header

ما مصير القراءة في عصر الذكاء الاصطناعي؟

يارا عمار
يارا عماريارا عمار
22 يوليو 2025
١٣ دقيقة قراءة
pexels-cottonbro-2925307

ماذا تقرأ؟ ولماذا؟ لم تكن هذه أسئلة ملحة قبل بضعة عقود مضت، فقد كانت القراءة نشاطًا عاديًا لم يطرأ عليها تغيير جوهري منذ ظهور مجال النشر الحديث في القرن التاسع عشر. عبرت الكاتبة إيما راثبون عن روح القراءة في مقالة بعنوان "قبل الإنترنت" نُشرت في قسم Shouts & Murmurs عام 2017 ، تقول فيها: "كان بوسعك قبل الإنترنت أن تسترخي على مقعد في إحدى حدائق شيكاغو وتقرأ شيئًا من أعمال دين كونتز، وسيكون هذا أمرًا مشروعًا ولن يعلم به أحد ما لم تخبرهم".  كانت القراءة محض قراءة، وأيًا كان ما تقرأه -صحيفة، عملًا لبروست، مقالة “The Power Broker”- فأنت تفعل ذلك في الأساس بتمرير عينيك على الصفحة بصمت وبوتيرتك ووقتما يناسبك.

أما الآن فقد تبدلت طبيعة القراءة. ما زال كثير من الناس يستمتعون بالكتب التقليدية والمجلات الدورية، بل إن من القراء مَن دفعهم عصر الشبكات إلى الإفراط في القراءة حيث يعدون الهاتف الذكي مكتبةً في جيوبهم. وهناك من يرى القراءة التقليدية والمثالية -أي الجلسات المطولة والمكثفة من بدايتها إلى نهايتها لقراءة النصوص المتقنة- قد عفا عليها الزمن تقريبًا. قد يشرع هؤلاء القرّاء في كتاب على قارئ إلكتروني، ثم يكملونه صوتيًا أثناء الحركة. أو ربما يتركون الكتاب تمامًا ويقضون أمسياتهم في تصفح أخبار آبل وسابستاك قبل أن يعرّجوا على تسلسلات ريديت. تحمل القراءة الآن صفتَي التشتيت والتركيز في آن واحد، فهي تتضمن تدفق كثير من الكلمات العشوائية عبر الشاشة، بينما يتطلب تربّص يوتيوب وفورتنايت ونتفليكس وأشباههم حملَ النفس على مواصلة القراءة.

استغرق هذا التحول عقودًا، ومحركه هو التقنيات التي تبنتها الأجيال الشابة بإفراط وبسرعة. ولعل هذا هو السبب في عدم ملاحظة تأثيره وحجمه. في عام 2013، أفاد الصندوق الوطني للفنون بأن نسبة البالغين الذين يقرأون كتابًا واحدًا على الأقل سنويًا قد انخفضت من 55% إلى 48% في العقد الماضي. وهذا تغيير ملحوظ، لكنه متواضع مقارنة بما طرأ على المراهقين: وجدت إحصائيات المركز الوطني للتعليم -الذي قوضته إدارة ترامب- أنه في المدة ذاتها تقريبًا انخفض عدد الذين يقرأون للاستمتاع "كل يوم تقريبًا" ممن هم في سن الثالثة عشرة من 27% إلى 14%. وكما هو متوقع، يشكوا أساتذة الجامعات بإلحاح يفوق المعتاد من الطلاب المشتتين بهواتفهم بحيث يجدون صعوبة بالغة في قراءة أي شيء طويل أو معقد.

