تعرض دونا جاكسون ناكازاوا أدناه خمس أفكار رئيسية من كتابها الصادر حديثًا "دراما العقل: علم الاجترار وكيفية التغلب على انهزامك الداخلي".
دونا صحفية علمية ألفت خمسة كتب تبحث في التداخل بين علوم الأعصاب والتوتر والمشاعر، بما فيها "فتيات على حافة الهاوية" الذي صنّفه عدد من كبار الناشرين كأحد أفضل الكتب الصحية لهذا العام. وقد نُشرت أعمالها في مجلات وصحف بارزة، من بينها Wired وThe Boston Globe وThe Washington Post وPsychology Today.
ما الفكرة الرئيسية للكتاب؟
دوّامة الأفكار إحدى آليات البقاء الطبيعية التي يلجأ إليها الدماغ، وهي وإن كانت ضارة في الغالب فليست عيبًا شخصيًا. حين نفهم ما تحاول أفكارنا المتكررة أن تخبرنا به ونتعلم مراقبتها دون الوقوع في شرَكها، سنتمكن من تحويل هذه المعاناة الذهنية إلى وعي ذاتي ومعافاة وإبداع.
1- الوقوع في أسر دراما العقل جزء من تفاصيل الحياة اليومية
أثناء بحثي في علم الاجترار -دوامات الأفكار التي نعجز عن الفكاك منها- اكتشفت أن أكثرنا يتوه في دراما عقله بقدر يفوق بكثير ما يرغب فيه، ويضر بصحته. وتشير دلائل حديثة إلى إن معظم البشر يجترون الآن أكثر من أي وقت مضى.
غالبًا ما نسمي الاجترار في لغتنا الدارجة "دوامة الأفكار"، أي أن يُحتجز المرء في حلقة مفرغة من تفكير سلبي ومتكرر يعجز عن إيقافه. فما إن يحدث موقف ما، مثل محادثة حادة مع صديق، أو حوار انحرف عن مساره مع الزوج، أو التساؤل عن سبب ذلك التعليق الساخر من زميل العمل، حتى يدخل العقل في حالة من الاضطراب والتهويل ويجن جنونه.
نظل نعيد ونستحضر المواقف أو المحادثات الماضية آملين لو كنا تحدثنا أو تصرفنا بطريقة مختلفة، أو نستشرف المستقبل ونتخيل ما قد يحدث. وهكذا نضيع في لجج أفكار نحكم بها على أنفسنا وعلى الآخرين بقسوة.
إن العالم الذي نعيش فيه لا يمد يد العون! نحن نعيش في خضم عاصفة مثالية لزيادة دوامات الأفكار: فوضى سياسية، جائحة بالكاد تنمحي آثارها، وباء متفش من الوحدة، وسائل التواصل الاجتماعي التي تفيض بطوفان من الخوف والغضب. لقد غدت أجهزتنا العصبية في حالة توتر مستمر، فهل يُستعجب بعد كل هذا عجزنا عن كبح جماح أدمغتنا أو خفض حدة ضجيجها؟
ومع ذلك فإن ثلث البالغين ليسوا على دراية بكلمة "الاجترار" أو ما تعنيه، ومن الصعب جدًا أن تحل مشكلة لا تعرف لها اسمًا.
2- دوامة الأفكار ليست عيبًا شخصيًا، بل استجابة للبقاء انحرفت عن مسارها
الميل البشري إلى الوقوع في حبائل دراما العقل ما هو إلا محاولة خاطئة من الدماغ لحمايتنا، غير أنه لا يعرف متى أو كيف يتوقف. نحن نقع في فخ التفكير المفرط ودوامة الأفكار لأن أدمغتنا تمنينا بوعد زائف: لو واصلت التفكير في الأمر ستجد الحل المثالي. لكن الارتياح لا يأتي أبدًا، ولا يتولد سوى المزيد من القصص المؤلفة، وهو شعور مضن للغاية.
قد تنشغل بإعداد العشاء أو قيادة السيارة وتستغرق في دراما عقلك -فتعيد تكرار التعليق السخيف الذي رماه جارك، أو الموقف المزعج الذي ارتكبته شقيقتك- فتكتشف فجأة أن الساعات مرت دون أن تشعر. عندما تقع في شرَك الاجترار فإن مركز نسج القصص في دماغك يدخل في حالة إغلاق، فيعمل بكامل طاقته لكنه منعزل عن بقية مناطق الدماغ المسؤولة عن الرؤية المتزنة والإبداع والبصيرة. وبالتالي بدلًا من حل المشكلة تشعر بمزيد من التوتر والوحدة والخوف والغضب والقلق.
إن الاستسلام للاجترار ينعكس سلبًا على صحتنا النفسية، فالدماغ لا يفرّق بين موقف فظيع يحدث الآن في الواقع وبين مجرد إعادته في الرأس مرارًا وتكرارًا، فكلاهما له نفس التأثير على الجسد والدماغ. فعندما تقع في أسر استجابة حادة للتوتر ترتفع نسبة الهرمونات والمواد الكيميائية المسببة للالتهاب، وهو ما يضر بالصحة بمرور الوقت. ولهذا تشير كثير من الدراسات إلى أن درجة استغراقنا في الاجترار -دونًا عن سائر العمليات الذهنية الأخرى- هي ما تحدد مدى صحتنا النفسية والجسدية.
3- كلنا نجتر المخاوف ذاتها
