header

قارئ في قطار نجد

محمد عبيدة فرحات
محمد عبيدة فرحاتمحمد عبيدة فرحات
15 أكتوبر 2025
٤ دقيقة قراءة
pexels-kseniya-budko-58499146-15462340

ولم أعد أستطيع تخيّل نجدٍ قبل قِطارها، بل حتّى تلك الثلاث ساعات التي كنت أقضيها قبل القطار يوميًا في سيارتي بين منزلي وعملي صرت أعدها من الخيال العجيب والجنون المريب، فكيف لإنسان أن يتحمل ٣ ساعات بين زحام السيارات لا شيء يستطيع فعله إلا سماع حلقة صوتية أو درس طويل أو تأملًا مع ملل يخالطه ونعاس وإرهاق لما بعد العمل!

ولي مع هذا الزحام صولات وجولات طويلة، وتعبت منه تعبًا شديدًا خلال هذه السنين، فكان دوامي الجامعي مرهقًا، ودوامي بعد الجامعة أشد إرهاقًا، وتخيّل أن يكون لك وجهة لتقضي شيئًا من أمورك فتجد نفسك عالقًا في زحام لتنهي أمرًا ما يأخذ ١٠ دقائق في ساعات! فسلب من الأعمار شيئًا حتى لصح أن يقال إن أهل نجد يعيشون في سياراتهم أكثر من منازلهم.

ولم أتخيّل يومًا أن هذا المشروع الذي كنّا نراهُ يبنى خلال هذه السنوات يصير طريقة حياة! حتى أنه صيّرني كارهًا للسيارة متى أمكنني الذهاب بالقطار، وهذه المحطة قبال منزلي، وهذا عملي الذي كان يأخذ مني ساعة ونصفًا في طريق الذهاب أحالها ٤٠ إلى ٥٠ دقيقة! وهذا الرقم إنجازٌ في طرقات نجد المزدحمة لمن يقرأ هذا الكلام من خارج نجد، بل حتّى أني لم أعد لسيارتي في أيام عملي إلا مرة واحدة، وفي تلك المرة كان الزحام مضاعفًا فوصلت في ساعة وأربعين دقيقة! مما جعلني أردد في نفسي وأقول "كم غيّر فينا هذا القطار ولم نشعر!".

وإن القطار صار ثقافةً لأهل نجدٍ حتى صار حاضرًا في مجالسهم وحياتهم وأحاديثهم، بل حتى صاحب المقهى والمطعم والمحلّ تجده واضعًا أقرب محطة قطار إليه ومتباهيًا! وأسعار العقار ارتفعت لما قرب، وصار من يبعد عن القطار يتمنى القرب والوصل منه، ومن الناس كابن عمّتي من انتقل لنجد وسكن بجانب القطار واستغنى عن سيارته تمامًا! وهذا الشيء ضرب من المستحيل قبله.

أستقل القطار يوميًا صباحًا ومساءً عند عودتي، وتراني في غالب الأمر واقفًا عند الباب المقابل للباب الذي دخلت منه، وإني أحب تخيّر هذا المكان لأخرج كتابًا وابدأ القراءة في طريق العمل، وإني لا اقرأ إلا في الصباح لما يكون عندي من النشاط والطاقة، وما ظننت بأنني خلال هذه الشهور الماضية التي بدأت فيها قرائتي بالقطار أن أنجز الكثير حتى وجدت أمامي قرابة السبعة كتب أنهيتها في القطار وحده، يرافقها عشرات المذكرات التي كنت أكتبها على المسار الأخضر الذي كنت آخذه عادةً اختصارًا بين محطتي وزارة التعليم والمتحف إلى المسار الأزرق.

وإن أول كتابٍ أخذته معي للقطار كان ثقيلًا، ومرت الأيام فصرت أتخير من الكتب كتب ال٢٠٠ – ٤٠٠ صفحة، واخترت من الكتب ما يكون فصولًا لأنك تضطر للتبديل بين المسارات أحيانًا فيكون قطعك للقراءة في مكان تستطيع العودة منه، ولا تنسى فواصل نديم إن استطعت حيازتها من مكتبة ضفّة تحملها معك حتى إذا ما وصلت المحطة المرجوّة ذكرتك بمكان وقوفك، وإني أحذرك أن تتخير رواية شيقة فتفوتك المحطة التالية!

