصدق مثلا عندما نقابل زميلا شاركنا قراءة نص حوله. أو نتذكر معنى الحرية حين نشم طيبا مشابها لطيب من كان يحدثنا عنها، وهلم جرا.
فتلك المعاني غالبا لا شأن لها بالحس أو تطلب مساهمة ضئيلة كرؤية كلمات المقروء أو سماع الحوار، غير أنها تختلط اختلاطا كبيرا مع باقي الحواس. فيرتبط المعنى بما نرى ونسمع ونشم ونشعر عند التعرض. وقد يسبب هذا تشتتا.
في مذكراته "بصر ثان"، يحكي لنا روبرت هاين، البروفيسور في التاريخ في جامعة كاليفورنيا، تجربته في هذا الشأن. كان روبرت قد أُصيب بالعمى وهو في الخمسين من عمره، لكن عاد إليه البصر بعد 15 عاما. فقد عالج العالم بالحالين: الإبصار والعمى. ويذكر أن "للعيون دور كبير في تشتيت الانتباه وفقدان التركيز، وصعوبة الوصول إلى العالم الداخلي، فالنفس تكون في اضطراب لكثرة المنبهات المرئية الفائقة، والتيار المستمر من الانطباعات المتزامنة الناتجة عن ذلك".
كلام البروفيسور عن ميزة عدم الرؤية بالكامل، ويمكن أن نسحبه إلى الرؤية القليلة المحدودة قليلة الألوان التي تتمثل في صفحة الكتاب، في مقابل عالم واسع ومتحرك ومليء بالألوان خارج الكتب. فليس عجيبا الآن أن نعرف لماذا حين نريد أن نستحضر شيئا من الذاكرة، نغمض أعيننا.
أهمية الوعي بكيفية عمل الحواس وكيفية اكتسابنا معارفنا بها قديمة، قال الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين: "فتكون الحواس الخمس كالجواسيس وأصحاب الأخبار الموكلين بنواحي المملكة [العالم]، وقد وكلت كل واحدة بأمر تختص به. ثم تُسلم هذه الأخبار إلى الحس المشترك وهو مثل صاحب القصص والكتب على باب الملك، فيأخذها ويجمعها ويحفظها، حتى يأت العقل ـوهو الملك ـ ويطلع على أسرار المملكة ويحكم فيها بأحكام عجيبة".
الخلاصة:
القدرة على التعلم تعتمد على القدرة على التخيل.
القراءة تُثري العقل وتفتح أمامه بابا من الإبداع، بخلاف المشاهدة التلفزيونية، التي تفرض قيودا على التصور.
الحواس هي وسيلتنا في الاتصال بالعالم، لكن ينبغي ألا نجعلها الوحيدة.
من المهم أن نتأمل طبيعة عمل أدوات الحس وكيف تشكل عالم المعنى.
شارك الصفحة
المزيد من المقالات

عن الكتابة
لماذا نكتب إذن؟ ربما كانت بداية الكتابة مع الإنسان القديم ليضع بصمته على العالم.

دليلٌ بشري لمراجعات الكتب
تشد الحاجة إلى مراجعات الكتب حاليًا، بسبب الطوفان الكبير من الإصدارات، فنحتاج إلى متخصصين، يرشدوننا لأفضل المطبوعات.

من القراءة المجردة إلى القراءة التزكوية تأملات أخلاقية لمفهوم القراءة في سورة العلق
اقترنت التزكية بأثر قراءة القرآن الكريم في النظم الكريم في مواضع متعددة.
