قرأت رواية "مدل مارش" لأول مرة في حياتي في سنتي الجامعية الثانية، ولم أفهمها حينها، ما الذي يجبر دوروثيا الشابة الذكية على الزواج من ذلك العجوز المزعج؟ كيف تكون بهذه الحماقة؟ ويبدو أن زملائي في الصف لم يفهموها أيضًا، مما أخرج أستاذنا عن شعوره، فصاح فينا "بالطبع لا تفهمون" وأخذ رشفة من صودا الحمية ثم تابع "صدقوني ستعيدون قراءة هذا الكتاب وأنتم في الأربعينات، بعد أول تجربة طلاق، وحينها ستقولون: آه فهمت الآن!"
من مآسي تعليم العلوم الإنسانية أن المرء يتلقى قدرًا كبيرًا منه بين سن الثامنة عشرة والثانية والعشرين. نحن لا نعلم الناس القيادة في سن الثانية عشرة وهم لا يمتلكون سيارات، فلماذا نجعلهم يقرأون روايات عن حسرات الحياة وهم لم يجربوها بعد؟ ومع ذلك توجد نظرية وراء تكليف طلاب السنة الثانية برواية "مدل مارش": وهي أن المعرفة التي تُكتسب مبكرًا تُحفظ في الذهن إلى حين الحاجة إليها، فأنماط التفكير التي تنشأ الآن تُستعاد في وقت لاحق، والأفكار التي نتعرض لها أولًا في الأدب تهيئنا لبقية حياتنا. سترى الأمر عشوائيًا وغامضًا حتى تتأمل حقيقة أن المعرفة لا تأتي أبدًا في لحظة تطبيقها. قد تدرس في كلية الحقوق اليوم حتى تترافع عن قضية معقدة بعد سنوات، وتتعلم الإنعاش القلبي الرئوي لتنقذ غريقًا بعد سنوات، وتقرأ على الإنترنت عن كيفية ردع دب هائج لأنك لا تعلم ما تخبئه الأيام. كانت شركة تويوتا رائدةً في استخدام منهجية تُعرف بـ "التصنيع في الوقت المناسب" في منتصف القرن العشرين، والتي بموجبها تجمع أجزاء السيارات وتُسلَّم في أقرب وقت ممكن من ساعة التجميع. حققت هذه الاستراتيجية أعلى كفاءة لأنها خفضت الهدر وتكلفة التخزين. لكن العقل البشري لا يعمل بهذه الطريقة، بل لا بد أن تظل المعرفة غالبًا في مستودعاتنا العقلية لعقود حتى نكتشف كيف نستعملها.
يرى ليزلي فاليانت، وهو عالم حاسوب بارز وأستاذ في جامعة هارفارد، هذا الأمر مصدر قوة لنا، ويسمي قدرتنا على التعلم على المدى البعيد "قابلية التعلم" ويؤكد في كتابه الحديث "أهمية أن تكون قابلًا للتعلم" أنها مفتاح نجاحنا. عندما نفكّر فيما يميز عقولنا فإننا نركز عادة على الذكاء. لكن إن أردنا أن نفهم الواقع بكل تعقيداته، فيرى فاليانت أن "الذكاء وحده لا يكفي". نحن بحاجة إلى بناء نظريات واسعة ومرنة عن العالم -نظريات تخدمنا في الظروف الجديدة والمفاجئة والغريبة- وهذا يتم بجمع أنواع مختلفة من المعارف، بطريقة بطيئة وتراكمية وعشوائية غالبًا، ونسجها معًا. وبهذه العملية نكتسب منظومات فكرية أوسع وأثرى مما يكتسبه المرء من التجربة الشخصية المباشرة، وهكذا نجد أنفسنا بعد الطلاق الأول نستلهم الحكمة من الأدب الإنجليزي.
