سافرتُ مرّةً مع البدو في غربيّ صحراء مصر، وعندما تعطلت إحدى العجلات استخدموا شريطًا لاصقًا وإطارًا مطّاطيًّا قديمًا لسحب الهواء من العجلات الثلاث لتعبئة العجلة الرابعة. كان الطّاهي هو صاحب هذه الفكرة، ولعلّه تعلّمها من اعتياده على إعادة توزيع الطعام القليل ليكفِ أكبر عدد ممكن. وعوضًا عن أن يعبّروا عن خيبتهم لعدم إحضارهم مضخة الهواء، راحوا يخبرونني أن كثرة حمل المعدات من أمارات ضعف الرجل، لأنها تجعله عاجزًا.
إن الخبير بحقّ ليَملِكُ من القدرة على الارتجال وِفق المتاح ما يجعله مستغنٍ عن حمل المعدات، وكلما كانت معارف المرء أوسع كانت قدرته على الارتجال أكبر.
تطرق أسماعنا دائمًا أوصافٌ مثل: "معتلّ عقليًا" و "معادي للمجتمع"، دونكم هذا الوصف الجديد: "متوحّد المعرفة"، ويعني هذا الوصف: الشخص ضيّق الأفق، ذو تفكير باتجاه واحد كأنه يفكر من خلال سبطانة سلاح، مفرطٌ بالتخصص، خبير بمجاله دون أي اهتمامات أخرى، وبتعبير آخر: الشخص المثالي كما يراه العالَم الغربي.
أتظنني أمزح؟ في شهر يونيو كنت مدعوًّا لبرنامج «اليوم» على إذاعة البي بي سي، لأتحدث بكلمة موجزة عن نهر النيل لأني أصدرتُ كتابًا عنه مؤخرًا.
ناداني المذيع بـ «دكتور تويجر» عدة مرّات، شعرت بالإطراء، ولكن أيضًا شعرت بالقلق؛ فأنا لم أحصل ولم أسعَ يومًا للحصول على شهادة الدكتوراه، ولكن بعد الـ«دكتور» الثالثة التي ناداني بها، صححت له بأدب أنني لستُ دكتورًا.
لا بأس، فالمذيع لم يُرد مني أن أكون دكتورًا، لكن ثقافة المجتمع أرادت ذلك. كتابي عن النيل كان من الواضح جدًا أنّ كاتبَه صحفيّ، إلا أن الإذاعة أرادت ضيوفًا ثقات، أرادت متخصصًا، وإلا لمَ سيستمع الناس للبرنامج؟
إن نموذج «التوحد المعرفي» يستقي بعضًا من موثوقيته عند المجتمع من خلال نجاحه في مجال التجارة، ففي أواخر القرن الثامن عشر لاحظ آدم سميث (وهو من المُـتَـبَـحّـرين المتقدّمين، والذي لم يكتب في الاقتصاد فقط، بل كتب أيضًا في الفلسفة وعلم الفضاء والأدب والقانون) أن تقسيم عملية الإنتاج إلى وظائف دقيقة بين العاملين هي المحرك الفعّال للرأسمالية.
وجاء مثاله الشهير حول تقسيم عملية صناعة الأقلام مصداقًا على ذلك، إذ أنّ تقسيم عملية تصنيع القلم وتفكيكها إلى عمليات أصغر تختص كل مجموعة من العمال بعملية معينة، تزيد بشكل هائل من جودة التصنيع.
إلا أنه لاحظ كذلك أن الإفراط في تفكيك عملية التصنيع إلى عمليات أصغر، يورث عند العمّال ما سمّاه بـ «التشوّه الذهني» أو كما عبّر عنه أليكس دو توكفيل: «لا شيء أقدر على تحويل الإنسان إلى آلة، ويسلب من عمله أدنى درجات التفكير مثل الإفراط في تخصيص العمل».
منذ بداية الحقبة الصناعية حتى الآن، استطعنا التعرف على إيجابيات وسلبيات تقسيم الوظائف إلى وظائف أصغر وأكثر مللًا، ولهذا يجب أن تكون صناعة الثروة متوازنة، فلا تقع في الوظائف المملة ولا في الوظائف الشاقة المزرية. ولكن طالما كانت تلك الوظائف المملة فيها شيء من الجهد البدني، فإن المرء يستطيع أن يلمس فيها شيئًا من الشعور بالإنجاز، مما يخفف من وطأة طول وقت العمل، والعمل البدني بطبيعته متبوعٌ بشعور الإنجاز.
