مدخل إشكالي
تُعاني النظريات اللغوية والنقدية الحديثة، على اختلاف مشاربها البنيوية والتفكيكية والتداولية من فجوة مفهومية تتجلى في الفصل بين الأداء اللغوي والقيّمة الأخلاقية؛ إذ تُعامَل اللغة في هذه التصورات بوصفها أدوات وظيفية خالصة تقاس فاعليتها بمدى تأثيرها دون التفات إلى البعد القيّمي الذي يُمكن أن يحكم هذا التأثير أو يُوجهه.
فالبلاغة الأرسطية تركز على الإقناع وتُغفل البعد الأخلاقي للخطاب، وتُجيز استخدام الحيل اللغوية لتحقيق الغايات بغض النظر عن مشروعيتها، أما البنيوية فتركز على البُنى اللغوية الداخلية للنص دون اعتبار للسياقات الخارجية أو مقاصد المؤلف، مما يُضعف إمكانية إنتاج المعنى ضمن السياق الثقافي والاجتماعي الأوسع، ويجعل الخطاب اللغوي منقطعًا عن مرجعيته الأخلاقية والمعرفية، ولا تباعدها التفكيكية التي تعنى بتُقويض المعنى، وتُشكك في الثوابت، مما يُضعف إمكانية بناء خطاب أخلاقي مستقر، أما التداولية التي تعد أشمل المناهج الحديثة كونها تجمع بين اللغة والسياق إلا أنها تُبقي الأخلاق خارج التحليل، أو تُعالجها بوصفها عرفًا اجتماعيًا لا قيمة مطلقة.
في المقابل تُقدّم البلاغة العربية تصورًا مغايرًا، تؤسس المعنى في الأداء اللغوي بوصفه فعلًا أخلاقيًا وتواصليًا مسؤولًا، لا ينفصل عن الغاية الوجودية للإنسان، ولا عن مقاصد الخطاب في بناء الفرد والمجتمع، والوظيفة التي خُلق من أجلها، فالبلاغة العربية لا تُفهم على أنها مجرد صنعة لغوية، بل هي وسيلة لتحقيق المقاصد الشرعية والقيّم الإنسانية. ويسعى هذا المقال لإبراز تلك الخصيصة للبلاغة العربية.
البلاغة... قراءة في المصطلح وأفقه القيّمي
البلاغة فعل قصدي ذو مسؤولية، يتأسس عليها صدقية الرسالة ووضوحها التي تنطلق من المرسِل، فهي في جوهرها أمانة يبلغها المرسِل إلى المرسَل أو المتلقي بيانًا مبينًا، مكلفًا بإيصال المعنى، وهذا قطب الرحى الذي تدور عليه البلاغة أن تكون الرسالة في أوضح صورة إفهامية للمتلقي، وقد حمّل الله تعالى الرسل هذه الأمانة فجاء تبليغهم للدين في قول صادق بليغ، يراعي مقتضى الحال لا غموض فيه ولا التباس، ففي رسالة موسى عليه السلام يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ٩٦﴾ [هود]، وفي تكليف النبي محمد صلى الله عليه وسلم يؤمر بالإنذار البيّن، يقول تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ٨٩﴾ [الحجر]، وحين يعرض المشركون عن الدعوة أيضا يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون بلاغه مبينًا، يقول تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ٨٢﴾ [النحل]، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ٤٩﴾ [الحج]، والآيات في ذلك كثيرة.
ولقد أدرك الأوائل منذ مراحل مبكرة أن البلاغة فعل تواصلي مسؤول تسعى إلى إيصال المعنى في صورته الأصدق والأوضح، بما يحقق الغاية الأخلاقية والمعرفية للخطاب، وقد عبر الخليل بن أحمد عن هذا المعنى بقوله: "البلاغة كلمة تكشف عن البقية"، وفي ربط البلاغة بالغاية الأخلاقية، يقول عمرو بن عبيد: "البلاغة ما بلغ بك الجنة وعدل بك عن النار، وما بصّرك مواقع رشدك وعواقب غيّك"، وهو تعريف يُحمّل البلاغة مسؤولية الهداية والتبصير، ويُخرجها من دائرة التزيين اللفظي إلى فضاء القيّم والمعاني، ويبرز العتابي البعد التبادلي في عملية الإفهام بقوله: "البلاغة ألا يؤتى السامع من سوء إفهام القائل، ولا يؤتى القائل من سوء فهم السامع"، وهو قول يقر بأن الإفهام عملية مسؤولة بين المتكلم والمتلقي، أما العلماء الذي ارتبطت دراستهم بالإعجاز فكانت عباراتهم أوضح وأدق، يقول الخطابي : "اعلم أن عمود هذه البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به، الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء منه: إما تبدل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام، وإما ذهاب الرونق الذي يكون منه سقوط البلاغة"، واتفق معه الرماني بعبارة موجزة: "البلاغة إيصال المعنى إلى القلب، في أحسن صورة من اللفظ".
