أعطيت ابنتي ذات الاثنتي عشرة سنة مئة دولار حتى تقرأ كتابًا في الصيف. كان هذا هو الملاذ الأخير بالنسبة لمناورات الأمهات، وحجم ما دفعته مبالغًا فيه بالتأكيد. لا أقول إني فخورة بذلك، لكني راضية لأن الخطة نجحت، لدرجة أني أوصي الآباء الذين يواجهون عزوف أبنائهم عن القراءة بفتح محافظهم وإرشاء أطفالهم حتى يقبلوا على القراءة!
ابنتي طفلة فائقة الذكاء، أذكى مني قطعًا عندما كنت في مثل عمرها. لكنها لم تقرأ كتابًا قط بهدف الاستمتاع حتى لجأت إلى رشوتها. كانت تقرأ الكتب المدرسية لكن بشق الأنفس، وبمبادرة منها لم تقرأ سوى بضع روايات مصورة واستمعت إلى سلسلة "هاري بوتر" الصوتية. لم يصبح أي من تلك الأنشطة بوابة لاكتساب عادة القراءة الكلاسيكية العميقة كما أسميها، تلك التي تتطلب تثبيت العينين في الورقة وعدم الالتفات لأي شيء يحدث.
عندما أدركت هذه الحقيقة قبل بضعة أشهر شعرت أنه إخفاق أبوي. فرغم أننا قرأنا قصصًا كثيرة عندما كانت أصغر من ذلك، وبيتنا يعج بالكتب، لم أتمكن من غرس إحدى ملذات الحياة الأساسية في قلب طفلتي.
كشف مسح فيدرالي مُحبط قبل الجائحة مباشرة عن مدى تراجع إقبال الأطفال على القراءة بهدف الاستمتاع. أفاد ما يقرب من 30% ممن في عمر الثالثة عشرة أنهم لم يقرأوا "قط أو نادرًا" بهدف الاستمتاع، وهي قفزة كبيرة من نسبة 8% الذين قالوا ذلك قبل 35 عامًا. ونظرًا لأن الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات ارتفع بنسبة كبيرة أثناء الجائحة، فمن المنطقي أن نستنتج أن القراءة الترفيهية غدت نشاطًا مهددًا بين الأطفال.
يُفترض ألا يكون إبراز أهمية القراءة صعبًا على مَن أفنى عمره فيها، نحن الذين نعتزّ بطاولات السرير التي تعلوها أكوام الكتب المتأرجحة، والذين نحتفظ في ذاكرتنا بالشخصيات والأفكار التي جمعناها على مدار السنين من صفحات الكتب كالأصدقاء. جميعنا ندرك كيف تعزز القراءة نسيج تجربتنا، ومع ذلك فوجئت من الصعوبة التي عانيتها لإيصال أيًا من هذه الأفكار لابنتي العازفة عن القراءة. ادّعت أنها تكره القراءة، بل ولا تهتم أن تكسب حبها، ولا ترى أية مشكلة في ذلك لأن كثيرًا من أصدقائها لا يهتمون بالقراءة كما تقول. أدركت أنني إن أردت أن أنقل متعة القراءة لابنتي، فلا بد أن أوضّح ماهية هذه المتعة لنفسي أولًا.
يُعزى جزء من المشكلة بالتأكيد إلى اقتناء ابنتي هاتفا ذكيًا العام الماضي -آيفون مستعمل عليه عدد لا يحصى من أدوات الرقابة الأبوية ومحدّدات الوقت- فقبل ذلك كانت شخصية اجتماعية ومرحة تصرخ ببهجة لأقل شيء كرؤية حلوى جديدة تبرد في الثلاجة. أما بعد اقتناء الهاتف، تحوّلت إلى كائن خامل ترد ردودًا مقتضبة بكلمة واحدة، لم تكن ترغب سوى في الانزواء في غرفتها تحت الغطاء مع إسدال الستائر وإغلاق الباب، وتظل ممسكة بهذا الجهاز المستطيل الصغير وكأن تركه سيقضي على حياتها الاجتماعية بأكملها. ما لم يتعلق الأمر بأصدقائها أو هاتفها فلم يكن على لسانها سوى كلمة "ممل".
هل جربت مرة أن تقنع بحماس يافعًا يشارف على الثالثة عشرة -يفرض عليه أبواه حظر الهاتف لعدة ساعات- أن يخرج علبة ألوانه المائية القديمة؟ أو ربما أن يجرب الأوريغامي (فن طي الورق)؟ ما لم ترغب في رؤية الشرر يتطاير من عيني هذا المراهق، فأنصحك ألا تفعل.
لكني ظللت متمسكة بالقراءة، لأني أدركت أن ما كانت ابنتي تبحث عنه -شأنها شأن الكثير في مثل عمرها- هو الهروب، ورأيت أن هذا طبيعي بالنسبة لمرحلتها العمرية. لكن المشكلة هي أن أسهل طريق للهروب هو الانغماس في الفوضى الإدمانية لهاتفها الذكي.