نال فاليانت جائزة تورينج لعام 2010، والتي تعادل جائزة نوبل في مجاله، لتطوير أفكار كانت أساسًا للذكاء الاصطناعي والحوسبة الموزعة التي يعمل فيها عدة حواسيب معًا لحل المشكلات. يقارن فاليانت في كتابه بين أسلوب الذكاء الاصطناعي وأسلوبنا في التعلم، ويرى أن الذكاء الاصطناعي قد يكون شديد الذكاء وحتى قد يفكر بصورة حدسية نوعًا ما مثل الإنسان، إلا أن هذه الأنظمة ليست بمرونة العقول البشرية لأنها ليست قابلة للتعلم. وحتى أكثر أدوات الذكاء الاصطناعي تطورًا تتعلم من خلال عملية صارمة تُدرَّب فيها بتكاليف باهظة ولا تزداد ذكاءً مهما كان قدر المعلومات الجديدة التي تستوعبها، كما لو أن عقولها تجمد يوم تخرجها. أما البشر فيطوّرون عقولهم باستمرار من خلال عملية جارية مفتوحة تربط الحقائق والأفكار المكتسبة حديثًا بتلك التي جُمعت قبل زمن. نحن "نجمع أجزاء المعارف المكتسبة على مر السنين" ونحولها إلى "نظريات بالغة التعقيد مكونة من أجزاء متعددة ومتباينة".
يقول فاليانت إنه يحاول ألا يصف البشر بكلمة "ذكاء" (بل إنه "يتفاجأ أحيانًا" عندما يسمع الآخرين يستخدمونها) ويفضّل "القدرات القيّمة التي تنطوي على التعلم بطريقة ما والتي لا تدركها المفاهيم التقليدية لمعدل الذكاء (IQ)". يقول إن العقل القابل للتعلم بوسعه أن يتعلم من الكتب والمحاضرات والمحادثات والتجارب وألغاز الزن -من أي شيء تقريبًا- ويربط المعارف التي كادت أن تُنسى باللحظة الحالية. إننا نعجب من قابلية شخص للتعلم عندما يقال إنه سريع الفهم أو يقبل التوجيه، لكن ما يجعله قابلًا للتعلم حقًا هو أنه يطبق المعارف على "أغراض لم تكن متوقعة وقت التعلم أو التدريب". قابلية التعلم تشبه إلى حد ما "ذكاء الشارع" -أي "القدرة الفائقة على التعامل مع جوانب الحياة العملية"- وله ارتباط وثيق بامتلاك الحس السليم. يقول فاليانت إن وصف شخص ما بأنه "مثقف" قد لا يعني بالضرورة أنه قضى وقتًا طويلًا في الدراسة، بل قد يعني أنه قابل للتعلم بصورة استثنائية ولديه القدرة على "حسن اغتنام الفرص التعليمية سواء كانت رسمية أم غير رسمية".
يشير فاليانت إلى أننا نقدّر قابلية التعلم في الأطبّاء أيضًا. تخيل أنك تشعر بألم في جنبك، فهل هو التهاب في الزائدة الدودية؟ يقول إنه ليس من الحكمة أن تعتمد على ما تعرفه عن المرض بناءً على ما أخبرك به بضعة أشخاص أصيبوا به، بل ستبحث عن طبيب مرّت عليه آلاف الحالات. يمكن أيضًا تدريب أداة ذكاء اصطناعي طبية بفحص آلاف الحالات، بل "إن درست مليون حالة، وهو وضع يتجاوز التجربة الإنسانية، فقد تقدم تنبؤات تفوق حدسنا". ومع ذلك يجادل فاليانت بأن "السبب الذي يدفعنا إلى زيارة الأطباء ليس أنهم رأوا ألف حالة فحسب، بل اعتقادنا أن الأطباء يقدمون نتائج إضافية". وأساس تلك القيمة الإضافية هو قابليتهم للتعلم.
لا يخوض فاليانت في التفاصيل، لكن بوسعنا أن نتخيل بأنفسنا القيمة التي توفرها قابلية التعلم لدى طبيبة ما. قد تعتمد هذه الطبيبة على مجموعة من الأفكار والروابط التي اكتسبتها على مدار سنوات من التعلم. وبالطبع درست التهاب الزائدة الدودية في كلية الطب، واستنتجت بسرعة أنك تعاني منه. لكن قد يصادف أن أخاها شغوف بركوب الدراجات، ولاحظت أنك تشرب من زجاجة مياه عليها شعار تعرفه من دراجة أخيها. ألم تنتشر على الإنترنت مقالة عن خطورة مسارات الدراجات في المدينة؟ فكوّنت نظرية جديدة، ولا بد أن تطرح أسئلة أكثر عن خصوصيات حياة المريض. فتسألك إن كنت تركب الدراجات، وتكتشف أنك كذلك، وأخيرًا تحدد المشكلة الحقيقية وهي ضلع مكدوم إثر سقوطك من على الدراجة وعدم أخذ استراحة كافية حتى يلتئم. إن قابلية التعلم هي ما جعلت الطبيبة تنظر إلى حالتك بصفتها فرصة للتعلم، مما حسّن كفاءتها في مهنتها.
