header

التفكير الناقد في البنية البلاغية: قراءة استكشافية للبيان العربي

د. محسن الشهري
د. محسن الشهريد. محسن الشهري
27 أكتوبر 2025
١٢ دقيقة قراءة
pexels-wong-peter-673568228-33838415

في ظل عالم يتسم بانفتاح غير مسبوق في عرض الأفكار، وتسارع مستمر في التحولات المعرفية والتواصلية، تبرز الحاجة إلى أدوات فكرية ومنهجية قادرة على ضبط المعنى، وتوجيه الخطاب، وصناعة المحتوى الفعّال.

ومن بين أبرز هذه الأدوات يبرز علم البلاغة والتفكير الناقد بوصفهما ركيزتين معرفيتين متكاملتين، يجمعهما الاشتغال على المعنى، وإن اختلفت منطلقاتهما ومساراتهما. فالبلاغة علم يُعنى بتتبع دقائق المعاني، وملامسة جماليات اللغة، والوقوف على أساليب التأثير مما يمكنها أن تنفذ إلى عمق الفكرة، وتُعنى بتشكيلها وتوجيهها. أما التفكير الناقد فهو أداة عقلية لفحص المعاني وتحليلها وتقويمها، وفق معايير منطقية دقيقة، تهدف إلى بناء فهم رصين، وحكم موضوعي.

ورغم التباين الظاهري بين البلاغة والتفكير الناقد إلا أن بينهما تداخلاً بنيويًا عميقًا، إذ تتجلى معايير التفكير الناقد في صلب الاشتغال البلاغي، وتشكل جزءًا من بنيته المفهومية والمنهجية، فالبنية البلاغية ليست مجرد بناء جمالي، بل هي بنية نقدية بامتياز، تقوم على التمييز، والتحليل، والتقويم، وتُعنى بتشكيل المعنى وفق مقتضيات المقام والسياق.

يهدف هذا المقال إلى بناء رؤية تكاملية تُبرز كيف يمكن للبلاغة أن تُسهم في تنمية مهارات التفكير، وكيف يمكن للتفكير الناقد أن يُعيد قراءة البلاغة بوصفها علمًا للفهم والتقويم، لا مجرد أداة للتأثير، وذلك من خلال تحليل معايير التفكير الناقد كما تتجلى في البنية البلاغية، وهي: الوضوح، الصحة، الدقة، الربط، العمق، الاتساع، والمنطق.

إن هذا التلاقي بين البلاغة والتفكير الناقد لا يُعدّ مجرد تقاطع معرفي، بل هو مدخل لإعادة بناء العقل على أسس من الانضباط، والتمييز، والوعي، في زمن تتطلب فيه صناعة المعنى أدوات دقيقة، ومنهجيات متكاملة.

أولا: الوضوح

يُعدّ الوضوح من أولى السمات التي ينبغي توافرها في النص البليغ، إذ يُشكّل معيارًا نقديًا أساسًا يُبنى عليه الحكم على جودة العبارة البلاغية، فلا يُتصوّر في البلاغة أن تكون العبارة غامضة أو مشوبة بالتعقيد الذي يحجب المعنى، وقد عبّر عن هذا المفهوم البلاغي أبو الحسن الرماني في تعريفه للبلاغة بقوله: "البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ"، وهو تعريف يُبرز مركزية الوضوح في تحقيق البلاغة، كما أن البلاغيين قد قرروا في مبحث الفصاحة جملة من الشروط التي تؤكد هذا المعنى، ومنها: سلامة الكلمة من تنافر الحروف، وموافقتها للقياس اللغوي، وخلوّها من الغرابة، وسلامة التركيب من ضعف التأليف، وهذه المعايير مجتمعة تُعدّ شواهد دالة على أن الوضوح ليس مجرد سمة بلاغية، بل هو شرط جوهري في بناء النص البليغ وتلقيه بفاعلية، فالوضوح لا يُعدّ مجرد سمة بلاغية تُحسن بها العبارة، بل هو مبدأ جوهري تتقاطع عنده البلاغة مع التفكير الناقد؛ ففي البلاغة يُطلب الوضوح لتيسير إيصال المعنى إلى المتلقي بأدق صورة وأجمل لفظ، وفي التفكير الناقد يُعدّ الوضوح أحد أبرز المعايير التي يُبنى عليها صدق الفكرة وسلامة الاستدلال، فكما أن الغموض يُضعف الأثر البلاغي، فإنه كذلك يُربك الفهم ويُشوّش الحكم في التفكير المنطقي، ومن هنا، يتجلّى الوضوح كقاسم مشترك بين البيان المؤثر والفكر الرصين، وهو ما يجعل منه ركيزة لا غنى عنها في كل خطاب يسعى إلى الإقناع والتأثير.

