header

القراءة: التمرد الهادئ

يارا عمار
يارا عماريارا عمار
12 نوفمبر 2025
٦ دقيقة قراءة
priscilla-du-preez-4E4AccyhWZo-unsplash

عندما أعلنت لجنة نوبل عن فوز لازلو كراسناهوركاي بجائزة الآداب هذا العام، قصدت مكتبة بيلك وتناولت إحدى رواياته من على الرف. لم تكن أعماله مألوفة لي، لكن لمّا وُصف بأنه كاتب ديستوبي "صعب ومتطلب" انتابني الفضول لاستكشافها.

طالما انجذبت إلى الكتب الطويلة والمعقدة، مثل الحرب والسلام، الجذور، كريبتونوميكون؛ تلك الأنواع التي تمتد عبر الأجيال. لكن هذه المرة تعثّرت مع كراسناهوركاي ولم أستطع أن أتجاوز ثلاث صفحات، إذ تشتت انتباهي وضاع تركيزي وفقدت قوة التحمل التي تتطلبها القراءة العميقة.  

من السهل أن ألقي باللوم على الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي والتيار اللانهائي من المحتوى القصير، فالشاشات تتنافس على سلب انتباهنا في كل لحظة، وتدرَّب أدمغتنا على الاشتياق للإشباع الفوري وتفضيله على العُمق. لكن الشاشات ليست سوى مجرد جزء من نمط أكبر؛ وهو التضجّر المتزايد من السكون والملل والصبر والتركيز البطيء الذي يتطلبه التفكير العميق. لم يعد وقتنا فحسب هو ما يُهدر، بل قدرتنا على الانتباه المتواصل أيضًا. لقد صار التشتت هو الوضع الثقافي الافتراضي.

بصفتي أمين مكتبة أيقنت أن القراءة ليست مجرد مهارة أكاديمية أو هواية ممتعة، بل هي الوسيلة التي نبني بها التعقيد في دواخلنا في زمن يكافئ على البساطة والاستنتاجات السريعة. القراءة العميقة تعني معايشة النص مدة طويلة وتتبع أفكاره وقبول مواجهته الفكرية، وبالتالي فهي تبطّئ إيقاعنا مدة كافية لملاحظة الفروق الدقيقة، وتأمل الغموض، وتنمية التعاطف والبصيرة، ورؤية أوجه الترابط بين الأفكار التي تبدو غير متصلة. كما أنها تقوّي العضلات الذهنية التي نحتاجها لمواجهة هذا العالم الذي يزداد تعقيدًا يومًا عن يوم.

في كتاب (بروست والحبار: قصة وعلم الدماغ القارئ) توضح عالمة الأعصاب ماريان ولف أن الدماغ البشري لم يُجبل على القراءة، بل نحن من علمناه إياها. وكلما تعمّقنا في النصوص، زادت قوة المسارات العصبية التي تيسّر التفكير المجرد والخيال والتعاطف. لا تقتصر وظيفة القراءة على نقل للمعلومات، لكنها تبني هيكل التفكير النقدي نفسه.

تحرير القراءة

كانت القراءة عبر معظم تاريخ البشرية امتيازًا يختص به القلة: رجال الدين، العلماء، الحكام، الأثرياء. ثم فتحت معرفة القراءة والكتابة الأبوابَ للمعرفة والسلطة ورأس المال، ومع انتشارها تغيّرت ملامح العالم، فصار بإمكان عامة الناس تفسير النصوص المقدسة بأنفسهم، ودراسة الأفكار الجديدة، وتصوّر مستقبل مختلف. وقد سرّعت آلة الطباعة وتيرة تلك الحرية، فانتقلت الكتب من الأديرة إلى المنازل والمقاهي، وعبرت محو الأمية الخطوط الاجتماعية وتضاعفت الأفكار. لقد أضفت القراءة الطابع الديمقراطي على التفكير ذاته. إلا أن القدرة على التفكير المستقل باتت على المحك مرة أخرى اليوم.