في رواية الروائي جاك كيروك والتي عنوانها «Big Sur» (1962) وَرَد وصفٌ مبهر لـ «نيل كاسدي» وهو يعمل بشكلٍ مَهول، والذي كان يُصلح العجلات في ورشة لإصلاح عجلات السيارات ليجد نفسه يتطور ويرتقي في الوظائف عوضًا عن أن يدمّره ذلك العمل الشاق.
إن فترة التحول الصناعي، تنزع نحو «التوحّد المعرفي» وذلك لنمو تخصيص الوظائف في عمليات الإنتاج، ولكن حينما يتم إغفال جانب الجهد البدني في إنجاز تلك الوظائف .. هنا بالضبط تبدأ المشكلة، فحينما يبقى الجسد ثابتًا، ويُجبَر الذهن على أداء عمل متكرر، هنا يثور الإنسان في داخلنا ويعلن عصيانه.
إن الوظيفة الاعتيادية اليوم عبارة عن موظف يجلس دون حراك أمام الشاشة، موظف مهتم بأمر وحيد، تفكيره منحصر بهذا الاهتمام ولا يخرج عنه، وبعبارة أخرى: متخصص.
أهلًا بك في عالم «التوحد المعرفي» حيث لا نجاح لأحد فيه إلا للمتخصصين أصحاب التفكير المتوحّد.
وبالطبع نستطيع نحن الباقون أن نتظاهر بأننا متخصصون، نستطيع أن نجعل سِيَرنا الذاتية توحي بأننا نذرنا أنفسنا لنصبح مندوبي مبيعات لبيع المقطورات، أو مكائن إعداد القهوة. إن الأمر بديهي، أليس كذلك؟ أن نخلق انطباعًا يوحي بأن اهتمامنا كان منصبًّا منذ زمن على تخصص الوظيفة التي نريدها دون غيره؟ ألم يكن هذا هو الأصل؟
في الواقع.. لا، في السابق كان «متعدد المعرفة» وهو الشخص الذي يعرف أمورًا متنوعة، واطلع على مواضيع وعلوم متعددة، وكما قال المُـتَـبَـحِّر ليون باتيستا ألبيرتي الذي عاش في القرن الخامس عشر -والذي كان معماريًا، ورسامًا، وفارسًا، ورامٍ بالنبل، ومخترعًا- قال: «إنْ أراد الإنسان، فيمكن أن يفعل أي شيء».
خلال عصر النهضة، كان تعدد المعرفة عنصرًا مهمًا في صورة «الإنسان الكامل»، ذلك الشخص متنوع الاهتمامات والتخصصات، المشتغل بالأدب والفن والنشاطات البدنية كذلك. وقد قال ليوناردو دا فينشي مرةً أنه فخورٌ بنفسه لكونه استطاع لَيَّ قضبانٍ حديديةٍ بيديه، كفخره بنفسه لأنه صاحب الـ «موناليزا». إن متعددي المعرفة، كدافنشي وجوته وبنجامين فرانكلين، كانوا أصحاب إنجازات عظيمة، إذ جعلوا من الصعب وصف أنفسنا -في ظل مساعينا المتواضعة في سبيل تنويع معارفنا- بأننا «متعددي المعرفة».
لا نستطيع أن نكون جميعًا عباقرة، ولكننا جميعًا ننخرط في نشاطات متعددة ومتنوعة، لأن هذا ما يجعلنا بشرًا. فلنفترض أن لدينا القابلية لأن نكون متعددي المعرفة، فبمجرد إمعان النظر ستتضح لنا الأمور، وذلك عندما نلحظ التناقض الإدراكي في صميم الحضارة الغربية، والحيرة كبرى حول كيفية ظهور الأفكار والاكتشافات والفنون الجديدة.
العلم التجريبي -على سبيل المثال- يُقدَّم لنا بوصفه مجرّدًا ومنطقيًّا وعقلانيًّا وبعيدًا عن العواطف، في حين أنه عشوائي، ومعتمد على الدعم المالي والأنانية، معتمدٌ على القرائح المُلهَمة لممارسي العلم الفطاحل.
وبعيدًا عن كل ما يتعلق بتعدد المعرفة، فإن الأفكار الجديدة تُولد من خلال تلاقح مجاليْن معرفيين.