وأما عن مكان الوقوف إن لم يتسنّ لك الجلوس لتقرأ فإما أن تقف في الممرات وقت الذروة أو تقف عند الباب المقابل لباب الدخول، وحاول أن تقرأ الوضع قليلًا قبل بدء القراءة، فإن بعض المحطات الكبرى كقصر الحكم يكون فيها موجة من الناس قادمة، فلا تتخير مكانًا تتقاذفك فيه أمواج الداخلين يمنة ويسرة، وأخيرًا أكمل تجربتك القرائية على أحسن حال بتحميلك تطبيق نديم والقراءة مع ميزة التركيز فيه.

وأما عن الكتابة في القطار فإن لي معها تجربة، بدأتها من الهاتف على المسار الأخضر، وإن مذكراتي الأولى التي كتبتها في هذا القطار مذكرات عجيبة ضعيفة السبك، وما هذا إلا لأن القطار في ذلك الحين جديدٌ فكل تفصيل فيه أدهشني حينها، ثم مرت الأيام واعتدته فوجدتني أكتب فصولًا من رواية! ولا أدري أأكملها فتكون رواية القطار أم تبقى على حالها مذكرات ومسودات!

وما أعجب هذه الرواية التي كتبت، بل ما ظننتني أن تصير أحداث هذه الرواية متقلبة بحسب المسار، ففي المسار الأخضر والذي كلّه تحت الأرض تتجلى كآبة في الرواية وبرودة في طياتها كأنها أتتني من تردد صدى صوت القطار الحادّ في هذا المسار وقلة سالكيه! وفي المسار الأزرق تسير أحداثها للعمل والجد والاجتهاد، والأحمر يكسبها شيئًا من طبعة الآخرة لشعاع الشمس المبثوث فيه عند الشروق والغروب!

وزد على تجربة القراءة والكتابة تجربة التأمل، ففي القطار ناس من ألوان شتى ومهن متنوعة، فأجل عينك بين مرتادي القطار لتجد الطبيب والمدرس والطالب والموظف والعامل والمدير والعسكري وغيرهم مرتادون له! كلّ شخص حمل على عاتقه مسؤولية مختلفة، وكل شخص يحمل همًّا يختلف عن الآخرين، بل إنك لو زدت تأملًا لوجدت نفسك تحيك روايةً أو تبني قصةً دون أن تشعر!

فواعجبًا لهذا الإنسان كيف يبث الحياة في الجمادات، حتى لو كان قطارًا! وواعجبًا لهذه الحياة تجمع الألوان المختلفة، وأعجب العجب اختلاف أحوال الناس حين تتأملها في القطار، فهذا بادٍ عليه التعب من عمل مضنٍ، وذاك على وجهه قتامة وكآبة وآخر سعيد فرح، وبين هذا وذاك عالمان واسعان إن حلّقت بخيالك خلف تلك الأعين الحزينة أو الفرحة، وتلك النفوس المتقلبة بين تلك الأحوال.

فأقول لك يا زائر نجد استقل قطارها من مطارها، فلن تحتاج السيارة لكثير من الوجهات في نجد، وإن السيارة همٌّ في زحام نجد الخانق، وأرح ذهنك من عناء القيادة الطويل، فهذا العمر قصير حتى يضيع في زحام، فاحزم كتابك وتخيّر مكانك وابدأ تركيزك وقرائتك.

شارك الصفحة

المزيد من المقالات

الترجمان وملاحم اليونان

الترجمان وملاحم اليونان

قد بات كثير من القراء لا يرتاحون حين يجدون الكتب المترجمة مكتوبة على مثال الجملة القرآنية التي جاءت بأفصح لسان، ويتحرجون حين يجدون أن الكتاب المترجم وكأنه مكتوب بالعربية ابتداء لشدة إتقان المترجم وحذقه باللسان المبين.

حسان الغامدي
عن الجمال والإمتاع في الكتابة

عن الجمال والإمتاع في الكتابة

الكاتب الذي يريد أن يتلمّس فكرةً مناسبةً للطرح، يجب عليه أن يُحْسن القبض عليها، وأن يُحْسن في تجريدها من الأسمال البالية التي تحجب عنه نصاعتها

محمد ناصر الكربي
تدنّي مراجعات الكتب

تدنّي مراجعات الكتب

لقد صارت المراجعات الشائعة مملة للغاية، وأحكامها المجاملة أصابت جمهور القراء بالخدر والفتور

كتابة: إليزابيث هاردويك ترجمة: يارا عمار