بعض أدلة انخفاض مستوى القراءة أدلة واهية. فمثلًا، إحدى الدراسات التي نوقشت على نطاق واسع تقيّم الطلاب بناءً على قدرتهم على تحليل افتتاحية رواية "البيت الموحش" المبهمة والمعقدة دلاليًا، وهذا أشبه بتقييم السبّاحين بناءً على قدرتهم على عبور خمسين ياردة من دبس السكر. توجد أسباب أخرى تدعو للتفاؤل بشأن التخلي عن الكتب، خاصة بالنظر إلى ما يميل كثير منا لقراءته. إن شاهدنا مسلسل "أشياء غريبة" بدلًا من قراءة كتاب "ستيفن كينغ" أو استمعنا إلى برامج بودكاست عن المساعدة الذاتية عوضًا عن شراء كتب المساعدة الذاتية، فهل هذه هي نهاية الحضارة؟ إن تراجع القراءة التقليدية مرتبط بشكل أو بآخر بازدهار المعلومات في العصر الرقمي. فهل نرغب في العودة إلى زمن حيث كنا نعاني من نقص في المواد التي نقرأها ونشاهدها ونستمع إليها ونتعلمها؟

لكن مهما كان موقفنا من هذه التغيرات، فالظاهر أنها ستظل تتسارع. رأى كثير من الباحثين في العقود القليلة الماضية أنّ تراجع القراءة بمثابة إغلاق "قوس غوتنبرغ"، وهي حقبة تاريخية افتُتحت باختراع المطبعة وسادت فيها منظومة محكمة للمواد المطبوعة. حسبما تفيد النظرية: أغلق الإنترنت القوس بإعادتنا إلى نمط تواصل يتسم بالسلاسة واللا مركزية والحوار. بات بإمكاننا أن نتناقش في التعليقات عوضًا عن قراءة الكتب. بل يرى بعض المنظّرين أننا نعود إلى ضرب من الثقافة الشفهية -يصفها المؤرخ والتر أونج بأنها "شفهية ثانوية"- يعزز فيها النص الثرثرةَ والحوار، وقد أضفى صعود برامج البودكاست والنشرات البريدية مصداقية على هذ الرأي. يمكن أن ننظر إلى بودكاست "The Joe Rogan Experience" على أنه مجموعة رجال مجتمعين حول نار مخيم يتبادلون المعرفة من خلال المحادثة كالإغريق القدماء.

لكن بالنظر إلى الوراء يتبين أن فرضية الثقافة الشفهية تبدو بسيطة وساذجة إلى حد ما. قد نقول إنها تطورت خلال قوس زوكربيرغ، وهي حقبة تاريخية افتُتحت باختراع الفيسبوك وسادت فيها وسائل التواصل الاجتماعي. لم يتخيل أحد من هذه الحقبة قدر التهديد الذي سيشكله الذكاء الاصطناعي قريبًا على الإنترنت التفاعلي. لقد دخلنا عالمًا قد لا يكون مَن تقابلهم على الإنترنت بشرًا حقيقيين، بل مبتكرين باستخدام ذكاء اصطناعي دُرب على كميات هائلة من النصوص. يبدو وكأن الروح نُفخت في الكتب وعادت تثأر بابتكار شيء جديد: مزيج من النص والفكر والمحادثة سيعيد تحديد جدوى الكلمة المكتوبة وقيمتها.

أعلن الخبير الاقتصادي والمدوَّن تايلر كاون في يناير أنه شرع في "الكتابة للذكاء الاصطناعي". وأشار إلى أنه بات منطقيًا الآن افتراض أن كل ما ينشره لم يكن "يقرأه" بشر فحسب، بل كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أيضًا تقرأه، ورأى هذا النوع الثاني من القراء مهمًا. لاحظ كاون أنه "حتى الكتّاب والمفكرين الذين اشتهروا في عصرهم صاروا في طيّ النسيان، باستثناءات قليلة جدًا". لكن الذكاء الاصطناعي قد لا ينسى، بل إن زودته بقدر كاف من نصوصك فقد يستخلص منها "نموذجًا لطريقة تفكيرك" يتفاعل معه القرّاء المستقبليون. يقول "لن يضطر أحفادك أو ربما المعجبون بك المستقبليون إلى تصفح كثير من الكتب القديمة المغبرة للحصول على لمحة عن أفكارك". بدأ كاون آنذاك في النشر على مدونته عن مراحل غير مميزة من حياته، من سن الرابعة إلى السابعة مثلًا. قد لا يهتم قرّاؤه من البشر بمثل هذه المنشورات، لكن هذه المدخلات ربما تمكّن "أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في المستقبل القريب من كتابة سيرة ذاتيه ممتازة لتايلر كاون".

