header

هل يُمكننا أن نتعلم ونحن نائمون؟

04 أكتوبر 2026
١٠ دقيقة قراءة

كتابة: شيلا لوف

في عام 1932، حصل المخترع ألويس بنجامين ساليغر على براءة اختراع لجهاز سايكو فون، وهو فونوغراف مزوّد بمؤقت زمني يتيح تشغيل تسجيلات صوتية أثناء نوم مستخدمه. كان بالإمكان سماع تلك التسجيلات من مكتب ساليغر ذي الإضاءة الخافتة الكائن بشارع لافاييت، منطقة مانهاتن السفلى. في تسجيل بعنوان "الرخاء" يردد ساليغر بنبرة رخيمة "أنا على ثقة تامة بجهاز سايكو فون، فهو يهدّئني حتى أستغرق في النوم، بينما يستمع عقلي الباطن إلى هذه التوكيدات ويتأثر بها بشدة: المال يريدني ويسعى إليّ". وفي تسجيل آخر بعنوان "الارتباط" يقول "أنا أفيض بالحب، شخصيتي ساحرة وجذابة، وحديثي ماتع، وصحبتي بهيجة، وأتمتع بجاذبية قوية".

جاء في إعلان بمجلة Psychology  أن الاستماع إلى رسائل ساليغر طوال الليل تحقق للمرء نتائج "يستغرق بلوغها بالجهد الواعي أشهرًا أو حتى سنوات". كان سعر الجهاز يصل إلى مئتين وخمسة وثلاثين دولارًا، وهو ما يعادل أكثر من أربعة آلاف دولار بقيمة العملة اليوم. وفي عام 1933، زار أحد كتّاب المجلة ساليغر واطلع على رسائل من عملاء راضين، فكان منهم من قال إنه تخلص من الوزن الزائد، أو حصل على أموال، بل ادعى أحدهم أنه يرتقب مولودًا بفضل جهاز سايكو فون.

طالما راود الإنسان حلم التعلم بلا جهد أثناء النوم. ماذا لو غفوت على تسجيل رواية "الحرب والسلام" أو دورة في لغة الماندرين، واستيقظت وقد استوعبتها استيعابًا تامًا؟ في الرواية الديستوبية "عالم جديد شجاع" لألدوس هكسلي، لم تكن تقنية الهيبنوبيديا -تعليم النائم- تعلّم لغات جديدة فحسب، بل كانت تستخدم لغسل أدمغة الناس بالرسائل الحكومية. وقد أفاد العديد من المفكّرين أن أهم أفكارهم أتتهم في أحلامهم، فالكيميائي الروسي ديمتري مندليف توصل إلى فكرة تنظيم العناصر في الجدول الدوري عبر حلم عام 1869، وكذلك استلهمت للروائية ماري شيلي حبكة رواية "فرانكشتاين".

أول ما شرع العلماء في دراسة محاولات التعلم أثناء النوم بدت النتائج واعدة؛ ففي دراسة أجريت عام 1916، تحسّن جنود البحرية في تعلم شفرة مورس حين بُثت على مسامعهم طوال الليل، وفي عام 1942، حاول أحد الباحثين حمل عشرين صبيًا في مخيم صيفي على الكف عن قضم أظفارهم، فشغّل عبارة "أظفاري مذاقها مر للغاية" عبر مكبّر للصوت ثلاثمئة مرة كل ليلة على مدار شهرين تقريبًا، وكانت النتيجة أن أقلع أربعون بالمئة منهم عن تلك العادة، في حين لم يتغير حال أي طفل من المجموعة المقابلة، وفي تجربة أخرى عام 1952 استظهر المشاركون عددًا أكبر من الكلمات الصينية عندما استمعوا إلى المفردات أثناء نومهم. غير أن هذه الدراسات المبكرة تشوبها عيوب جوهرية، وأبرزها عدم التحقق من استغراق الخاضعين للتجربة في النوم، فلم تكن فحوصات الدماغ متاحة على نطاق واسع آنذاك، وكانت المعرفة شحيحة بمراحل النوم، مثل مرحلة حركة العين السريعة التي تنشط فيها الأحلام. 

في ورقة بحثية نُشرت عام 1954، خلص الباحثان تشارلز سيمون وويليام إيمونز إلى أن المشاركين في معظم دراسات التعلم أثناء النوم كانوا مستيقظين في الواقع، ما يجعل نتائج تلك الدراسات لا قيمة لها. فالصبية يحتمل أنهم كفوا عن قضم أظفارهم لمجرد سماعهم رسائل سلبية، لا لأنهم استوعبوها بشكل لا واعٍ. ذكر كين بالر، وهو باحث في مجال النوم وعالم في الأعصاب الإدراكية بجامعة نورث وسترن، أن سيمون وإيمونز قد وضعا فعليًا فكرة التعلم أثناء النوم في نطاق الخيال العلمي والدجل، وقال "لم يدرس الناس هذا المجال كثيرًا لعقود طويلة، إذ يُعتقد أنه هراء وترهات".