سواء كنت تعيد تكرار التعليق الساخر الذي صدر عن زوجك، أو تفكر في نقد وجّهه لك مديرك، أو تتفقد هاتفك 20 مرة حتى ترى إن كان أحدهم قد رد على رسالتك أم لا، فالاجترار ينبع دومًا من خوفنا من عدم الانتماء وألا يكون لنا قيمة عند الآخرين. هذا هو سبب إعادة عقلك للسيناريوهات مرارًا وتكرارًا، وصعوبة كبح جماحها.
إن الأنماط التي اعتدتها من الاجترار تستحق منك أن تتأملها بلطف وتفهمها عوضًا عن جلد ذاتك أو الشعور بالخزي. هناك جانب رقيق مستتر وراء كل هذا الضجيج العقلي، وحين تصغي ستجد أن أنماط الاجترار غالبًا شعلة إنذار من الماضي، أو دعوة إلى تفقد ورعاية تلك الأجزاء المنسية في نفوسنا: الخوف، القلق، الشعور بالإقصاء، الحزن، الغضب، الألم.
عندما نستمع إلى ما تحاول أفكارنا المجترة أن تخبرنا به نكتسب رؤى عميقة عن ذواتنا، والتي لا تساعدنا على الخروج من دوامات الأفكار فحسب، بل تحولها إلى فرص للنمو. ومع ذلك، أكثرنا لم يتعلم قط استراتيجية واحدة للفكاك من هذا الفخ.
4- يعلم العلماء الجزء المسؤول عن تحفيز دوامات الأفكار في الدماغ
أكثر الأدوات فعالية للفكاك من شرَك الاجترار ما أسميه بمنهجية MIST [ضباب]: وهو أداة طورتها (بناءً على أحدث التطورات في علوم الأعصاب) لمساعدتنا على الخروج بسرعة من دوّامات الأفكار وذلك بتسمية التجارب التي تولدها هذه المنطقة المحددة من الدماغ.
حين نقع في حبائل دراما عقولنا نضيع وسط ضباب ذهني يحجب عنا الرؤية الواضحة. MIST اختصار يساعدنا على تحديد أنماط التفكير المتكررة لدينا بدقة واقعية حتى نتمكن من رؤيتها وتخطيها:
M (الأفلام الذهنية Mental Movies): سمِّ الأفلام الذهنية التي تعيدها أثناء الاجترار والقصة التي ترويها عن أنفسنا. قد تكون من قبيل "ها هي قصتي القديمة حول نبذ الناس لي دائمًا" أو "ها هي قصتي القديمة حول عجزي عن الدفاع عن نفسي وقت الحاجة".
I (المشاعر الحادة Intense Emotion): حدد المشاعر الحادة التي تثيرها السيناريوهات الذهنية المعتادة لدينا، كأن تقول مثلًا "هذه قصتي عن تقليل الناس منّي، وهو ما يجعلني أشعر بالضآلة والخوف".
S (العوارض الجسدية Somatic Physical Sensations): سمِّ العوارض الجسدية المصاحبة للأفلام الذهنية والمشاعر الحادة، وحدد موضع التوتر في جسدك.
T (اربط كل ذلك معًا Tie It All Together): فتأتي الصياغة هكذا مثلًا "هذه قصتي القديمة حول نبذ الناس لي، والتي تجعلني أشعر بالضآلة والخوف وتسرّع نبضات قلبي".
عندما نستخدم منهجية MIST نرى أنماط أفكارنا المعتادة وهي تتجلى في ثوب جديد من الوضوح. تلك هي الخطوة الأولى نحو التحرر العاطفي، فتجد فجأة أن حدة الألم تخبو، وكأن الدماغ يقول "أوه لقد كشفت أمري!" وهذا ليس مجرد تفكير إيجابي، بل علم أعصاب حقيقي، فقد أثبتت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI أن تسمية المشاعر بدقة تحول نشاط الدماغ من منطقة إلى أخرى.
5- "الاجترار" له وجهان
قد يشير الاجترار إلى طاقتنا الذهنية الكئيبة والمظلمة، لكنه قد يعني أيضًا "التأمل العميق" والتخيل والإبداع. فالهدف هو الفكاك من الجانب المظلم للاجترار ودخول جوانبه الإيجابية: الإبداع، البصيرة، توليد الأفكار، التخيل، التأمل، حل المشكلات.
يكمن الهدف في إدراك أن دوامة الأفكار ما هي إلا شعلة إنذار من الماضي، ورعاية تلك الأجزاء المنسية من ذواتنا حتى نتبيّن موضع الأذى أو الألم -تلك القصة القديمة- ونعالجها عاطفيًا في النهاية. ليس الهدف أن تُسكت عقلك، بل أن تحوّل طريقة توظيف هذه الطاقة حتى تتمكّن من تخصيص طاقتك الذهنية الثمينة لكل ما تحب التفكير فيه وفعله.
الاجترار ليس عدوًا لك، فالأفكار التي تجترها رسائل محملة بالمعاني، متى تعلمت قراءتها ستجد المخرج.
شارك الصفحة
المزيد من المقالات

عن الكتابة
لماذا نكتب إذن؟ ربما كانت بداية الكتابة مع الإنسان القديم ليضع بصمته على العالم.

دليلٌ بشري لمراجعات الكتب
تشد الحاجة إلى مراجعات الكتب حاليًا، بسبب الطوفان الكبير من الإصدارات، فنحتاج إلى متخصصين، يرشدوننا لأفضل المطبوعات.

من القراءة المجردة إلى القراءة التزكوية تأملات أخلاقية لمفهوم القراءة في سورة العلق
اقترنت التزكية بأثر قراءة القرآن الكريم في النظم الكريم في مواضع متعددة.
