عندما أذكر لأحد من الآباء هذه الأيام أني أكتب روايات للأطفال من الصف الخامس إلى الثامن، غالبًا ما يأتيني اعتراف مشفوع بأسى: "ابني لا يقرأ، على الأقل كما كنت أقرأ أنا". أتفهم شعورهم تمامًا، فابناي -أحدهما يافع والآخر مراهق- لا يقرأون أيضًا مثلي عندما كنت في أعمارهما. ففي المرحلة الابتدائية كنت ألتهم أي كتاب يقع في يدي، من الكلاسيكيات مثل (ساحرة بركة بلاكبيرد) إلى السلاسل الحديثة الرائجة مثل (اختر مغامرتك). ولمّا وصلت إلى المرحلة المتوسطة كنت أقرأ الروايات الضخمة مثل أعمال لويزا ماي ألكوت وجون رونالد رويل تولكين. ليس كل طفل قارئًا من هذا النوع -أو كان كذلك- لكن ما يلاحظه الآباء اليوم هو تقلص عدد الأطفال الذين يقرأون على نطاق واسع وبنهَم للاستمتاع.
لا شك أن انتشار الشاشات وجاذبيتها لهما دور كبير في ذلك -معظم الأطفال الأمريكيين يتملكون هاتفًا ذكيًا في سن الحادية عشرة- وكذلك ما طرأ من تراجع في التعليم أثناء الجائحة. لكن هذه ليست القصة كاملة. فقد أظهر استطلاع أجراه التقييم الوطني للتقدم التعليمي قبل الجائحة مباشرة أن نسبة الأطفال بين عمر 9 إلى 13 الذين يقرأون للاستمتاع قد انخفضت بأرقام مضاعفة منذ عام 1984. تحدثت مؤخرًا مع عدد من المعلمين وأمناء مكتبات عن هذه الظاهرة، وقد ذكروا عددًا من التفسيرات، لكن وجدت أحد أكثر التفسيرات إقناعًا -وإحباطًا- متجذر في الأسلوب الذي يعتمده النظام التعليمي لربط الأطفال بالكتب.
أكثر ما أذكره عن القراءة في طفولتي هو شغفي بالشخصيات والحكايات، كنت مغرمة بشخصية (مارغريت) التي رسمتها المؤلفة جودي بلوم وشخصية (رالف إس. ماوس) للمؤلفة بيفرلي كلياري. التحقت بمدرسة ابتدائية حكومية في نيويورك في أوائل الثمانينات، وكنا نخضع لتقييمات حكومية تختبر مستوى القراءة والفهم القرائي، لكن التركيز كان على قراءة أكبر عدد ممكن من الكتب والتفاعل معها وجدانيًا، كانت تلك هي الطريقة المتبعة لتطوير المهارات المطلوبة. أما التركيز على القراءة التحليلية الآن فيبدو أنه يقضي على ذلك الاستمتاع الطبيعي. القراءة النقدية مهارة مهمة، خاصة لجيل يُقصَف بوابل من المعلومات كثير منها غير موثوق أو مضلّل، لكن هذا التركيز المفرط على التحليل يأتي بثمن باهظ: الشغف بالكتب ورواية القصص آخذ في التلاشي.
يبدأ هذا الإهمال للقصص في وقت مبكر من المرحلة الابتدائية. اقرأ مثلًا هذا المتطلب من مقياس المهارات اللغوية الإنجليزية للصف الثالث ضمن المعايير الأساسية المشتركة (Common Core)، والذي يطبَّق على نطاق واسع في الولايات المتحدة: "تحديد معاني الكلمات والعبارات حسب ورودها في النص، مع التمييز بين اللغة الحرفية وغير الحرفية." من الطرق الممتعة والسهلة للتعريف بهذه المفاهيم: قراءة قصة (أميليا بيديليا) للكاتبة بيغي باريش، حيث تتبع الخادمة التي تحمل اسم الرواية الأوامر حرفيًا مثل "أسدلي الستائر عند شروق الشمس." برسم صورة للستائر [استُخدمت كلمة Draw، والتي تعني إسدال أو رسم حسب السياق]. لكن يقترح أحد التربويين المتمرسين في كتابة مناهج متوافقة مع المعايير الأساسية أن تُدَرَّس هكذا: أولًا، يعرّف المعلم مفهوم اللغة غير الحرفية والمجازية، ثم يقرأ الطفل فقرة واحدة من قصة أميليا بيديليا ويجيب الأسئلة المكتوبة.
أي أحد لديه معرفة بالأطفال يدرك أن هذا يتعارض مع الإثارة والتشويق. أفضل طريقة لتقديم فكرة مجردة للأطفال هي جذبهم بقصة، حيث تكون اللغة غير الحرفية أكثر تشويقًا وأسهل استيعابًا، خاصة لطفل في عمر الثامنة بعدما يضحك من تصرفات أميليا الفكاهية أولًا. إن عملية التعرف على الشخصية وملازمتها خلال سلسلة من الأحداث هو الجزء الممتع في القراءة، أما أخذ فقرة من منتصف الكتاب فلا يختلف عن تنظيف الغرفة تقريبًا بالنسبة لمعظم الأطفال.