غير أن العلماء أعادوا المحاولة في السنوات الأخيرة؛ ففي العام الماضي وفي مختبر بالر طرحت كارين كونكولي، وهي باحثة في مجال الأحلام كانت آنذاك في مرحلة زمالة ما بعد الدكتوراه، عددًا من الألغاز على مجموعة من أصحاب الأحلام الواعية، وهم مَن يدركون أثناء أحلامهم أنهم يحلمون. من بين المشاركين داشيل بارك هوس، وهي مهندسة برمجيات تبلغ من العمر خمسة وثلاثين عامًا وتقيم في شيكاغو، تذكرت أنها تملكتها الحيرة في أحد الألغاز: كيف تغرس أربع أشجار على مسافات متساوية من بعضها البعض؟ من البديهي أنه لا يمكن زراعتها على خط مستقيم، ولا يمكن ترتيبها في مربع أيضًا، فالمسافة بين الأشجار المغروسة على الأضلاع ستكون أقصر من المتقابلة قطريًا.

طلبت كونكولي، التي تراودها هي نفسها الأحلام الواعية، من المشاركين في الدراسة أن يحاولوا حل اللغز أثناء النوم تلك الليلة. قضت بارك هوس الليلة في مختبر بالر مع توصيل أقطاب كهربائية برأسها، وأخبرتني أن أحلامها في تلك الليلة لم تكن كلها واعية، غير أن مشهدًا من تلك الأحلام كان يحاكي لغز الشجرة بشكل خافت، فقد حلمت بأنها هي وأختها تطوفان على بالونات ترتفع منها أعمدة صاعدة. بدا ذلك الحلم مفتاحًا لحل اللغز: فلا بد من رفع إحدى الأشجار وزراعتها فوق تلة حتى تشكّل مواقعها الأربعة شكلًا هرميًا. قالت لي بارك هوس "لقد حللت اللغز في اليوم التالي".

بدأت الموجة الحالية من أبحاث التعلم أثناء النوم عام 2007 بعد تجربة مبتكرة أجراها فريقٌ بقيادة بيورن راش -وهو عالم سويسري متخصص في علم النفس الحيوي المعرفي وأبحاث النوم- فقد طلب الفريق من المشاركين حفظ مواقع محددة على رسم بياني مع استنشاق رائحة الورد، ثم تعرض المشاركون لاحقًا لنفس الرائحة مرة أخرى أثناء نومهم. وفي اليوم التالي لم يتذكر أحد استنشاق رائحة الورد طوال الليل، غير أن التعرض اللاواعي قد ساعدهم على تذكر المواقع بدقة أعلى. أجرى بالر تجربةً مماثلةً عام 2009، غير أنه استخدم الصوت هذه المرة. تعرف المشاركون على مواقع خمسين عنصرًا، واقترن كل منها بصوت مميز، ولمّا شغّل بالر مجموعة فرعية من تلك الأصوات على المشاركين أثناء نومهم -مع مراقبة الموجات الدماغية للتأكد من نومهم- لم يتذكر أحد أنه سمع أصواتًا، غير أنه بعد استيقاظهم تذكروا مواقع العناصر المقابلة لتلك الأصوات بصورة أفضل. يُعرف هذا النهج الآن بإعادة تنشيط الذاكرة المستهدفة.

يبدو أن ما نتعلمه أثناء النوم قد يؤثر على سلوكنا أيضًا؛ في عام 2014 كانت عالمة الأعصاب أنات أرزي طالبة دراسات عليا في معهد وايزمان للعلوم، وقد نشرت دراسة تعرّض فيها المشاركون أثناء نومهم لمزيج من الروائح المقترنة. أظهرت النتائج أن المدخنين الذين استنشقوا مزيجًا من رائحة السجائر والسمك المتعفن ليلًا قل استهلاكهم للسجائر بنسبة تتجاوز الثلاثين بالمئة، وهي نسبة تفوق ما حققه الذين استنشقوا نفس المزيج في حال اليقظة.

كانت أبرز نتائج راش وأرزي متعلقة بمراحل النوم التي تقل فيها الأحلام، غير أن إيما بيترز، التي تصف نفسها "مهندسة الأحلام" بجامعة برن، قد أجرت تجارب على أصحاب الأحلام الواعية في مرحلة حركة العين السريعة. يُطلب من المشاركين في هذه الأنواع من التجارب ممارسة أنشطة بدنية -مثل تحريك الأصبع أو قذف عملات معدنية أو رمي سهام باليد غير المهيمنة- داخل أحلامهم. وبعد الاستيقاظ تبين أنهم تحسنوا في تلك المهام أكثر من المجموعة المرجعية (بيد أن الأحلام بيئة يصعب التحكم فيها، إذ تشتت انتباه أحد الحالمين أثناء رمي السهام بسبب وابل من السهام أطلقته دمية ظهرت فجأة، فهذا لم يتحسن أداؤه في رمي السهام اليوم التالي).

