كتابة: ليز مينيو
يترك البعض الكتاب دون شعور بالذنب، فيما يصر آخرون على قراءته من الغلاف إلى الغلاف. يستعرض قرّاء هارفارد معاييرهم في هذا الشأن.
ينقسم الناس إلى فريقين في مسألة عدم إتمام الكتاب حتى خاتمته: أحدهما يرى أنه يجب إتمام ما بدأناه، والآخر يجزم بأن الحياة أقصر من أن نهدرها في قراءة كتب لا نستمتع بها.
استطلعت صحيفة هارفارد غازيت آراء عدة أمناء مكتبات وأستاذ في الدراسات الكلاسيكية وباحثة في الأدب ومُحاضرة في اللغة الإنجليزية، في مسألة أثارت نقاشات حادة بين محبّي القراءة. ومع أن القرّاء السبعة المشاركين في التقرير اتفقوا على أن "الحياة أقصر من أن تُهدر"، فقد اختلفوا في التوقيت المناسب لقطع قراءة الكتاب دون الشعور بالذنب.
ترى ماريا تاتار، الأستاذة الفخرية لكرسي جون لوب في اللغات والآداب الجرمانية والفلكلور والأساطير، أن قراءة كتاب بمثابة تلاقٍ سحري بين عدة عوامل تتضافر لتمنح القارئ تجربة مُرضية، فلو غابت منها المتعة قد تغدو تجربة مخيبة للآمال، وإن كان ترك الكتاب يمنح شعورًا بالتحرر.
ذكرت تاتار في رسالة بالبريد الإلكتروني "القراءة تجربة شاعرية من نوع خاص، ومن هنا ينبع الحزن الذي يغمرنا حين ننفصل عن الكتاب. أنا أنشد الجوهر والسحر معًا، محتوى يأسر اللب وسحرًا يفيض من بين السطور".
وتضيف أنه عند غياب سحر المادة ينبغي أن يتصرف القراء بناءً على ذلك، سواء بلغوا 50 صفحة أم 100 صفحة، فوقت القارئ هو الفيصل.
تقول "عندما لا يأسرني سحر الكتاب وقد قطعت 50 صفحة أو نحو ذلك، فإني أنحيه جانبًا. وأحيانًا أدرك في منتصف الكتاب أني قد استوعبت فكرته ولا بأس بعدم إتمامه، وهذا يحدث كثيرًا مع السير الذاتية على سبيل المثال".
ريد لوري، رئيس الخدمات البحثية في مكتبات كلية الآداب والعلوم ومن هواة أدب الجريمة، لا يجد أي حرج في ترك الكتاب حين يلجأ المؤلف إلى العبارات المبتذلة أو القوالب النمطية المفتقرة إلى الإبداع.
يقول "تكمن خطورة التمسك بكتاب من هذا النوع حتى تمامه في أنك تخضع تحت رحمة حبكة سخيفة قد تجعل قراءة مئات الصفحات السابقة تبدو مضيعة للوقت (مثال "كان زوجها المفقود يعيش طوال هذه المدة في كهف قريب من منزلها، وقد التقت به عدة مرات دون أن تدرك أنه زوجها!"). واصل قراءة الكتاب إن كنت تستمع به و/أو تتعلم منه، فإن لم يكن هذا ولا ذاك فدعه وابحث عن كتاب آخر".
أليساندرا سايتر، أمينة مكتبة المشاركة المجتمعية في كلية كينيدي بجامعة هارفارد، تحث القراء على اتباع حدسهم، حيث تقول "لو شعرت أن لكتاب لا يلبّي تطلعاتك أو يشد انتباهك، أو رأيت أنها ليست المادة التي ترغب في بذل وقتك فيها، فإني أمنحك تصريحًا مهنيًا كاملًا للتخلي عن الكتاب".
وترى مايا بيرغاماسكو، أمينة المكتبة المختصة بدعم الأبحاث والأنشطة العلمية لأعضاء هيئة التدريس في مكتبة كلية الحقوق بجامعة هارفارد، أنه لا بأس بترك الكتاب سواء كان السبب نفور القارئ من أسلوب الكتابة أو ضعف الحبكة أو رتابة الإيقاع.
تقول بيرغاماسكو "لو لم يرق الكتاب لي، فإني أدعه دون تردد. أنا حازمة جدًا في هذا الأمر، ففي الدنيا كتب لا حصر لها والعمر لا يتسع لقراءتها كلها. إذا تحولت القراءة إلى عبء ثقيل، فلم تتكبد هذا العناء؟"