يفكر كاون بهذه الطريقة لأن النماذج اللغوية الكبرى، مثل ChatGPT  من شركة OpenAIوClaude من Anthropic هي آلات قراءة من بين أشياء أخرى. ربما ليس دقيقًا أن نقول إنها "تقرأ" بالمعنى البشري: فالنماذج اللغوية الكبرى يستحيل أن تتأثر بما تقرأه لأنها لا تملك مشاعر أو قلبًا يخفق من التشويق. لكن لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي يتفوق في بعض جوانب القراءة بمستوى فوق القدرات البشرية. فعند تدريب النماذج اللغوية الكبرى "ستقرأ" و"ستفهم" كمية هائلة لا يمكن تصورها من النصوص، ولاحقًا ستستطيع استرجاع مادة النص على الفور (إن لم يكن بدرجة مثالية دائمًا)، وتكوين الروابط، وإجراء المقارنات، واستخلاص المعلومات، والتي يمكن أن تطبقها على نص جديد -لم تتدرب عليه- بسرعة هائلة. هذه الأنظمة تشبه خريجي الجامعات الذين كانوا يقرأون كل شيء حرفيًا حينما كانوا في المدرسة، وقد يقرأوا أكثر إن كُلفوا بالمزيد.

تعرفت على قلة من الأشخاص يبدو أنهم قرأوا كل شيء، وكان التعلم منهم مما غير مجرى حياتي. يستحيل أن يحل الذكاء الاصطناعي محل هؤلاء الأفراد، لأنه مبني بالأساس على التعميم ويعتمد على ما هو شائع ومتفق عليه، فإنك لن تتخذ ChatGPT  قدوة يُحتذى به في إثراء الفكر، ولن تندهش وتتأثر بنظريات Gemini الكبرى أو أفكاره المتفردة. لكن الذكاء الاصطناعي كقارئ له نقاط قوة تكمن بالتحديد في طبيعته غير الشخصية. يوضح كاون في في بودكاست ديفيد بيريل "How I Write" أنه يمطر روبوت الدردشة بوابل من الأسئلة عما لا يفهمه، والذكاء الاصطناعي لا يمل أبدًا من هذه الأسئلة، وفي الإجابة عليها يستفيد من مجموعة واسعة من المعارف لا يصل إليها إنسان بهذه السرعة. وهذا يحول أي نص إلى نقطة انطلاق أو منهج دراسي. كما أن الذكاء الاصطناعي بوسعه أيضًا أن يبسّط، فإن وجدت صعوبة في فهم نص قديم يمكن أن تطلب منه إعادة صياغته بأسلوب أيسر وأحدث.