لقد زادت تلك القدرة هشاشةً الآن. أظهرت استطلاعات وطنية أن القراءة للتسلية في الولايات المتحدة شهدت انخفاضًا حادًا في العقدين الماضيين، وأفادت مجلة  The Atlanticأن كثيرًا من الطلاب والبالغين يجدون صعوبة في إتمام قراءة مجلدات كاملة. نحن نلجأ إلى التصفح السريع والتمرير والتلخيص، وصار تفكيرنا مقتطعًا في ومضات سريعة، معتمدين على الذكاء الاصطناعي لتكثيف ما كان يتطلب انتباهنا بالكامل. في حين أن الذكاء الاصطناعي يوفر لنا مجموعة أدوات موسعة للاستقصاء، ويساعدنا في التحليل والدمج على نطاقات أوسع، فإنه أجدى ما يكون حين يمثل شريكًا للتفكير البشري، وليس بديلًا عنه. يكمن التحدي في تحقيق الموازنة باستخدام التكنولوجيا لتوسيع آفاقنا دون تقويض قدرتنا على التعمق. لا شك أنه يعيننا على المرور سريعًا على معلومات كثيرة، لكن المقايضة تكون على حساب العمق، ذلك الفهم الذي لا يتأتى إلا بملازمة الشيء مدة كافية لاستشعار ثقله.

ماذا لو كنّا -رغم كل التقنيات- نعود إلى النمط الثقافي السابق القائم على التكرار، لا التأمل؟ هل ننجرف نحو أساليب قديمة لتنظيم الاتصال والثقافة بأسرها، حيث تُستهلك الأفكار عوضًا عن تدبرها واستيعابها؟ مفارقة آسرة. يزخر عالمنا الرقمي بالسرديات: المنشورات، مقاطع الفيديو، التعليقات، الرموز التعبيرية، التفاعلات، ومع ذلك فقليل منها ما يدعونا للتمهّل والتفكير. نحن نمرر الشاشة ونمضي ونعيد الكرة. يذهب جيمس ماريوت في كتابه (فجر مجتمع ما بعد القراءة) إلى أننا ربما نمر بـ "ثورة مضادة" تستهدف القراءة نفسها، أي حقبة تفضل فيها الشاشات الفوريةَ والعاطفة والاستعراض على التفكير والعمق. يبدو أن مخزوننا المعلوماتي أكبر من أي وقت مضى، لكن لا نكاد نفكر بعمق فيما يعنيه أي من ذلك.

تعد القراءة العميقة قوةً موازِنة، فهي تستعيد التنوع الفكري الذي قوّضه نظامنا الإعلامي السريع. إن الإمعان المستمر في القراءة يعزز الشبكات العصبية التي نعتمد عليها للإبداع وحل المشكلات والتصميم. كما يساعدنا على استيعاب الأفكار المتضاربة وتبيّن الروابط وإيجاد المعنى في خضم التعقيد. إنها المكافئ الذهني للتدريب الشامل الذي يبني القدرة على تحمل التفكير ومرونته لمواجهة العالم المقعد.

القراءة بوصفها تمردًا

ما دامت المشكلة ثقافية، فالحل يكمن في الاستجابة الفردية. تعد قراءة كتاب اليوم -بسمتها الهادئ- بمثابة تمرد، حيث تقاوم السرعة وتأبى الخضوع للتبسيط وتتطلب كامل انتباهنا في عالم يتربّح من التشتت والتحفيز المستمر. عندما أتناول كتاب كراسناهوركاي في استراحة الغداء أشعر أن فعلي هذا احتجاج صغير، فجمله الطويلة المتشعبة لا سبيل معها إلى الاختصار. تذكرتني قراءة هذا الكتاب بأن بعض ضروب التفكير لا تحتمل التعجّل، وليست كل المعاني قابلة للتلخيص.

كما تعد القراءة شكلًا من أشكال الإدارة الذاتية، فهي وسيلة لانتقاء ما يدخل عقولنا وربط الأفكار بعضها ببعض على نحو لا تتوقعه الخوارزميات. إن الفيزيائي الذي يقرأ الشعر والمهندس الذي يدرس الفلسفة والروائي المفتون بعلم الأحياء كلهم يمارسون مهارة التوليف بين المجالات. كل صوت وكل قصة توسع خارطة فهمنا، وتنويع قراءاتنا يوسعها أكثر وأكثر. إنها تبني التعاطف وتنمّي حس الرعاية وتلهم الابتكار والإبداع النابع من رؤية العالم عبر منظورات مختلفة.