وعليه، فإن الوظائف الأخرى للبلاغة من جمالية وإقناعية وحجاجية وخطابية، تظل تابعة للمسؤولية الإفهامية، ولا تُختزل البلاغة في بعدها الجمالي أو الإقناعي، بقدر ما تُعدّ أمانة معرفية وأخلاقية، يقوم بها المبلّغ، ويعيها السامع كما أرادها المتكلم.
وعلى المستوى الاصطلاحي لم ينضج مصطلح البلاغة بوصفه علمًا مستقلًا إلا مع القزويني، إذ ظل في مراحله الأولى متداخلًا مع مفاهيم الفصاحة والبيان، وهي مفاهيم تتقاطع دلاليًا في جوهرها حول فكرة الوضوح والإبانة، وعند الرجوع إلى معاجم اللغة نتبين أن الفصاحة ترتبط دلاليًا بالصفاء والوضوح، كما أثر عن العرب قولهم: يوم فصح ومفصح؛ أي لا غيم فيه ولا قر، وأفصح اللبن، أي أذهب رغوته، وأفصح الصبح: استبان، وأفصح الرجل: بيّن، ثم استقر أهل الفن على تسمية هذا العلم بعلم البلاغة، لما فيه من دلالة على الوصول والانتهاء، فالبلاغ في اللغة ما يتوصل به إلى المطلوب، وهو ما يتسق مع التعريف الاصطلاحي -مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته- الذي يبين الطريقة المثلى لإيصال المعنى في صورته الواضحة الإفهامية. ولنا في التعريف اللغوي والاصطلاحي وقفات نتبين من خلالها البعد القيّمي في البلاغة، وهي:
- المسؤولية أو الأمانة، وبيانها أن الوصول للمطلوب لا ينتهي من المرسِل لمجرد القول أو إلقاءه للسامع، بل لا بد أن يوصله إيصالا ينتهي بفهم السامع وإلا لما كان مبلغا أو كلامه بليغا. يقول تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ٧٢﴾ ]الأحزاب[.
- الإحسان، ويقصد به جودة الأداء اللغوي، وصدق التعبير، ووضح الدلالة، وهو ما تحققه علوم البلاغة الثلاثة: المعاني، والبيان، والبديع، فالمرسِل البليغ يتغيا هذه الطرق لإيصال الرسالة أو الأمانة إلى المرسَل بكل إحسان يتضمن الوضوح والصدق. يقول تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا٨٣﴾ [البقرة].
- النصيحة، وهي البُعد الأخلاقي الذي يدفع المرسِل إلى التبليغ، لا بوصفه واجبًا وظيفيًا، بل استجابة لنداء الخير، وحرصًا على هداية المتلقي، يقول تعالى على لسان نبيّه شعيب عليه السلام: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ٦١ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٦٢﴾ ]الأعراف ].
وعلى ما تقدم فإن المسؤولية أو الأمانة ترتكز على المرسِل، والإحسان يرتكز على الرسالة، والنصيحة ترتكز على المرسَل، وقد اعتنت البلاغة العربية من منطلقاتها الراسخة بهذه الجوانب في عملية اتصالية متكاملة الجوانب.
الاشتغال البلاغي والأفق القيّمي
قسم العلماء علم البلاغة إلى ثلاثة أقسام: علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع، ولكل علم من العلوم فنون تندرج تحت كل علم، وسنكتفي لبيان الاشتغال البلاغي وفق القيّم ببيان مثال مختار من فن من علوم البلاغة.
أولا: علم المعاني: هو العلم الذي يعرف به أحوال اللفظ العربي التي يطابق بها مقتضى الحال.
فن الأسلوب الحكيم: هو تلقي المخاطب بغير ما يترقب، بحمل كلامه على خلاف مراده، تنبيها على أنه الأولى بالقصد، أو السائل بغير ما يتطلب، بتنزيل سؤاله منزلة غيره، تنبيهًا على أنه الأولى بحاله، أو المهم له.