ولذلك باشرت حملة لإقناعها: أخبرتها أنها تحتاج إلى القراءة لأن الروايات هي أفضل طريقة لمعرفة بواطن النفوس، فقالت إن بإمكانها جني معرفة أوسع ممن تتابعهم على وسائل التواصل الاجتماعي الذين يفصحون عن كل ما في داخلهم.
قلت إن الكتب تحتوي على قصص، فقالت "نتفليكس كذلك".
قلت إن الكتب تعلمنا التاريخ، فقالت "الإنترنت موجود".
قلت إن الكتب ستساعدها على فهم نفسها، فقالت "اممم، لا شكرًا سأكتفي بالعيش".
وعدتها أني لن أبخل في شراء جميع الكتب التي ترغب بها، وأن أشيّد مكتبة في غرفتها حتى يتسنى لها رؤية الكتب التي تحبها من سريرها. فقالت "أمي، هذا حلمكِ أنت".
أدركت أني لن أغلب ابنتي في نقاشاتنا، لأني أرى كثيرًا من حججها ضد القراءة خاطئة. نعم القراءة وسيلة لتوسيع عالم المرء واستكشاف عوالم جديدة، لكن الإنترنت بأكمله كذلك. ولذا فإن هذه النقاشات -التي أزعجت كلًا منا- كانت ستؤول حتمًا إلى إلحاحي في الحديث عن الإدراك والانتباه وأوجه نفع القراءة لها.
لكن ليس هذا هو سبب رغبتي في أن قرأ ابنتي، لم يكن غرضي تحسين وظائف دماغها، بل أن تطلع على نوع من السحر الدفين. أتعرف حين يصف كاتب شعورًا لم تكن تدري أنه كامن فيك فيضيء 100 مصباح في رأسك كأنها لحظة تجلي؟ أردتها أن تجرب هذا الشعور. يقول نيل بوستمان في كتابه "اختفاء الطفولة" 1982: "إن الوسائط المعتمدة على الشاشة كالتلفاز أو الفيديو لا تنشئ هذا النوع من العلاقة، لأن الوسائط بطبيعتها لا بد أن تملأ جميع الفراغات لك، أما الكتب فتترك مساحة للفراغات وللابتكارات الداخلية التي تلهمها".
ولذا قررت أن أقطع على نفسي طريق التفكير وأنتقل إلى نهج عملي صارم: الكاش. أخبرت ابنتي أني سأدفع لها 100 دولار حتى تقرأ رواية. فقالت "ماذا؟ حقًا؟"
بالطبع وافقت.
استشرت أصدقائي الذين لديهم أبناء مراهقين عن الكتاب الذي سيشعل رغبتها في القراءة. اقترح بعض غرباء الأطوار كتب مثل "الأمير الصغير" و"مرتفعات ويذرينغ"، إلا أن الكتاب الذي أوصى به مَن يعرف ابنتي كان "الصيف الذي أصبحت فيه جميلة" لجيني هان، والذي تحول إلى مسلسل مشهور على أمازون برايم وقد شاهدته ابنتي وأحبته.
عقدت الصفقة: 100 دولار إن أنهت الكتاب في غضون شهر. ثم انطلقنا في عطلة على الشاطئ مدتها ثمانية أيام، فانتهت ابنتي من الكتاب قبل اليوم السابع، ولمّا عُدنا إلى المنزل طلبت الجزء الثاني ثم أنهته في غضون أسبوعين تقريبًا – دون تكلفة إضافية.
هل سيقودها هذا الكتاب إلى قراءة "نساء صغيرات" و"الحارس في حقل الشوفان" و"أسنان بيضاء" بشغف؟ هل سيؤدي إلى حياة قرائية مديدة تكتظ فيها طاولات السرير بأكوام الكتب المتأرجحة التي ستراها بمثابة أصدقاء ومعلمين ودعامين، وسلوى من المصاعب التي تلقاها في حياتها؟
لست أدري. ما أعلمه الآن أن ابنتي تملك الآن منتجات سيفورا بقيمة مئة دولار، وقد كنت رفضتُ شراءها طوال العام الماضي. وأعلم أيضًا أننا سويًا فتحنا بوابة جديدة للكتب الورقية: مكان شخصي هادئ أتخيل -وآمل- أنه سيخدمها مدى الحياة. أشعر أن هذا أفضل مال أنفقته في حياتي.
شارك الصفحة
المزيد من المقالات

عن الكتابة
لماذا نكتب إذن؟ ربما كانت بداية الكتابة مع الإنسان القديم ليضع بصمته على العالم.

دليلٌ بشري لمراجعات الكتب
تشد الحاجة إلى مراجعات الكتب حاليًا، بسبب الطوفان الكبير من الإصدارات، فنحتاج إلى متخصصين، يرشدوننا لأفضل المطبوعات.

من القراءة المجردة إلى القراءة التزكوية تأملات أخلاقية لمفهوم القراءة في سورة العلق
اقترنت التزكية بأثر قراءة القرآن الكريم في النظم الكريم في مواضع متعددة.