 وفيما قد يُعد أكثر الأمثلة إثارة على التعلم أثناء النوم، شهدت كونكولي وبالر ونفر من المشاركين معهما ما يرقى إلى المحادثات الحية مع أشخاص في منتصف أحلامهم. أجرت مجموعات بحثية مستقلة في كل من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وهولندا تجارب طلبت فيها من المشاركين من أصحاب الأحلام الواعية الإجابة على أسئلة بنعم أو لا، وحل مسائل حسابية بسيطة. أكدت الأقطاب الكهربائية التي تقيس نشاط الجسم والدماغ أن المشاركين لم يكونوا مستيقظين. قال مارتن دريسلر، وهو باحث في مجال النوم بمعهد دوندرز والذي أشرف على التجارب الهولندية، إنهم تمكنوا من إيصال معلومات جديدة شفهيًا إلى العقل النائم، وتلقي استجابات لها. بل إن بعض المشاركين تذكروا الأسئلة التي طُرحت عليهم عندما استيقظوا. قال لي "هذا أحد أشد أشكال التعلم تعقيدًا".

كان كريستوفر مازوريك، أحد المشاركين في الدراسة، في التاسعة عشرة من عمره آنذاك. تذكر أنه استمع إلى مسألة حسابية -ثمانية ناقص ستة- أثناء حلم واع، لم يتذكر موضوع الحلم نفسه -قال إنه "يتعلق بلعبة الفيديو المفضلة لدي"- لكنه كان يعلم أن مصدر السؤال من خارج الحلم. وُجه كريستوفر للاستجابة بتحريك عينيه من اليسار إلى اليمين، وبالفعل أحصى الباحثون حركتين لعينيه نحو اليمين. أما غيره من المشاركين فقد شهدوا أصواتًا داخل سياق أحلامهم، فبدا لأحدهم أن الصوت ينبعث من مذياع داخل الحلم. وصف توماس أندريون -وهو عالم في علم الأعصاب المختص بالنوم في معهد باريس للدماغ ولم يشارك في هذا البحث- الدراسة بأنها "من أكثر الأوراق البحثية إذهالًا للعقل التي قرأتها في حياتي".

حلمت بارك هوس مرةً في مختبر بالر أنها تعرضت لحادث بسيارتها، وكانت مقتنعة بأن مشاركتها في الدراسة قد طالت حتى حرمتها من النوم، ورأت في حلمها أضواءً تومض فسّرتها بأنها الشرطة. قالت لي "كنت مذعورة لظني أني قتلت أحدًا. ثم أدركت أنها ليست الشرطة، فأنا في المختبر، وهذا ضوء المختبر". كانت تستطيع التواصل مع  كونكولي عبر إشارات العين، ومع كل هذا ظلت نائمة، لكنها تتذكر أنها شعرت بغرابة شديدة من تلقي إشارات من عالم اليقظة إذ تقول "تدرك أن شخصًا ما يتواصل معك مما يشبه بُعدًا آخر".

نُشرت دراسة كونكولي حول حل المشكلات في وقت سابق من هذا العام في مجلة Neuroscience of Consciousness. قضى عشرون مشاركًا من أصحاب الأحلام الواعية -بمن فيهم بارك هوس- عدة ليال في المختبر يحاولون حل ألغاز أثناء نومهم. اقترن كل لغز بصوت معين يُفترض أن يدفعهم إلى استئناف العمل على اللغز المرتبط به. حلم أحد المشاركين بأنه يطلب المساعدة من راكب معه في السيارة، فكان رد الراكب "في الحقيقة لا أعلم، اللغز صعب". وحلم آخر بحل اللغز حين ظهر في اختبار دراسي، ولمًا استيقظ وجد الحل جليًا في الحياة الواقعية. اكتشف المشاركون في المختبر حل اثنين وأربعين بالمئة من نسبة الألغاز التي ظهرت لهم أثناء نومهم، فيما لم يحلوا إلا سبعة عشر بالمئة من الألغاز التي لم تظهر أثناء النوم.