المكتبة مساحة لصقل الانتباه

يعد ارتياد مكتبة أيضًا نوعًا من المقاومة في اقتصاد انتباهنا الحالي، فهي توفر مساحة للتفكير والإبداع والتركيز في عالم لا يكاد يهدأ ويستنزف انتباهنا باستمرار. لو كان العقل عضلة لكانت المكتبة صالته الرياضية؛ مساحة للتمدد والتقوية وبناء القدرة على تحمل التفكير المعقد. وكلما واظبنا على تدريبه زادت قدرتنا على احتواء التناقضات وإدراك الفوارق الدقيقة والتخيل في آن واحد.

بين جدران المكتبة تتعايش الأفكار على اختلاف زمانها وتخصصاتها. فالكتب تتجمع على الأرفف كأحاديث تجمع أمثال يوفال نوح هراري وأوكتافيا بتلر وباولو فريري وماري أوليفر وليو سيكسين. كل بمفرده له نظرة خاصة، لكنهم جميعًا يذكروننا بأن القوة الفكرية تأتي من التنوع والقراءة في مختلف التخصصات وترك المجال لتكوين روابط غير متوقعة. تجمع المكتبة هذه الأصوات في حديث مستمر، وتدعونا إلى المشاركة.

تعلمنا المكتبات في عصر الذكاء الاصطناعي ووفرة المعلومات شيئًا أثمن من الاطلاع: التمييز. فهي تساعدنا على التروّي وتقييم الأدلة وإيجاد روابط منطقية وسط الفوضى. إنها تذكّرنا بأن المعرفة ليست سلعة نستهلكها، بل علاقة نسعى في تنميتها. كما أنها من المساحات القليلة التي ما زال التفكير فيها يتسم بالتروّي، وتترك للفضول وقته بلا استعجال.

ما زلت صامدًا مع كتاب كراسناهوركاي حيث أقرأ بضع صفحات كل يوم. وليس هدفي هو التحليل العميق، بل استعادة تركيزي واكتشاف ذلك النوع من الانتباه الموسع حيث يتحرر العقل ليتجوّل ويتساءل. إنها مسألة مثابرة وإعادة تمرين عضلات الانتباه صفحة تلو الأخرى.

إني أعيد بناء قدرتي على الانتباه العميق بعد سنوات من الاستهلاك الرقمي المفرط. صرت أترك هاتفي في غرفة أخرى، وأضع كتابًا على الطاولة عوضًا عن الآيباد، وأقتطع وقتًا هادئًا من أمسيتي. تذكّرني هذه الخيارات الصغيرة بأن القراءة تجمع بين الرعاية الذاتية والرعاية الاجتماعية، فهي تحسن حياتنا الداخلية مما يعدنا للتفاعل مع العالم الخارجي بكفاءة. كلما رأيت شخصًا يتفقد الأرفف أو يتصفح كتابًا، يغمرني الشعور بالتشجيع، إذ أستشف من سلوكه الدخول الهادئ إلى عالم الفكر. هذه دعوة أخصك بها: ضع هاتفك جانبًا بين الحين والآخر وتناول كتابًا يتحداك أو يثير فيك الدهشة. أعر انتباهك لشيء صعب يتطلب منك جهدًا.

المصدر

 

شارك الصفحة

المزيد من المقالات

عن الكتابة

عن الكتابة

لماذا نكتب إذن؟ ربما كانت بداية الكتابة مع الإنسان القديم ليضع بصمته على العالم.

يارا محمد
دليلٌ بشري لمراجعات الكتب

دليلٌ بشري لمراجعات الكتب

تشد الحاجة إلى مراجعات الكتب حاليًا، بسبب الطوفان الكبير من الإصدارات، فنحتاج إلى متخصصين، يرشدوننا لأفضل المطبوعات.

حمود الباهلي
من القراءة المجردة إلى القراءة التزكوية تأملات أخلاقية لمفهوم القراءة في سورة العلق

من القراءة المجردة إلى القراءة التزكوية تأملات أخلاقية لمفهوم القراءة في سورة العلق

اقترنت التزكية بأثر قراءة القرآن الكريم في النظم الكريم في مواضع متعددة.

د. محسن الشهري