المثال: ما جاء في البخاري ومسلم، أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: متى الساعة يا رسول الله؟ قال: ما أعددت لها قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت.
لقد كان سؤال الرجل منصبًّا على معرفة موعد قيام الساعة، وهو سؤال يتعلّق بالمجهول الغيبي، وكان المتوقع أن يُجاب عليه بتحديد أو تقريب زمني، إلا أن النبي ﷺ صرفه إلى ما هو أولى وأجدر بالسؤال، وهو الإعداد العملي لذلك اليوم لا مجرد معرفته، فكان الجواب بلاغيًا وأخلاقيًا في آنٍ، إذ وجّه السائل إلى جوهر المسألة وهو العمل الصالح لا التوقيت، ومن خلال هذا الأسلوب روعيت عددا من الأبعاد الأخلاقية، أبرزها:
- التوجيه نحو العمل لا المعرفة الخالية من السلوك، فالنبي ﷺ وجّه السائل إلى ما ينفعه في دنياه وآخرته، وهو الاستعداد بالعمل، مما يُرسّخ قيمة المسؤولية الفردية.
- إعادة ترتيب الأولويات القيّمية، فالأسلوب الحكيم يُعلّم المتلقي أن ليس كل سؤال يُجاب عليه كما طُرح، بل يُعاد توجيهه نحو ما يُحقق له الخير، وهو خلق تربوي رفيع.
- الدعوة إلى الذات والتأمل في حالها، فحين سأل النبي ﷺ "وما أعددت لها؟"، دفع السائل إلى مراجعة ذاته، وتقييم حاله، مما يُعزز قيمة المحاسبة والصدق مع النفس.
- عظم مكانة حب الله وسوله، فحين أجاب الرجل بأنه يحب الله ورسوله، لم يُوبّخه النبي ﷺ على قلة العمل، بل بشّره بأنه مع من أحب، مما يُبرز قيمة الحب الصادق كمدخل إلى النجاة، ويُجسّد الرحمة في الخطاب.
ثانيا: علم البيان: هو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه، وهو إما يكون بالتشبيه، أو الاستعارة، أو الكناية.
فن التشبيه: هو الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى أو أكثر، ومدار فائدة التشبيه على وجه الشبه غالبا، إذ يكون في المشبه به أكثر ظهورا وأشد وضوحا منه في المشبه.
المثال: ما ورد في البخاري ومسلم، أن أعرابيا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاما أسود، وإني أنكرته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فهل فيها من أورق؟ قال: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنى هو؟ قال: لعله يا رسول الله، يكون نزعه عرق له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: وهذا لعله يكون نزعه عرق له.
إن الرجل الذي قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم قدم وهو ممتلئ بالشك في زوجه، بأن الولد الذي ولد ليس ولده؛ كونه غلاما أسودا، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن واجه هذا الشك بأسلوب تربوي بالغ الحكمة، قائم على التشبيه والاستدلال العقلي، فلم يقتصر على تفنيد الشك، بل سعى إلى تطهير القلب من الريبة، وترسيخ الثقة، وصون العرض، وذلك من خلال أسلوب بلاغي يقوم على التشبيه التمثيلي، الذي يُقرّب المعنى ويُزيل الغموض دون مواجهة مباشرة أو توبيخ، فكما أن الإبل الحمر قد يظهر بينها ما يخالف لونها بسبب امتداد عِرقٍ وراثي، فكذلك المولود قد يحمل صفات من أصول بعيدة، دون أن يكون ذلك دليلًا على خيانة أو فساد، ومن خلال هذا الأسلوب روعيت عددا من الأبعاد الأخلاقية:
- حفظ العرض وصون الكرامة، فالنبي ﷺ لم يُعالج الشك بإدانة أو اتهام، بل سعى إلى حماية سمعة المرأة، وتطهيرها من التهمة، بأسلوب يُراعي مشاعر الزوج ويزيل شكه.
- ترسيخ مبدأ حسن الظن، فالتشبيه الذي استخدمه النبي ﷺ يُعلّم المتلقي أن الظواهر لا تُفسّر بمعزل عن الأسباب الخفية، وأن التسرّع في الحكم يُفضي إلى ظلم.
- التربية على التأنّي والتفكّر، فالنبي ﷺ لم يُقدّم جوابًا مباشرًا، بل قاد الرجل إلى اكتشاف الجواب من خلال الصورة التشبيهية، مما يُرسّخ قيمة التفكير والتأمل قبل إصدار الأحكام.
