header

المشاعر مرآة الأفكار لا الواقع

دا
د. نورة الفليجد. نورة الفليج
04 فبراير 2026
٣ دقيقة قراءة
pexels-236636281-33948910

استوقفني أثناء قراءتي لأحد كتب المؤلفة (مورا ميلي) نصٌ مُضِيءٌ، مُلْهِم، تقول فيه: "المشاعر هي في الواقع نتاج أفكار ومعتقدات، وإذا كانت أفكارنا متحيزة، فإن المشاعر التي نمر بها لا تعكس الواقع بسبب هذه الأفكار". 

هل قرأته مرتين؟ هذه الفكرة المشعة التي يحملها النص تنبسط بضيائها على جوانب عدة؛ فأفكارنا وتصوراتنا تجاه الأشخاص والأشياء تولّدُ مشاعرنا تجاهها، والمشاعر بدورها تولّد السلوك، لتكون المشاعر هي البوصلة التي توجّه سلوك الإنسان قرباً وبعداً، قولاً وفعلاً، ثقةً وحذراً

فإذا تشوهت تلك الفِكر التي يحملها المرء؛ رمت بشرر، سيما في علاقاته، فمن يعتقد مثلاً: أن من يتأخر في الرد على رسائله غير آبهٍ به، سيشعر بمشاعر سلبية تجاه الطرف الآخر وإن كان معذوراً في تأخره، ومن يعتقدُ أنّ انتقادَ أفكاره؛ رفضٌ لشخصه، سيحمله ذلك على الانفعال والغضب، وسيفوّت على نفسه فرصة البناء من الملاحظات البناءة، فالأفكار الخاطئة المشوهة وقودٌ لمشاعر تشبهها؛ تؤدي إلى تآكل العلاقات، وتؤثر على التواصل المثمر.

كما يمتد أثر الأفكار في السلوك؛ إلى الطريقة التي يُدركنا بها الآخرون، أعتقد أن الإنسان يحمل في عقله لوحة كبيرة من البزل لكل شخص في علاقاته، تكوّنها المواقف، وترسمها المشاعر نحتًا، نعم! (نحتاً)؛ فللمشاعر دور عظيم في تكوين الصورة الذهنية عن شخص ما، ما نشعر به تجاه الأشخاص عسير النسيان، فالمواقف والأقوال والأفعال قد تنسى، لكن المشاعر المحتفة بها صعبة النسيان، فمن شعرت أثناء حديثه بالتفاؤل والأمان سترتبط تلك المشاعر به، وستتذكرها كلما رأيته، وهكذا تتابع المواقف والأقوال والأفعال لتكمل تلك الصورة، ومن هنا تأتي أهمية اللقاء الأول، والانطباع الأول الذي يوليه مجال التنمية البشرية عناية كبرى، فهي القطعة الأولى من البزل في لوحتك في أذهان الآخرين. هل لديك لوحة بزل ذهنية للأشخاص في حياتك؟ أم محكمة استئناف، تقضي فيها بحكم لا رجعة فيه؟ 😊

من العجيب أن هذه الصورة الذهنية للأشخاص في العلاقات شبه ثابتة مهما تغير الشخص، ومن طريف ما قاله جورج برنارد شو بهذا الصدد: "الشخص الوحيد الذي أعرفه ويتصرف بعقلانية هو الخياط فهو يأخذ مقاساتي من جديد في كل مرة يراني فيها، أما الباقون فيستخدمون مقاييسهم القديمة، ويتوقعون مني أن أناسبها".

بناءً على ما تقدم؛ هل سأقول لك بمثالية اخلق صورةً خلّاقة لك في أذهان الآخرين؟ كوّن لوحةً بديعةً من البزل لدى كل طرف في علاقاتك؟ الجواب: ستبذل وسعك في بناء ذاتك، وستظل تسعى في هذا البناء الذي لا ينتهي صدقاً، ولسان الحال: 

وذا الجِدُّ نلتُ فيه أم لم أنَلْ جَدُّ

وأثق أنك بتوفيق الله ستنال ما سعيت، لكن هل ستكوّن الصورة الرائعة لك في ذهن كل شخص في علاقاتك؟ الجواب: لا، لأن هذا مستحيل، لماذا؟ ببساطة لأن الأفكار ليست دائماً موضوعية وصادقة ومنصفة، بل كم جارت وحادت وانحازت! وما الذي يدفعها للجور والانحياز؟ قائمة طويلة من الأسباب كثيرٌ منها دوافع ذاتية كالغيرة والحسد مثلاً، ومن بديع شعر المتنبي في هذا المعنى: 

أُعَادَى عَلَى مَا يُوجِبُ الحُبَّ للفَتَى

وأَهْدَأُ والأفكارُ فيّ تَجُوْلُ

سِوَى وَجَعِ الحُسَّادِ دَاوِ فإنه

إذا حَلّ في قلبٍ فليس يزولُ

ولا تَطْمَعَنّ مِن حَاسِدٍ في مودةٍ

وإن كُنتَ تُبْدِيها لهُ وتُنِيلُ

ختاماً.. لا تثق بمشاعرك ابتداءً، بل افهم امتدادها، والفكرة التي تقف خلفها، وقوّمها متى مالت، وبتنقية أفكارنا من التعميم وسوء الظن وسلسة المؤثرات نمنح أنفسنا فرصة التواصل بوعي، والغضب بعدل، والتعامل بإنصاف.

شارك الصفحة

المزيد من المقالات

الترجمان وملاحم اليونان

الترجمان وملاحم اليونان

قد بات كثير من القراء لا يرتاحون حين يجدون الكتب المترجمة مكتوبة على مثال الجملة القرآنية التي جاءت بأفصح لسان، ويتحرجون حين يجدون أن الكتاب المترجم وكأنه مكتوب بالعربية ابتداء لشدة إتقان المترجم وحذقه باللسان المبين.

حسان الغامدي
عن الجمال والإمتاع في الكتابة

عن الجمال والإمتاع في الكتابة

الكاتب الذي يريد أن يتلمّس فكرةً مناسبةً للطرح، يجب عليه أن يُحْسن القبض عليها، وأن يُحْسن في تجريدها من الأسمال البالية التي تحجب عنه نصاعتها

محمد ناصر الكربي
تدنّي مراجعات الكتب

تدنّي مراجعات الكتب

لقد صارت المراجعات الشائعة مملة للغاية، وأحكامها المجاملة أصابت جمهور القراء بالخدر والفتور

كتابة: إليزابيث هاردويك ترجمة: يارا عمار