ثانيا: الصحة

لا يقصد بالصحة هنا صحة النص وفق قواعد النحو أو الصرف، إنما الصحة هنا صحة البيان، وهي موافقة الكلام ومطابقته لمقتضى الحال، وهذه المطابقة تعد جوهر البلاغة وعمادها؛ ليؤدي الكلام أغراضه التي ينشدها من التأثير والإقناع، يقول بشر بن المعتمر في صحيفته المشهورة: "مدار الشرف على الصواب، وإحراز المنفعة مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال"، وقد أطلق عليها عبد القاهر الجرجاني "توخي معاني النحو في الكلام"، ومعاني النحو هي المعاني البلاغية، فمن الكلام لا يصح إلا بأسلوب القصر، أو التقديم والتأخير، أو التأكيد، أو بالصورة المجازية، أو بالمحسنات البديعية، وغير هذه من الأساليب التي يستدعيها المقام وفق مقتضيات الأحوال، وكما يقول الجاحظ: "وللإطالة [الإطناب] موضع، وليس ذلك بخطل، وللإقلال [الإيجاز] موضع، وليس ذلك عن عجز". وخلاصة القول إن صحة البيان لا تتحقق إلا بحسن اختيار الأسلوب المناسب للمقام، فليست البلاغة مجرد زخرفة لفظية، بل هي فن إيصال المعنى بأدق صورة وأبلغ تعبير، بما يوافق الحال ويحقق التأثير، فكما أن صحة البيان تتطلب مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فإن صحة التفكير تتطلب مطابقة الفكرة للواقع، وخلوها من المغالطات والانحرافات المنطقية.

ثالثا: الدقة

يقصد بالدقة في التعبير استيفاء الموضوع حقه من المعالجة والبيان، بحيث يطابق الكلام ما هو مراد منه دون زيادة أو نقصان، ولا يُعد الكلام بليغًا حتى يتحقق فيه هذا الشرط، وقد أدرك البلاغيون القدماء هذا المعنى إدراكًا عميقًا، فعبّروا عنه بأقوالهم المأثورة، مثل قول خالد بن صفوان: "أبلغ الكلام ما لا يحتاج إلى كلام"، وقول العتابي: "كل من أفهمك حاجته من غير إعادة ولا حبسة ولا استعانة فهو بليغ"، وهما شاهدان على أن البلاغة لا تنفصل عن الدقة في إيصال المعنى، ومن مظاهر هذه الدقة في التعبير البلاغي، التمييز بين أدوات الشرط مثل "إن" و"إذا"، حيث تُستخدم "إن" لما يُشك في وقوعه مستقبلاً، بينما تُستخدم "إذا" لما يُقطع بوقوعه، ويتجلى هذا في قوله تعالى: {وإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه} سورة الأعراف: 131، فقد استُخدمت "إذا" مع الحسنة لكثرة تحققها، و"إن" مع السيئة لندرة وقوعها، وقد تستخدم "إن" في موطن "إذا" لغرض بلاغي، كما في قوله تعالى: {أفنضرب عنكم الذكر صفحًا أن كنتم قومًا مسرفين)}سورة الزخرف: 5، على قراءة كسر همزة "إن"، حيث جاء التعبير توبيخيًا يصور الإسراف وكأنه أمر لا يُتصور صدوره من العاقل، مما يعكس دقة الاختيار اللفظي في سياق المعنى، ومن هنا فإن معيار الدقة يمثل جسرًا معياريا بين البلاغة بوصفها فنًّا للتأثير، والتفكير الناقد بوصفه أداة للفهم والتقويم، مما يجعل من البلاغة مجالًا تربويًا مثاليًا لتدريب العقل على الانضباط، والتمييز، وحسن الاختيار.