وهكذا قد يجد القراء المسلحون بالذكاء الاصطناعي أنفسهم يمحون الخط الفاصل بين المصادر الأولية والمصادر الثانوية، خاصة إن كانوا يقرأون مادة يعتقدون أنهم يستطيعون الفصل بين أسلوبها ومحتواها. وقد أِلف كثير من الناس هذا الأمر، فمنذ عام 2012 تقدم شركة Blinkist-ومقرها برلين- التي تروّج لنفسها بأنها "مستقبل القراءة" ملخصات في خمس عشرة دقيقة لأشهر الكتب غير الروائية في الصيغتين النصية والصوتية. أو مثال آخر: مجلدات Reader’s Digest ، وهي مختارات تُنشر للمشاركين بصورة موسمية، وتكون في مجلد ذو غلاف مقوى وأنيق يحوي أربع أو خمس روايات اختُصرت إلى نصف حجمها الأصلي تقريبًا. كانت هذه الكتب تحظى بشعبية كبيرة -أفادت صحيفة نيويورك تايمز أن مليون نصف قارئ تقريبًا يشترون عشرة ملايين مجلد سنويًا- وقد خصص والدي رفًا لها في المنزل في صغري وبمحض الصدفة قرأت بعض روايات الإثارة "المختصرة" لكل من ديك فرانسيس ونورا روبرتس. لو كنت أكتب ورقة أكاديمية حول رواية فرانسيس Whip Hand التي كتبها عام 1979، لوقعت في مأزق بالاعتماد على النسخة المختصرة. لكن إن كان مرادي هو القصة والأجواء والتشويق فسيكون هذا مبررًا لشعوري بأني "قرأت" الكتاب، وبالتأكيد لن أبحث عن النسخة الكاملة.

تعد الملخصات أو النصوص المعدلة في نظام القراءة الحالي استثناءً، وليست هي الأساس. لكن ذلك الوضع ربما ينعكس خلال العقد المقبل أو نحو ذلك: قد نعتاد على البدء بالنصوص البديلة ونقرر لاحقًا أن نبحث عن الأصل، تمامًا كما أننا الآن نحمل عينات من الكتب الجديدة على القارئ الإلكتروني قبل شرائها. ونظرًا لأن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن ينتج مختصرات وملخصات وغيرها من الإصدارات المكثفة حسب ما يطلبه المستخدم، فقد نتنقل حتى بين هذه الإصدارات وفق ما تقتضيه الظروف، مثلما قد تستمع اليوم إلى بودكاست بسرعة مضاعفة (2X) أو تترك برنامجًا تلفزيونيًا مملًا وتتجه إلى ويكيبيديا لمعرفة نهايته. غالبًا ما تصدر الأغاني الشعبية بنسخ مختلفة، كالنسخة النقية والنسخة الممزوجة بإيقاعات إلكترونية (ريمكس). لكني ككاتب لا أستسيغ رؤية نصي متغيرًا بهذا الطريقة، لكن هذه القضية ليست بيدي، بل ترجع إلى القراء وذكائهم الاصطناعي، وسويًا سيلغون الفاصل بين القراءة والتحرير.  

من المنطقي أن يُقال إن بعض أنواع النصوص لا ينبغي -أو لا يمكن- تلخيصها. إن قرأت ملخصًا لرباعية نابولي للمؤلفة إيلينا فيرانتي، وعلمت أن ليلا فعلت كذا ولينو فعلت كذا، فأنت تحرم نفسك المتعة. ربما يمكن تلخيص رواية (جديلة ذهبية أبدية) لدوغلاس ر. هوفستاتر إلى نقاط رئيسية، وقد يشرحها لك روبوت محادثة أفضل من هوفستاتر نفسه، لكن الطول والصعوبة جزء من الكتاب. ومن المؤكد أن القراء سيقدّرون الأصوات الأصيلة لإخوانهم من البشر. كنت أقرأ مؤخرًا "الطفولة والصبا والشباب" لتولستوي، ووجدتها زاخرة بالعبارات الألمانية والتفاصيل التاريخية العجيبة والفروق الثقافية الروسية التي لم أفهمها، ومع ذلك فضّلت أن أتخطى الحواشي لأني أردت أن أنسجم مع تسلسل القصة تحت تأثير سحر تولستوي. قد تتقلص نسبة الأشخاص الذين يحبون القراءة التقليدية، لكنها لن تصل إلى الصفر أو تقترب منه بأي حال.