لا تشغل بالك بقراءة الكتاب من الغلاف إلى الغلاف، بل ركز على التجربة نفسها، كما توصي صوفيا ماو، المحاضرة في اللغة الإنجليزية بقسم اللغة الإنجليزية.
تقول "ليست القراءة نشاطًا فرديًا -لا سيما في عصرنا الحالي- بل تجربة تنبض بالحياة داخل الفصول الدراسية وعلى منصة BookTok وفي فعاليات المكتبات العامة ومتاجر الكتب وفي المساحات المجتمعية. وبصفتي باحثة ومدرّسة للأدب، فقد ألفت نظر الآخرين لما يجعل كتابًا بعينه مميزًا يستحق القراءة، لكني أحب أيضًا معرفة الأعمال الأخرى التي تجذب الناس ودوافعهم نحوها. لن أمل أبدًا من الاستماع إلى أحاديث الناس عما يرون فيه جمالًا وأثرًا يحرك قلوبهم، فهذا ما يجعل القراءة متعة، وما يتحدى رؤيتي حول ما إن كان الكتاب يستحق القراءة أم لا.
ترى ماري فرانسيس أنجيليني، أمينة المكتبة البحثية في كلية التعليم المستمر، أنه لو كان اختيار الكتاب عشوائيًا فتكفي بضع صفحات للحكم عليه: "لمّا يكون غرضي من القراءة مجرد الاستمتاع، فإني أمنح الكتاب فرصة بنسبة 10% من صفحاته حتى يجذب انتباهي، فإن لم يرق لي فإني أدعه إلى كتاب آخر".
يحاول ريتشارد توماس، أستاذ الدراسات الكلاسيكية بكرسي جورج مارتن لان، أن يكون عمليًا في قراءته، فيقرأ المراجعات والتقييمات أولًا لاختيار الكتب غير الروائية، وهو النوع الذي يفضله.
يقول "من المهم أن يكون لديك خلفية عن الكتاب قبل الشروع في قراءته، ولذا أميل إلى قراءة العديد من المراجعات للتأكد من أن الكتاب يستحق وقتي. يوجد تباين هائل وواضح في جودة الكتب الصادرة حديثًا، مما يزيد احتمالية ترك الكتاب دون إتمامه، وهو ما قد ينفّر القارئ ويصيبه بالإحباط".
يرى توماس أنه ليس ينبغي أن يضمر محبو القراءة الشعور بالذنب أو الأسى على فوات أجزاء من الكتاب، وإن كانت استجابات نفسية مفهومة.
يقول "الشعور بالذنب وجلد الذات رد فعل طبيعي، غير أني لا أجد أي فائدة من الشعور بالذنب، ولا أدري لمَ يشعر المرء بالذنب لمجرد أنه لم يتم قراءة كتاب؟"
وتتفق تاتار معه، إذ تقول إنه يجدر بالقرّاء -بدلًا من تأنيب الضمير- أن يركزوا على اكتشاف الكتب التي تبهجهم، وأن يتقبلوا شعورهم بالحزن عند ختم كتاب نال إعجابهم.
تقول "أي ذنب؟ لا ذنب على الإطلاق، ما لم تكن ملتزمًا بقراءة الكتاب مع ناد قرائي فمفهوم أن تشعر بالتقصير حينها، أو بالطبع لو كان مقررًا دراسيًا. أما الأثقل على نفسي وما يملؤني حزنًا فهو لحظة إنهاء كتاب أحببته، حين أخرج من عالم استغرقت فيه وعشت في كنف شخصياته وتنفست معها".
شارك الصفحة
المزيد من المقالات

هل يُمكننا أن نتعلم ونحن نائمون؟
ماذا لو غفوت على تسجيل رواية "الحرب والسلام" أو دورة في لغة الماندرين، واستيقظت وقد استوعبتها استيعابًا تامًا؟

ما سر عجزك عن التركيز؟
حري بنا أن نأخذ موقفًا حازمًا ضد المحتوى فائق المعالجة كما نفعل مع الأطعمة فائقة المعالجة.

كيف تدوِّن يومياتك بلغة أجنبية لتساعدك على التعلم؟
الكتابة هي الطريقة التي أفكر بها؛ أخطط لمشاريعي على الورق، وأعالج مشاعري هناك.