رابعا: الربط

يقصد بالربط في التفكير الناقد مدى العلاقة بين السؤال أو المداخلة أو الحجة أو العبارة بموضوع النقاش، ويُعد هذا الربط معيارًا جوهريًا في تقييم جودة التفكير، إذ يكشف عن مدى إدراك المتكلم للعلاقات المنطقية والموضوعية بين العناصر المطروحة، ومن تجليات هذا الربط في البلاغة ما يكون في الصورة التشبيهية بين المشبه والمشبه به، وبين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي في الاستعارة، وفي الكناية بين المعنى الحقيقي والمعنى المراد، فضلا عن التناسق بين المطالع بما يليها، وبالمقاصد، وغيرها من العلاقات المنطقية الضابطة في علوم البلاغة العربية، والتي من شأنها أن تشحذ الفكر حول استنطاق هذه العلائق التي تتفاوت بين والوضوح والعمق، وإيقاظ الملاحظة على أن الربط بين الصور والمعاني فكرة ذهنية تستدعي العلاقات بين الأشياء كانت قريبة أو بعيدة، ومن الأمثلة الدالة على ذلك قول ابن المعتز:

اصبر على مضض الحسود فإن صبرك قاتله

فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله

يجسد هذا البيت الشعري صورة بلاغية عميقة، إذ يشبّه الشاعر حال الحاسد بالنار التي تأكل ذاتها إن لم تجد ما تحرقه، ووجه الشبه هنا هو الإيذاء الذاتي، فالنار بطبيعتها محرقة، وإذا لم تجد ما تصيبه، ارتدت إلى نفسها فأحرقتها كذلك الحاسد إن لم يجد ما ينفس به حسده أكلته نار الغيظ والكمَد، فصار حسده سببًا لفنائه الداخلي، إن هذا التشبيه لا يقتصر على الإبداع الفني، بل يُجسّد ربطًا دقيقًا بين المشبه والمشبه به يُفضي إلى بناء معنى مركّب يُسهم في توجيه الفكر نحو إدراك العواقب النفسية للسلوك السلبي.

ويُعدّ هذا النوع من الربط في الصورة التشبيهية مثالًا على التفاعل المنطقي بين عناصر البلاغة، حيث يُوظف التشبيه لتوليد المعنى، وتقديم الحجة، وإحداث التأثير، مما يسهم في بناء خطاب نقدي يعزز مهارات التفكير الناقد وينمي أدواته التحليلية، فحين تُوظف البلاغة بوعي وعمق، تصبح أداة فعالة في تدريب العقل على التحليل، والاستنباط، والتمييز، مما يُبرز قدرتها على خدمة الفهم الرصين، وصناعة المعنى المؤثر.

خامسا: العمق

يقصد بمعيار العمق في المعالجة الفكرية تجاوز السطحية في تناول الموضوعات، والانتقال إلى مستويات أكثر تعقيدا وتركيبا من الفهم والتحليل، ويتجلى هذا العمق في النصوص البليغة من خلال تعدد طبقات المعاني، إذ لا يقتصر الفهم على ظاهر اللفظ، بل يتعداه إلى ما أطلق عليه معنى المعنى كما وصفه عبد القاهر الجرجاني، وهو أن يُستنبط من اللفظ معنى أول ثم يُفضي هذا المعنى إلى معنى ثانٍ أعمق، لا يُفهم مباشرة من ظاهر اللفظ، بل من خلال دلالاته ومستلزماته، ومثال ذلك قولك: (علي كثير الرماد) فهذا يستلزم أن المتلقي يستدعي في ذهنه كثرة الطبخ للضيوف، وعليه فيكون لفظ (كثير الرماد) دالا على معنى الكرم بواسطة المستلزمات التي توصل إلى معنى المعنى، ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى: {الر كتب أنزلنه إليك لتخرج الناس من الظلمت إلى النور} سورة إبراهيم: 1، والظلمات والنور استعارة للكفر والإيمان، لأن الكفر يجعل صاحبه في حيرة فهو كالظلمة في ذلك، والإيمان يرشد إلى الحق فهو كالنور في إيضاح السبيل، وقد يستخلص السامع من ذلك تمثيل حال المنغمس في الكفر بالمتحير في ظلمة، وحال انتقاله إلى الإيمان بخال الخارج من ظلمة إلى مكان منير، كما فسّر ذلك ابن عاشور.