فرانسيس كريك الذي اكتشف تركيبة الحمض النووي البشري، كان في الأصل فيزيائيًّا، وقد قال إن خلفيته الفيزيائية أعطته الثقة لحلّ مشاكل ظنّ الأحيائيّون أنها عصية ومستحيلة الحل. ريتشارد فاينمان، جاء بأفكاره حول الديناميكا الكهربائية الكميّة التي حاز بها على جائزة نوبل بعدما لاحت له من خلال هوايته الغريبة وهي أن يُدير طبقًا على إصبعه (وكان كذلك يضرب على الطبول، كما أنه كان خبيرًا بفك الخزائن). بيرسي سبنسر وهو خبيرٌ بالرّادار، لاحظ أن الإشعاعات الصادرة من الموجات الميكرويّة أذابت قطعة شوكولا كانت في جيبه، عندها قام بتطوير أفران المايكرويف. هيرام مكسيم، مخترع الأسلحة الرشاشة الحديثة، كان مبدأ الفكرة عنده من خلال مصيدة كان قد اخترعها في مراهقته تصيد الفئران من خلال التصويب.
على كلٍّ، إليك هذه النكتة الكئيبة السوداوية عن العالِم الذي استحدث مجالًا بحثيًا لم يُطرق من قبل، إلا أنه وجد نفسه مضطرًا للتخلي عنه بالكليّة؛ لأن بحثه هذا يتداخل مع مجالات معرفية كثيرة، فعَلِمَ أن بحثه لن يُمَـوَّل، وعلى ما أنتج لنا التلاقح المعرفي من ابتكارات، فإن هذا هو الواقع اليوم.
ويمكن للمرء أن يجد مثل هذا التداخل بين المعارف والفنون في المدرسة التكعيبية في الفن، إذ أنها جمعت ما بين بساطة النحت الأفريقي والنزعة التجريدية في فن الرسم الأوروبي. استطاع ‹‹جان ميشيل باسكيات›› و ‹‹بانسكي›› أن يجعلا فن الشوارع الغرافيتي مقبولًا في المعارض الفنية. ولطالما كان التلاقح المعرفي بين المجالات سببًا لجميع أنواع الابتكارات؛ فالألياف الصناعية مستوحاة من خيوط العنكبوت، والتي صارت تستخدم في صناعة السترات المضادة للرصاص. وأيضًا هواتفنا النقالة اليوم عبارة عن حاسب آلي، وكاميرا، وجهاز ‹‹GPS››.
ولِتَخرج بمثل هذه الأفكار الإبداعية، يتوجب عليك أن تكون عالمًا بأمور خارجة عن تخصصك، وبقدر ما تبحر خارج تخصصك بقدر ما تكون أقرب للإتيان بجديد.
إن الابتكار والتخصص ضدان لا يجتمعان، فالطبيعة الإنسانية والتطور البشري يقومان في أساسهما على تنوع المعارف، بل إن الحياة بطبيعتها متنوعة، فأنت بحاجة إلى أن تَتَعدّدَ معارفُك لتكون قادرًا على عيشها.
وفي الثقافات التقليدية، تجد أن كل شخص فيها يجيد شيئًا من كل شيء، ومع ذلك قد تجد بينهم من عُرِفَ بأنه أفضلهم في الصيد أو الرماية، ولا يلزم من ذلك أن هذا كل ما يجيده.
إن فضل «تعدد المعرفة» في الابتكارات أظهرُ من ألّا يُرى، إلا أننا نُصرّ على غضّ البصر عنه.والعلّة في ذلك تكمن فيما نتوهّمه حول قدرتنا على التعلّم، فنتوهم أن التعلّمَ لا يكون إلا في الصّغَر، وأن بعض المهارات لا يمكن اكتسابها وإنما يُفطر المرء عليها، ويُخيّل إلينا أنّا متى ما انصرفنا نحو مهارةٍ معينة فإنها تأتي على كل ما لدينا من وِسع حتى لا تبقي فينا بقيّةً لغيرها من المهارات.
ولست أدعي أن القائلين بأنّ التعلّم في الصّغَر أيْسَرُ منه في الكِبَر على باطل أو أن ليس لدعواهم دليل من علم الأعصاب، وإنما أقول إن ادعاء تعذّر التعلّم بعد سن الثلاثين -مثًلا- أو بعد التخرج في المدرسة أو الجامعة ادعاء لا دليل عليه. والأظهرُ أن مدار الأمر مُعتمدٌ على النواة القاعدية والتي توجد في الدماغ الأمامي وذلك أن هذا الجزء من الدماغ يفرز كمية كبيرة من الـ(أسيتيل كولين) وهو الناقل العصبي الذي ينظم التواصل بين خلايا الدماغ، وله دور في تعزيز إمكانيتنا في تكوين ذكرياتنا ويحدد مدى قدرتنا على استذكارها. فعندما تعمل النواة القاعدية يُفرَزُ عندها الـ(أسيتيل كولين) فتتكون روابط تواصلية جديدة بين الخلايا، وعندما تتوقف عن العمل تقل الروابط التواصلية بين الخلايا.