- بلاغة الرحمة في الخطاب، فالخطاب النبوي الشريف يجسّد البلاغة الأخلاقية التي تُراعي السياق، وتُقدّم المعنى في صورة مؤثرة، تزيل الشك وتُعيد الطمأنينة.
ثالثا: علم البديع: هو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية مطابقته لمقتضى الحال ووضوح الدلالة.
فن المقابلة: هو أن يؤتى بمعنيين متوافقيين، أو معان متوافقة ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب.
المثال: ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰ ﴿1﴾ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ ﴿2﴾ وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰٓ ﴿3﴾ إِنَّ سَعۡيَكُمۡ لَشَتَّىٰ ﴿4﴾ فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ ﴿5﴾ وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ ﴿6﴾ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡيُسۡرَىٰ ﴿7﴾ وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَٱسۡتَغۡنَىٰ ﴿8﴾ وَكَذَّبَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ ﴿9﴾ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡعُسۡرَىٰ﴾ [الليل ١-١٠].
تتجلى في هذه الآيات الكريمة صورة متكاملة لفن المقابلة، حيث يُقابل الإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى، بالبخل والاستغناء والتكذيب، ويُقابل التيسير لليسرى بالتيسير للعسرى، في بناء بلاغي محكم يُرسّخ التباين الأخلاقي بين نمطين من السلوك الإنساني، غير أن المقابلة هنا لا تُوظّف بوصفها محسنًا بديعيًا فحسب، بل تتجاوز ذلك لتؤدي وظيفة تربوية وأخلاقية، تُوجّه المتلقي نحو التمييز بين صورتين متباينتين من السعي، وتُحفّزه على اتخاذ موقف قيمي واعٍ من خلال إبراز النتائج المترتبة على كل سلوك.
ويُلاحظ أن هذه المقابلة قد سُبقت بالقسم بثلاث صور حسية: الليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، وخلق الذكر والأنثى، وهي صور تُجسّد التباين الحسي في الكون، وتُهيّئ الذهن لفهم التفاوت المعنوي الذي لا يُدرك بالحس المباشر، بل يتطلب تأملًا وتبصرًا، فكأن هذه الآيات توطئة إيضاحية لبيان تفاوت مماثل في معنويات لا تدرس بالحس، ومن ثم فإن السياق القرآني يُقدّم المقابلة في إطار بلاغي تربوي يُحقق الإيضاح والإفهام، ويُثير الفكر لبناء المعنى القويم من خلال المقارنة بين الصورتين، في أبلغ تجسيد لوظيفة البلاغة الأخلاقية. والله أعلم.
خاتمة
يكشف هذا المقال عن عمق البلاغة العربية التي تجاوزت حدود الزخرفة اللفظية إلى تأسيس البلاغة بوصفها فعلًا أخلاقيًا وتواصليًا مسؤولًا، فالبلاغة العربية لا تفهم بمعزل عن مقاصدها القيّمية، بل تبنى على الأمانة في الإفهام، والإحسان في الأداء، والنصيحة في التوجيه، مما يجعل البلاغة أداة إصلاح لا مجرد صنعة، وفي مقابل الاطروحات النقدية الحديثة التي فصلت بين اللغة والأخلاق، يُعيد النموذج البلاغي العربي وصل المعنى بالقيّمة، ويُفعّل وظيفة الخطاب في بناء الإنسان والمجتمع، ومن ثم فإن تأصيل البلاغة بوصفها ممارسة أخلاقية ليس استدعاءً لتراثٍ منقطع، بل هو استجابة معرفية لحاجة معاصرة، تُعيد للخطاب دوره في التبصير والتربية والتغيير، وأرى أن هذه الموضوع يحتاج إلى مزيد من الدراسات التأصيلية التي تبزر هذا الجانب الأخلاقي، وتبيّن مكان البلاغة العربية منه.
شارك الصفحة
المزيد من المقالات

عن الكتابة
لماذا نكتب إذن؟ ربما كانت بداية الكتابة مع الإنسان القديم ليضع بصمته على العالم.

دليلٌ بشري لمراجعات الكتب
تشد الحاجة إلى مراجعات الكتب حاليًا، بسبب الطوفان الكبير من الإصدارات، فنحتاج إلى متخصصين، يرشدوننا لأفضل المطبوعات.

من القراءة المجردة إلى القراءة التزكوية تأملات أخلاقية لمفهوم القراءة في سورة العلق
اقترنت التزكية بأثر قراءة القرآن الكريم في النظم الكريم في مواضع متعددة.