وعلى ما تقدم فيتجلى معيار العمق في البلاغة من خلال قدرة النص على استدعاء معانٍ غير مباشرة تتجاوز ظاهر اللفظ، وهو ما يتقاطع مع مهارات التفكير الناقد التي تتطلب تحليلًا متعدد المستويات، واستنباطًا للمعاني الضمنية، وربطًا بين المفاهيم، فكلما كان النص قادرًا على توليد "معنى المعنى"، كان أكثر قابلية للتفكير الناقد، وأشد بلاغة في التأثير والإقناع.

سادسا: الاتساع

يقصد بمعيار الاتساع في المعالجة الفكرية القدرة على استيعاب جميع جوانب الموضوع دون إغفال أو اختزال، وهو ما يتجلى في البلاغة من خلال قابلية النص لتحمل أوجه متعددة من المعاني تتكاثر دون أن تتناقض أو تتدافع، ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى: {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} سورة: آل عمران: 103، فالضمير في قوله: (منها) يحتمل أن يعود على (النار) وهو أقرب مذكور، وقد يعود على (شفا)، ومن ذهب إلى القول الأخير علل بأن الإنقاذ من الشفا أبلغ من الإنقاذ من الحفرة ومن النار؛ لأن الإنقاذ منه يستلزم الإنقاذ من الحفرة ومن النار، والإنقاذ منهما لا يستلزم الإنقاذ من الشفا، ومن الأمثلة كذلك قوله تعالى: {وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين} سورة الأعراف: 56، إذ يحتمل التركيب عدة أوجه بلاغية، فقوله: خوفا وطمعا، يحتمل الحالية، ويكون المعنى ادعوه حال كونكم خائفين وطامعين، ويحتمل المفعول لأجله، ويكون المعنى ادعوه لأجل الخوف والطمع، ويحتمل المفعولية المطلقة، ويكون المعنى تخافون خوفا، وتطمعون طمعا، وكل هذه المعاني محتملة ولا تتدافع.

وعلى ما تقدم فإن معيار الاتساع في البلاغة يوازي في التفكير الناقد القدرة على النظر إلى المسألة من زوايا متعددة، واستيعاب الاحتمالات دون الوقوع في التناقض أو التحيز، فكلما اتسعت دلالات النص وتعددت أوجهه الممكنة، كان أكثر قابلية للتحليل النقدي، وأشد قدرة على إثارة التفكير، مما يجعل البلاغة ميدانًا خصبًا لتطبيق مهارات التفكير الناقد في أرقى صورها.

سابعا: المنطق

يقصد بمعيار المنطق انتظام المقدمات وتسلسلها وترابطها في المعالجة الفكرية، بما يؤدي إلى نتائج واضحة ودقيقة، ويُعد هذا المعيار أساسًا في بناء الفهم العميق إذ يقتضي أن تكون الأفكار مرتبة ترتيبًا يفضي إلى معنى متماسك ومفهوم.

وفي السياق البلاغي يتجلى هذا المعيار في البناء المنهجي لعلوم البلاغة التي استقر عليها الدرس البلاغي بعد استقراء المادة اللغوية في كتب العلماء، حيث توزعت على مقدمة وثلاثة علوم رئيسة تستوعب طبقات النص البليغ من حيث الشكل والمضمون، فالمقدمة تتناول الفصاحة التي تعنى بدراسة الكلمة والكلام والمتكلم، وقد اشترط العلماء في فصاحة الكلمة سلامتها من تنافر الحروف، ومخالفة الوضع، والغرابة، وفي فصاحة الكلام سلامته من تنافر الحروف، وضعف التأليف، والتعقيد، أما بلاغة المتكلم هي ملكة يقتدر بها على التعبير عن المقصود بكلام بليغ لأي غرض. ثم يأتي علم المعاني الذي يشتغل على التحولات النحوية في النص من خلال التفاعل بين عناصر التركيب، بدء من أحوال أجزاء الجملة، والجملة من: الذكر والحذف، والتقديم والتأخير، والتعريف والتنكير، وخروج الكلام عن متقضى الظاهر، والقصر، ومن أحوال الجمل من: الفصل والوصل، والإيجاز والإطناب والمساواة. ويليه علم البيان الذي يدرس التحولات الدلالية للمفردة في سياقها التركيبي، من خلال التشبيه، والاستعارة، والمجاز، والكناية، بما يثري المعنى ويعمقه، ويختم بعلم البديع الذي يعنى بتحسين النص وفق مقتضيات المقام، وهذا التحسين يشتغل على الجانب اللفظي والمعنوي.