غير أن غالبية الناس لا تراودهم أحلام واعية، وبالتالي فمن شملتهم دراسة بالر وكونكولي لا يمثلون عامة الناس. لكن مما يبعث على الفضول أن المشاركين حققوا أعلى معدلات حل الألغاز عندما ظهرت في أحلام عادية، لا أحلام واعية. أوضحت لي مونيكا شوناور، وهي باحثة متخصصة في دراسات النوم بجامعة فرايبورغ ولم تشارك في هذه الدراسة، أن مراحل النوم تتباين فيما بينها بشدة. ولعل المرحلة التي تحدث فيها الأحلام الواعية لا تتيح ذلك القدر من القفزات الإبداعية. وقد وصفت البحث بأنه "مجنون"، مضيفة "أعني ذلك بأفضل صورة ممكنة، إنه مبهر".

فهل حان وقت تصميم جهاز سايكو فون جديد، بحيث يكون فعالًا هذه المرة؟ يقول بالر قد تكون أنواعًا معينة من التفكير أسهل حين نكون نائمين. ولحل لغز الأشجار أشار إلى أنه "عليك أن تفكر في بُعد آخر، أي ثلاثة أبعاد لا اثنين، وأنت تغرس الأشجار، ولعل عقلنا اللاواعي أفضل في هذه المهمة". ويقول أندريلون قد نكون أثناء النوم أكثر استعدادًا للربط بين مثيرات غير مرتبطة. ولعل هذا يفسر سبب تأثير رائحة دخان السجائر مع السمك المتعفن على النائمين دونًا عن المستيقظين.

غير أنه قد تترتب سلبيات على التدخل في نشاط أساسي وغامض كالنوم. إننا نعتمد على النوم لاستعادة عافية الجسم والعقل، فأهميته  لا تقتصر على تثبيت الذكريات المهمة، بل يُعتقد أنه يتخلص أيضًا من تلك التي يمكن نسيانها. يقول أندريون: "للنوم عالمه الخاص، وعلينا أن نستغل تلك اللحظات فيما خُلقت لأجله". أثبت بالر وآخرون في ورقة بحثية حديثة أن إعادة تنشيط الذاكرة المستهدفة قد يحدث اضطرابًا في النوم، وهو ما يقوض التعلم الذي يُفترض أن يتم في هذه العملية. 

حذّر أندريون من محاولة تسخير العقل النائم لخدمة عالم اليقظة، إذ وضح أن الأحلام ليست أرضًا قاحلة تنتظر من يعمرها، بل لها قواعدها الخاصة وتخدم أغراضًا قد لا نفهمها بالكامل، يقول: "علينا أن نهتم بها ونعززها ونرعاها، لا أن نحاول استبدالها". وتتفق معه في هذه النقطة كونكولي التي صارت حاليًا زميلة ما بعد الدكتوراه في جامعة كامبريدج. ففي مؤتمر عُقد قبل وقت قريب حول النوم، ناقشت فيه مخاطر محاولة "استعمار" النوم بما يسمى "قيم التمركز حول اليقظة"، وهي في حياتها الشخصية تفضل التعلم من النوم عوضًا عن التعلم أثناء النوم. 

راود كونكولي حلم واع مؤخرًا حيث ألفت نفسها أمام شجرة عتيقة في جذعها باب، ولما فتحته وقع بصرها على تابوت وجدت بداخله نفسها وهي عجوز. سألت كونكولي ذاتها المسنة: "ما الذي تمنيتِ لو عرفتيه في مقتبل عمرك، أو فعلتيه بشكل مختلف؟" فأجابت "وددت لو أصغيت أكثر". ثم سألتها كونكولي عما ستحققه في حياتها، فجاءتها الإجابة مخيبة للآمال، إذ قالت كونكولي: "ذكرت شيئًا متعلقًا بوظيفة إدارية في إحدى الجامعات، فقلت في نفسي: بل أصبو لما هو أعظم من ذلك!".


المصدر

شارك الصفحة

المزيد من المقالات

ما سر عجزك عن التركيز؟

ما سر عجزك عن التركيز؟

حري بنا أن نأخذ موقفًا حازمًا ضد المحتوى فائق المعالجة كما نفعل مع الأطعمة فائقة المعالجة.

ترجمة: يارا عمّار
كيف تدوِّن يومياتك بلغة أجنبية لتساعدك على التعلم؟

كيف تدوِّن يومياتك بلغة أجنبية لتساعدك على التعلم؟

الكتابة هي الطريقة التي أفكر بها؛ أخطط لمشاريعي على الورق، وأعالج مشاعري هناك.

ترجمة ومراجعة: إيثار الجاسر
الترجمان وملاحم اليونان

الترجمان وملاحم اليونان

قد بات كثير من القراء لا يرتاحون حين يجدون الكتب المترجمة مكتوبة على مثال الجملة القرآنية التي جاءت بأفصح لسان، ويتحرجون حين يجدون أن الكتاب المترجم وكأنه مكتوب بالعربية ابتداء لشدة إتقان المترجم وحذقه باللسان المبين.

حسان الغامدي