ومع ذلك ما زلت أتساءل إن كانت الأصالة الجوهرية للكتابة أقل رسوخًا مما نظن. أتى علينا زمن كان يصعب تخيل تأليف أغاني كاملة من عيّنات صوتية أو من خلالها، أما اليوم فقد صار الأمر عاديًا، ونعد سيولة الإنتاج الموسيقي ميزة وليست عيبًا. فهل من المبالغة تخيل أن ثقافة الريمكس تنتقل إلى القراءة؟ أي إصدار لأغنية Blue Monday لفرقة New Order هو الإصدار الحقيقي؟ وهل هذا يهم ما دمت أحببت الأغنية؟ وبالمثل، لو قرأت نسختي المفضلة من رواية "صديقتي المذهلة"، وأنت قرأت نسختك المفضلة، ألا يعد كلانا من معجبي المؤلفة فيرانتي؟ راجع هنري جيمز كثيرًا من رواياته عندما أعيد نشرها في وقت لاحق من حياته. نحن نهتم بمقاصد الكاتب وهويته وملكيته، ونعلم أن النص المكتوب عبارة عن ترتيب معين للكمات يفقد خصوصيته -وقيمته في أغلب الحالات- إن أعيد ترتيبه. لكنا قد نستمتع أيضًا بأن نصبح محررين لما نقرأه بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

بلغت الذروة في القراءة قبل أن أدخل عالم الصحافة، حينها كنت أعمل على رسالة الدكتوراه في اللغة الإنجليزية. وفي منتصف برنامج الدراسات العليا تقريبًا خضعت لاختبار عام عبارة عن استجواب استغرق ثلاث ساعات وأجراه معي ثلاثة أساتذة. كان الاختبار في قائمة قرائية وُضعت قبل سنة، وقد شملت الأدب الإنجليزي بأكمله تقريبًا بدءً من "بيوولف" إلى "محبوبة"، وتضمنت أعمالًا أخرى مثل "عوليس" لجويس وقصائد ييتس. كنت أقرأ ليل نهار، واضررت إلى شراء مصابيح خاصة وعدسة مكبّرة ذات حامل حتى أتفادى إرهاق العين. وبعد مرور عامين خضعت لاختبار ثانٍ -اختبار تخصصي يركز على فرع أدبي محدد- في قائمة كُلفت بوضعها بنفسي. كان من المتوقع أن تغطي هذه القائمة الثانية أيضًا قراءات عام كامل، وقد شملت ما يقرب من عشرين رواية وكمية لا تحصى من أعمال النقد الأدبي. بدأت القراءة واقفًا حتى أخفف الضغط عن ظهري.

تتّسم القراءة البشرية بالمحدودية. كان من المثير أن أكتشف مدى ما بوسعي قراءته، وقد وضعني التحضير للاختبارات على طريق أن أصبح واحدًا من أولئك الذين "قرأوا كل شيء". لكن رغم أني قرأت جزءً كبيرًا من الأعمال الأدبية الكلاسيكية، فما زلت مدركًا أني لم أقرأ سوى نسبة ضئيلة مما هو موجود. كانت مكتبة جامعتي واسعة بصورة عبثية، لها عدة طوابق تحت الأرض، وفي أعماق الأقسام تومض الأضواء لتكشف عن أرفف كتب كاملة أشك أن أحدًا قرأها، على الأقل في الآونة الأخيرة. واليوم عندما أنظر إلى الوراء يتبين لي نوعًا آخر من القيود: الذاكرة. قرأت "ملكة الجنيات" لإدموند سبنسر، لكن هل أتذكر أكثر من جوهرها؟ يوجد سبب يجعلني -في هذه المرحلة من حياتي- أقضي في إعادة قراءة الكتب العظيمة (مثل الطفولة والصبا والشباب) وقتًا يضاهي ما أقضيه في استكشاف الكتب الجديدة.