لكن كما وضّح لي عدد من التربويين، فإن قوانين المساءلة وسياساتها -بدءً من قانون عدم إهمال أي طفل عام 2001- وما صحابها من تقييمات عالية المجازفة القائمة على معايير سواء كان المعايير الأساسية المشتركة أم غيرها، قد فرضت ضغطًا هائلًا على المعلمين لتدريس ما سيختبر فيه الطلاب على حساب أفضل الأساليب التعليمية. أمضت جينيفر لاغارد أكثر من عشرين عامًا تعمل أمينة مكتبة أو معلمة في مدارس حكومية، وقد ذكرت أن إحدى هذه الممارسات -القراءة الجهرية في الفصل- تؤدي دائمًا إلى سؤال الأطفال لها عن كتب مماثلة. لكن القراءة الجهرية الآن معرضة للخطر بسبب ضرورة التأكد من إتقان الأطفال جميع المعايير التي تنتظرهم في التقييم، وقد صارت هذه المهمة أشق منذ بداية الجائحة. تقول: "هناك الآن جيل كامل من الأطفال يربطون القراءة بالتقييم".
وبدخول المرحلة المتوسطة لا يتناقص الوقت المخصص للأنشطة كالقراءة الجهرية فحسب، بل يظل يركز التدريس بشدة على تحليل الفقرات، كما تقول جينيفر لاغارد التي درّست هذه الفئة العمرية. وقد أخبرتني صديقة أن معلمة ابنها في المرحلة المتوسطة عرّفتهم برواية "أن تقتل طائرًا بريئًا" وأخبرتهم أنهم سيقرؤونها على مدار عدد من الأشهر، وقد لا يسعفهم الوقت لإنهائها. تساءلت "كيف لا يأتون على نهاية أن تقتل طائرًا بريئًا؟" وأنا أتفق معها، فلا يمكن أن تغرس في الأطفال حبّ القراءة إن لم تكن حتى تعطي أولوية لإنهاء الكتاب. تكمن المكافأة في الثمرة الوجدانية التي تأتي عند بلوغ ذروة القصة.
ليس بالضرورة أن يركز كل معلّم على الفقرات الأدبية القصيرة على حساب الحبكة بأكملها. لكن هذه الفكرة الشائعة -أن قراءة كتاب تعني الإفراط في تحليله حدّ الملل- قد أدت إلى تفاقم الفجوة بين الأدب الرفيع والسطحي. سألت مؤلفة لكتب الأطفال في المرحلة المتوسطة على تويتر مؤخرًا "كيف تصفون كتبكم التي هدفها تقديم متعة خالصة للأطفال؟" فردت عليها معلمة للصف الخامس متقاعدة بدت الدهشة في جوابها: "لم أصف كتابًا قط بأنه ممتع، قد أقول كتاب رائع، كتاب مضحك، كتاب مؤثر [لكن بعد التفكير مليًا الآن وجدت أنه لا عيب في ذلك] كثير من الكتب ممتعة بالفعل!"
ومع ذلك، ففكرة أن قراءة جميع أنواع الكتب أمر ممتع ليست هي الرسالة التي يستقبلها الأطفال. حتى وإن قرأ جميع طلاب المرحلة المتوسطة (يوميات طفل مستضعف) فإنها لن تحمّسهم للانتقال إلى كتب فيها تحد أكبر. فالكتب الطويلة على سبيل المثال تعد أقل "متعة"، وبعض أمناء المكتبات والمعلمين والآباء يلاحظون تراجع قدرة الأطفال على تحمل القراءة المطولة بعد الانقطاع الذي أحدثته الجائحة. يمكن ملاحظة هذه العوامل مجتمعة في دعوة حديثة إلى الكتب الأكثر إيجازًا. لكن لا يسع المرء إلا أن يتساءل ما إذا كانت هذه أيضًا نتيجة طبيعية لتقديم الأدب للأطفال بجرعات صغيرة في حجم الفقرة.
علينا أن نخاطب الأطفال على قدر مستواهم، ولذلك في الوقت الراهن أكتب قصصًا أقصر وأقل تعقيدًا. وفي الوقت ذاته لا بد من معالجة جذور المشكلة، والتي لا تتعلق بطول الكتاب، بل بالنظام التعليمي. يجب ألا ندع الاختبارات تتحكم في أسلوب المعلّم في التدريس: نعم قد تكون القراءة المتعمقة أسهل في التقييم، لكنها ليست الطريقة المثلى لغرس حب القصص في الأطفال. ينبغي أن يُمنح المعلمون الحرية للتدريس بالطرق التي تتناسب مع احتياجات الطلاب التنموية، واستخدام الكتب التي يعلمون أنها ستحمّس الأطفال وتتحدى قدراتهم. (والآن نحظى فرصة أكبر لإثارة المتعة لدى شريحة أوسع من القراء مع وجود كتب شخصيات متنوعة أكثر من أي وقت مضى). يجب إلزام الأطفال بقراءة كتب أكثر بدلًا من مجرد تحليل الفقرات، وتشجيعهم على التفاعل مع هذه الكتب كما يتفاعلون مع السلاسل "الممتعة" وألعاب الفيديو والبرامج التلفزيونية.
ينبغي أن يستشعر اليافعون المتعة الكامنة في خوض رحلة سردية، وإقامة رابطة عاطفية مع الشخصية (بما في ذلك التي تختلف عنهم)، والتطلع إلى معرفة الأحداث التالية ثم استكشافها. هنا يكمن سحر القراءة. ومثل أي خدعة يجريها الساحر، تفكيك القصة وتعلم كيفية حبكها قبل الاستمتاع بعجائبها قد يدمر سحرها.
شارك الصفحة
المزيد من المقالات

عن الكتابة
لماذا نكتب إذن؟ ربما كانت بداية الكتابة مع الإنسان القديم ليضع بصمته على العالم.

دليلٌ بشري لمراجعات الكتب
تشد الحاجة إلى مراجعات الكتب حاليًا، بسبب الطوفان الكبير من الإصدارات، فنحتاج إلى متخصصين، يرشدوننا لأفضل المطبوعات.

من القراءة المجردة إلى القراءة التزكوية تأملات أخلاقية لمفهوم القراءة في سورة العلق
اقترنت التزكية بأثر قراءة القرآن الكريم في النظم الكريم في مواضع متعددة.