وهكذا يتضح الترتيب المنطقي في أبواب البلاغة بدءاً من البسيط إلى المركب، ومن المفردة إلى الجملة ثم إلى الجمل والسياق العام، وبالجملة إذا كان علم الصرف يبحث في بنية الكلمة وضوابطها، والنحو يبحث في إعراب الكلام، فإن البلاغة تمثل ثمرة علوم العربية، إذ تنتقل من صحة المفردة والتركيب إلى صحة المعنى وبلاغته، وفق مقتضيات اللسان العربي والسياق الخطابي.

وعلى ما تقدم فإن معيار المنطق في البلاغة يتقاطع مع التفكير الناقد في اشتراطه الترتيب المنهجي، والترابط الداخلي بين المقدمات والنتائج، مما يُفضي إلى فهم دقيق ومعالجة عقلانية، فكما يُشترط في التفكير الناقد أن تكون الاستنتاجات مبنية على مقدمات واضحة ومترابطة، فإن البلاغة تُعنى ببناء النص على أسس منطقية تبدأ من الكلمة وتنتهي بالسياق مما يجعلها ميدانًا مثاليًا لتطبيق التفكير المنطقي والنقدي في آنٍ واحد.

الخاتمة

يتضح من خلال هذا العرض أن البلاغة العربية ليست مجرد علم جمالي يُعنى بزخرفة الألفاظ، بل هي منظومة معرفية نقدية تتقاطع بعمق مع معايير التفكير الناقد، بدءًا من الوضوح الذي يُعد شرطًا في إيصال المعنى، مرورًا بالصحة التي تقتضي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، والدقة التي تضمن استيفاء المعنى دون إخلال، والربط الذي يُظهر العلاقات المنطقية بين عناصر النص، والعمق الذي يستدعي تعدد طبقات المعنى، والاتساع الذي يسمح بتعدد التأويلات دون تناقض، وانتهاءً بالمنطق الذي يضبط تسلسل الأفكار وترابطها في بناء النص البليغ.

وقد أظهر التحليل أن هذه المعايير النقدية جزء من بنية البلاغة، مما يجعلها ميدانًا خصبا لتدريب العقل على مهارات التفكير الناقد، ويمنحها بعدًا إجرائيا يتجاوز حدود استشعار جماليات النص الأدبي إلى آفاق الفهم والتحليل والتقويم، وهذه بعض التوصيات التي خرج بها هذا المقال:

  • توظيف النصوص البلاغية في تدريب مهارات التفكير الناقد من خلال تحليلها وفق معايير التفكير، مما يُعزز القدرة على الفهم العميق والتقويم المنهجي.
  • إعادة قراءة التراث البلاغي بعين نقدية؛ لاستكشاف الأبعاد العقلية والمنطقية فيه، وتوظيفها في بناء خطاب معاصر يجمع بين الجمال والدقة والفاعلية.
  • تشجيع البحوث البينية التي تربط بين علوم اللغة وعلوم التفكير بما يُثري الحقول المعرفية، ويُنتج رؤى جديدة في فهم النصوص وتوظيفها.

شارك الصفحة

المزيد من المقالات

عن الكتابة

عن الكتابة

لماذا نكتب إذن؟ ربما كانت بداية الكتابة مع الإنسان القديم ليضع بصمته على العالم.

يارا محمد
دليلٌ بشري لمراجعات الكتب

دليلٌ بشري لمراجعات الكتب

تشد الحاجة إلى مراجعات الكتب حاليًا، بسبب الطوفان الكبير من الإصدارات، فنحتاج إلى متخصصين، يرشدوننا لأفضل المطبوعات.

حمود الباهلي
من القراءة المجردة إلى القراءة التزكوية تأملات أخلاقية لمفهوم القراءة في سورة العلق

من القراءة المجردة إلى القراءة التزكوية تأملات أخلاقية لمفهوم القراءة في سورة العلق

اقترنت التزكية بأثر قراءة القرآن الكريم في النظم الكريم في مواضع متعددة.

د. محسن الشهري