هل الذكاء الاصطناعي يتحدى هذه القيود من أساسها؟ يمكن بالتأكيد أن نتصور أن آلات القراءة الذكية ستعيننا على تقدير قيمة النصوص التي قد تظل مهجورة لولاها. (الأمر أشبه باستخراج الوقود الأحفوري: فنستفيد من الكتابات القديمة أو المتخصصة أو الصعبة -في شكل مكثف- لتغذية أفكار جديدة). وقد تظهر حالات حيث تُثري النماذج اللغوية الكبرى ذكرياتنا القرائية وتعززها، فمثلًا لو أني استعنت بأداة ذكاء اصطناعي في التحضير لاختباراتي وواظبت على مناقشة قراءاتي مع نفس الأداة عامًا بعد عام، لربما أثمر ذلك عن سجل حي لملاحظاتي، أو يوميات فكرية. إلا أني حظيت بشريك حواري بشري: زوجتي التي كانت رفيقتي في نفس البرنامج، وقد تشكلت علاقتنا بفضل القراءة. الذكاء الاصطناعي بحد ذاته ليس لديه حافز، قد يقرأ لكنه ليس قارئًا، "واهتماماته" تعتمد في الأساس على الأسئلة التي تُطرح عليه. وهكذا فإن نفعه بصفته أداة قارئة مرهون بوجود ثقافة قرائية لا يستطيع هو أن يجسدها أو يديمها.

ما مصير ثقافة القراءة مع تحولها إلى الأتمتة؟ لنفترض أننا مقبلين على مستقبل يتسم فيه النص بالسيولة وقابلية التجزئة وقابلية التجريد. حينذاك سيكثر اتجاه الناس إلى تحويل النص إلى نص آخر أقصر وأدق، أو ربما يحولونه إلى شيء آخر كحلقة بودكاست أو تقرير متعدد المصادر. سيكون سهلًا أن تستخلص الفكرة الرئيسية لأي مادة مكتوبة، وأن تشعر بأنك ملم بها، وبالتالي فقرار الاطلاع على النص ذاته سيتضمن القبول الإيجابي للجهد المبذول. سيحاول بعض الكتّاب استمالة القراء البشر بقوة شخصيتهم، وسيفترض آخرون أنهم "يكتبون للذكاء الاصطناعي". وربما تظهر مناهج أسلوبية تهدف إلى مجابهة القراءة المؤتمتة، وتأسيس مساحات للقراءة للبشر وحدهم. سيصير الذين يقرأون "الأصل" عملة نادرة، وسيتميزون عما عداهم بمعلومات وأفكار، وسيعيشون تجارب تخلى عنها الآخرون. لكن العصر الذي يجعل "سعة الاطلاع" مقياسًا للثقافة أو الذكاء سينتهي غالبًا. سيصعب الفصل بين القراء الجادين والقراء السطحيين، وربما لو أثبتت القراءة بمساعدة الذكاء الاصطناعي جدواها فلن توجد حاجة لهذه المصطلحات. قد يُعامل النص على أنه وسيط انتقالي، أو وعاء مؤقت للأفكار. فالعمل المكتوب الذي يُرى الآن الغاية النهائية والتتويج وثمرة الجهد قد يتحول -بإيجابياته وسلبياته- إلى نقطة انطلاق نحو شيء آخر.

المصدر

شارك الصفحة

المزيد من المقالات

عن الكتابة

عن الكتابة

لماذا نكتب إذن؟ ربما كانت بداية الكتابة مع الإنسان القديم ليضع بصمته على العالم.

يارا محمد
دليلٌ بشري لمراجعات الكتب

دليلٌ بشري لمراجعات الكتب

تشد الحاجة إلى مراجعات الكتب حاليًا، بسبب الطوفان الكبير من الإصدارات، فنحتاج إلى متخصصين، يرشدوننا لأفضل المطبوعات.

حمود الباهلي
من القراءة المجردة إلى القراءة التزكوية تأملات أخلاقية لمفهوم القراءة في سورة العلق

من القراءة المجردة إلى القراءة التزكوية تأملات أخلاقية لمفهوم القراءة في سورة العلق

اقترنت التزكية بأثر قراءة القرآن الكريم في النظم الكريم في مواضع متعددة.

د. محسن الشهري