ما بين سن العاشرة والحادية عشرة، تكون النواة القاعدية في حالة نشاط مستمر، ويلزم من هذا النشاط إفراز كميات كبيرة من الناقل العصبي (أسيتيل كولين) مما يعني المزيد من الروابط التواصلية بشكل مستمر، فيمكن القول إن الطفل يكون في حالة تعلّم مستمر، ولكن بمجرد ما نبلغ أواخر سن المراهقة يصبح الدماغ انتقائيًّا. فمن خلال البحث في كيفية استعادة المصابين بسكتة دماغية لمهاراتهم اللاتي فقدوها وُجِدَ أن النوى القاعدية تَنْشَط في حالات ثلاث: المواقف الجديدة كليًا، والصدمة، والتركيز المفرط، وأن بقاءها نشطة معتمدٌ على الاستمرار في التعرّض لهذه الحالات.
وقد أيقنتُ من خلال تجربتي في دراسة الفنون القتالية في اليابان أنك تُحقّقُ بالدروس المكثفة ما لا تحققه بالدروس الاعتيادية، فقد دأبتُ لمدة عام على الدراسة لساعة باليوم خلال ثلاثة أيام بالأسبوع، إلا أن النتائج لم تكن كبيرة. وفي السنة التالية انضممت إلى درسٍ مُكثّف بحيث كنت أدرس لمدة خمس ساعات في اليوم خلال خمسة أيام بالأسبوع، فكانت النتيجة أكبر، فحصلت على الحزام الأسود وشهادة معتمدة في التدريب، والحقيقة شعرت بالضيق إذ لم أكن أعلم أنه كان باستطاعتي تعلم فنٍّ قتالي، وذلك لأني قد كنت أحسب أنه إما أن يكون المرء مطبوعًا أو أنه ليس بشيء مطلقًا، ثم رأيت الرياضيين المطبوعين يفقدون مَلَكاتهم عندما توقفوا عن الممارسة والتدريب، وقد كان هذا باعثًا يستنهض الهمّة.
وقد أوحى لي نجاحي فيما فشل به الآخرون بسرّ التعلّم، وذلك أني لم أملك شيئًا لم يملكه غيري بيد أني اجتهدتُ فظفرت، كما أن الاعتقاد باستحالة تعلّم مهارات جديدة هو ما يصدّ الناس عن الخوض في نشاطات خارج تخصصاتهم، وفي اعتقادي أن بإمكاننا ذلك -بل وفي أي عُمْر- ما دمنا نستمرّ في التعلّم، وشعار أذهاننا الذي تتقلّدُه: "تَعَاهَدِ التّعلمَ أو اِفْقده".
إن الذين بلغوا التسعين وما يزالون ينخرطون في أعمال تتطلب تعلّمًا يحافظون بهذا على قدراتهم على التعلّم، فإنْ نحن توقفنا عن تحفيز النواة القاعدية فستنضب. بل إن بعض كبار السن اتضح أن النوى القاعدية لديهم لا تحتوي على أية (أسيتيل كولين) -مما يعني أنهم توقفوا عن التعلم منذ زمن طويل بحيث لم تعد النوى القاعدية تعمل لديهم، وقد يعد هذا عند بعض الحالات الشديدة عاملًا من عوامل الإصابة بالزهايمر وشكل من أشكال الخرف- ويُعالجون -بتحسّنٍ ظاهر ابتداءً- من خلال رفع معدلات الـ(أسيتيل كولين) دوائيًا.
وحتى من لا يعانون من الزهايمر فإن ممارسة أنشطة جديدة تزيد في صحتهم، وستزيد الروابط التواصلية بعد مدة وجيزة من محاولات التعلم، ويجب ألّا يقتصر المرء فقط على حل الألغاز والأحرف المتقاطعة، بل يجب عليه أن يجرب ويتعلم شيئا جديدًا بالكلّية.
إن التوحّد المعرفي أو الإفراط في التخصص يؤول بصاحبه للدفاع عمّا تعلّمه عوضًا عن مدّ حبائل جديدة للتعلم، فتتقهقر قدرته الأولية على التعلم، فيضحي هذا المتخصص كحيوانٍ يدافع عن منطقته، ويمكن للمرء أن يرى ذلك بجلاء في الساحة الأكاديمية، إذ يتنافس الأساتذة الجامعيون على طرد المتطفلين على دوائرهم الضيقة التي طالما حاربوا دونها، وانظر كمثال إلى الجدل المحتدم حول مدى السماح للعلوم التجريبية بالدخول للعلوم الإنسانية والتغوّل عليها.