هذا مثال واضح ومباشر لقابلية التعلم، لكن الظاهر أن فاليانت يتحدث أحيانًا عن شيء أكثر شمولًا وأقوى تأثيرًا. فالروابط والتطبيقات الجديدة للمعرفة الناتجة عن قابلية التعلم مفيدة بالتحديد لأنها غير واضحة. أحيانًا أتعلم درسًا في أحد جوانب الحياة ثم أكتشف أنه ينطبق على جانب آخر: على سبيل المثال عندما أسبح بمحاذاة الشاطئ أنظر إلى المظلات على الرمال ويدور في ذهني أني لم أحقق تقدمًا يُذكر، لكن عندما أنتقل من السباحة الحرة إلى السباحة على الظهر أتفاجأ من المسافة التي قطعتها دون أن ألحظ. وقد كان اكتشاف أن التقدم التدريجي يبدو أسرع عندما أتركه يتراكم قبل أن الحكم عليه مفيدًا لي في كتابتي (وأيضًا في تحفيزي لتنظيف المرآب). كثيرًا ما أستحضر دروس الهندسة المدنية التي درستها في الجامعة والتي تركز بالتحديد على القوى الهيكلية التي تتحملها الجسور وناطحات السحاب. تضغط الرياح بقوتها على طول ناطحة السحاب مما يجعلها تميل، وكذلك إن أضيف إلى حياتك مصدر ضغط جديد لا يمكن فصله سيزداد الضغط على كل جانب. من الممتع أن ترى عقلك من منظور قابلية التعلم، إذ يجعلك تتساءل عن أشكال التلاقح الأخرى التي حدثت.
يرى فاليانت أنه من المفيد تبني قابلية التعلم كقيمة مثالية. يمكننا أن نعمل على تقييمها وتعليمها في المدارس أو تشجيع الكبار عليها، فالتسارع التغير التكنلوجي الذي نعيش في ظله يفرض علينا تعلم المزيد باستمرار، ولذلك يحسن أن نسعى إلى بناء مجتمع أكثر قابليةً للتعلم بوجه عام. (سيزداد تسارع هذا التغيير إن ثبت مقترح فاليانت بأن الذكاء الاصطناعي لديه "قابلية تعلم اصطناعية") بعد قراءة هذا الكتاب بدأت أفكر في تحسين قابليتي للتعلم، وقررت أني سأسعى إلى تعلم موضوعات أوسع، وسأخوض تجارب أكثر، واثقًا بأن عقلي سيجمعها معًا يومًا ما. كما اكتشفت أنه لا يضر أن أذكّر نفسي بما تعلمته. في أسفل السرداب توجد بضعة أرفف تحمل الكتب التي قرأتها في المرحلة الجامعية والدراسات العليا، وهناك "ميدل مارش" بين العديد من الكتب التي لم أفهمها حينها، ثم صدرت أقدّر قيمتها بمرور الوقت. إن القراءة الواسعة عن أشياء لا تبدو مفيدة عمليًا أو في الحال، على أمل أنك تقرأ الآن ما ستجد ثمرته لاحقًا، هو جوهر التعليم الحر. مَن كان يظن أن خير مدافع عنه سيكون عالم حاسوب؟
شارك الصفحة
المزيد من المقالات

عن الكتابة
لماذا نكتب إذن؟ ربما كانت بداية الكتابة مع الإنسان القديم ليضع بصمته على العالم.

دليلٌ بشري لمراجعات الكتب
تشد الحاجة إلى مراجعات الكتب حاليًا، بسبب الطوفان الكبير من الإصدارات، فنحتاج إلى متخصصين، يرشدوننا لأفضل المطبوعات.

من القراءة المجردة إلى القراءة التزكوية تأملات أخلاقية لمفهوم القراءة في سورة العلق
اقترنت التزكية بأثر قراءة القرآن الكريم في النظم الكريم في مواضع متعددة.