في حين أننا نجد أن الشخص الموسوعي ومتعدد المعارف، أيًا تكن صفته الاعتبارية أو مرتبته الاجتماعية لا يعبأ بالدفاع والمحاماة عن تخصصه، وذلك لأنه يستمد وجود وقيمته الذاتية من مشارب متعددة.
إلا أن المشتغلين بالعلوم الإنسانية أقلّ عُرضة لما ذكرنا آنفًا، فقد أوضحت دراسةٌ مدهشة، ممولةٌ من جمعية (دانا) ولخّصها د. مايكل جازانيجا من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، أن دراسة الفنون التعبيرية -الرقص، والموسيقى، والتمثيل- تزيد من قدرة المرء على تعلّم أي مجالٍ آخر. وبرجوع الباحثين لعدة دراسات وجدوا أن الحافز عند ممارسي الفنون التعبيرية أعلى بكثير مما لدى ممارسي المجالات الأخرى، وهذه الدرجات العالية من الحافز لدى ممارسي الفنون التعبيرية جعلت منهم واعين بقدراتهم على التركيز مما ساهم في تطورهم، وإن أراد أحدهم فيما بعد ترك هذا المجال فإنّ ما اكتسبوه من مهارة التركيز سيساعدهم على تعلّم أي مجال آخر.
وهذا يذكرني بفكرة من أفكار عصر النهضة، والتي مفادها أن الاشتغال بالنشاطات البدنية إلى جانب المجالات الفكرية يساهم في تطوير قدرتنا على تعلم أمور جديدة، وهذه الفكرة تؤكد بثقة أن تعلّمَ المرء لشيء جديد سيفتح له باب الموسوعية وتعدد المعارف على مصراعيه.
ولهذا، أظن أن لدي من الأسباب ما يكفي لأقترح مجالًا جديدًا للدراسة لتحجيم التوحد المعرفي الذي اُبتليَ فيه عالمنا اليوم، ولنسمِّهِ "الموسوعيّة" وينطبق هذا الوصف على أي مجال يتضمن موادًا علمية وفنية وبدنية مُفعّلة بحقّ، لا كما تدرس المواد البدنية العامة.
وببساطة، إنْ نحن أغفلنا الجانب البدني واكتفينا بتعلمه من الكتب، فإنّا بذلك نُهمل ما نكون به بشرًا، ولنتذكر أن فاينمان ما كان ليُديُر الأطباقَ التي استوحى منها فكرته لولا أن كان لائقًا بدنيًا.
يمكن القول أن من فضائل (الموسوعية) هدايتُك للطرق السريعة للتعلّم مما يُسهم في تبحّرك في أكثر من مجال، كما أنها تُنشئ فيك منهجًا للتعلّم يمكن استخدامه في مجالات متعددة، وأجدى فضائلها هو الإبداع، وضم المتفرقات لبعضها حتى تخرج بشيء جديد، ولا يجدر بك حصر الموسوعية بالإبداع، فإني أزعم أن لها يدًا في تحسين حكمك على كل مجال تنظر فيه.
ومما لا يخفى على أحد، أن الذي لا يحسن سوى أمرٍ واحد يكون في الغالب ثقيلاً، والثقلاء لا يعرفون الفكاهة، ولو كانوا كذلك لأدركوا أنّ من المُضحكات أن تنذر حياتك كلها متخصصًا في مجالٍ ضيقٍ لا تخرج عنه وليس لك على غيره اطلاع، وإني لأتقلّد الرأي القائل: كلما تبحّرت في العلوم كنت أبصرَ في الفصل بين الجد والهزل، ولا أحسبُ أن عاقلاً يقول غير ذلك.
شارك الصفحة
المزيد من المقالات

الترجمان وملاحم اليونان
قد بات كثير من القراء لا يرتاحون حين يجدون الكتب المترجمة مكتوبة على مثال الجملة القرآنية التي جاءت بأفصح لسان، ويتحرجون حين يجدون أن الكتاب المترجم وكأنه مكتوب بالعربية ابتداء لشدة إتقان المترجم وحذقه باللسان المبين.

عن الجمال والإمتاع في الكتابة
الكاتب الذي يريد أن يتلمّس فكرةً مناسبةً للطرح، يجب عليه أن يُحْسن القبض عليها، وأن يُحْسن في تجريدها من الأسمال البالية التي تحجب عنه نصاعتها

تدنّي مراجعات الكتب
لقد صارت المراجعات الشائعة مملة للغاية، وأحكامها المجاملة أصابت جمهور القراء بالخدر والفتور
