فيوريكا ماريان أستاذة علوم واضطرابات التواصل وأستاذة علم النفس في جامعة نورث وسترن، وقد حصلت على منحة رالف وجين سوندين. تدير ماريان مختبر أبحاث ثنائية اللغة وعلم النفس اللغوي في الجامعة منذ عام 2000م، وتحصل على تمويل لأبحاثها من المعاهد الوطنية للصحة والمؤسسة الوطنية للعلوم.
تقدم فيوريكا خمس أفكار رئيسية من كتابها الجديد "قوة اللغة: الأكواد التي نستخدمها في تفكيرنا وكلامنا وحياتنا وتأثيرها على عقولنا".
- أغلب البشر ثنائيو أو متعددو اللغات.
من الشائع جدًا أن ينشأ الناس وهم يتحدثون لغتين أو لهجتين أو أكثر منذ الصغر، ثم يتعلمون لغات أخرى في وقت لاحق من حياتهم. ومع ذلك فمعظم الدراسات العلمية تركز على أحاديي اللغة وتستبعد من عينات البحث ثنائيي اللغة وغيرهم من المجموعات ذات التنوع اللغوي. ما زال الافتراض السائد هو أن أولئك الذين يعرفون لغتين أو أكثر خارجين عن القاعدة، وأن تعدد اللغات يعد تشويشًا وليس إشارة تستحق الدراسة.
هذا يذكرنا بالمنهج الطبي المتَّبَع قبل عقود، حيث كانت دراسة أمراض القلب والسكري تقتصر على الرجال البيض، واكتُشف فيما بعد أن أعراض أمراض القلب تختلف لدى النساء، وأن معالجة السكر تختلف بين السكان الأصليين للأمريكتين الشمالية والجنوبية. وعلى هذا المنوال، فإن قصر دراسة العقل البشري على أحاديي اللغة يقودنا إلى فهم محدود وغير مكتمل للإمكانيات البشرية، بل غير دقيق وخاطئ أيضًا.
- اللغات التي نتقنها تشكّل إدراك أدمغتنا للواقع.
ما الواقع؟ نحن نفترض غالبًا وجود عالم مادي محيط بنا نتفق عليه جميعًا، في حين أن الأمر بخلاف ذلك. الواقع الذي يدركه كل واحد منا هو تجربة ذاتية بحتة ناتجة عن دمج أدمغتنا للمدخلات الحسية مع المعرفة المسبقة والتجارب التي مررنا بها.
إن الواقع الذي ندركه ما هو إلا نشاط ذهني. تنشّط كل لغة شبكات عصبية مختلفة إلى حد ما، وبالتالي فأولئك الذين يتحدثون بلغات متعددة لديهم شبكات عصبية متباينة تنشط عند استخدام كل لغة.
نحن تقبّل بسهولة فكرة أن المؤثر البيئي الواحد قد يثير مشاعر مختلفة من شخص لآخر، لكن يصعب علينا تقبل أنه قد يثير تجارب حسية مختلفة أيضًا. الحقيقة هي أن الاستجابة العاطفية والحسية لنفس المثير قد تتباين بين الأفراد، بل قد تتنوع لدى نفس الشخص بمرور الوقت بناءً على تجاربه الأخيرة، وهذا يشمل التجربة اللغوية.
لعلك صادفت الخدعة البصرية التي يرى فيها بعض الناس فستانًا باللونين الأسود والأزرق، فيما يراه آخرون باللونين الأبيض والذهبي؛ أو مرّت عليك خدعًا سمعية حيث يُسمع الصوت نفسه بطرق مختلفة في أوقات متباينة. قد يتغير الإدراك الحسي تحت تأثير أي شيء، بدءً من السياق البصري المحيط بنا إلى اللغة التي نتحدث بها. إن ما نراه أو نسمعه يتحدد بناءً على أكثر الخلايا العصبية عرضة للإثارة، وهذه الخلايا العصبية مرتبطة بالتفاعلات العصبية السابقة.
إن لعبت Boggle من قبل، فإن تدوير اللوح قد يغير منظورك ويجعلك ترى نفس الحروف بطريقة مختلفة، فتستخرج كلمات أكثر وتزداد نقاطك. ومثل ما يحدث عند تدوير لوح Boggle ، كل كلمة جديدة نتعلمها تجعلنا نستنبط المعلومات ونفسرها بطريقة مختلفة. يعطي الدماغ إجابات مختلفة بناءً على تنظيم المدخلات الواردة إليه، وتعد اللغة من أقوى طرق تنظيم المعلومات ومعالجتها وهيكلتها.
لقد بدأنا للتو نفهم العقل متعدد اللغات. لماذا؟ لأن العلم كان يتعامل معه مثل لعبة Boggle لكن دون أن يدوّر اللوح.
- تعلم لغة ثانية يغيّر عقولنا.
إن تعلم لغة ثانية يغير أدمغتنا وهوياتنا، بما في ذلك مشاعرنا وذكرياتنا وقراراتنا والأفكار والرؤى التي نكوّنها من كل لغة. يصبح ثنائيو اللغة نسخًا مختلفة بعض الشيء من أنفسهم عندما يبدّلون بين اللغات، لعلك سمعت هذه المقولة من قبل "أن تتقن لغة ثانية يعني أن تمتلك روحًا أخرى".
هذه المعرفة بلغة ثانية تغير إدراكنا للواقع حرفيًا وليس مجازيًا، حتى آليات حركة أعيننا. على سبيل المثال، من المعروف في علم النفس اللغوي أن الكلمات التي لها نفس الشكل أو المعنى تنشط معًا في الدماغ. فعندما يُطلب من متحدث باللغة الإنجليزية أن يمسك قلمًاmarker ، وعلى الطاولة كرات زجاجية marbles ، فعلى الأغلب ستتجه عيناه نحو الكرات الزجاجية لأن الكلمتين تتفقان في المقطع الأول. وعندما تتحدث بلغة ثانية فلن تجد التداخل الشكلي في لغة واحدة فحسب، بل قد تجده بين اللغات. أجرينا تجارب تعتمد على تتبع حركة العين، ووجدنا أنك إن كان ثنائي اللغة (روسي وإنجليزي) وطُلب منك أن تمسك قلمًا marker فقد تتجه عيناك نحو طابع البريد، لأن طابع بالروسية يعني marka، وكلتا الكلمتين الإنجليزية والروسية لهما نفس الشكل. هذا يدل على أن ما تتجه إليه أعيننا وما يجذب انتباهنا وما تسجله أدمغتنا يعتمد على اللغات التي نعرفها.
وفي تجارب أخرى وجدنا أن اللغات تؤثر أيضًا على ما نتذكره لاحقًا. فقد كانت قدرة ثنائيو اللغة (روسي وإنجليزي) على تذكر وجود طابع على الطاولة التي بحثوا عليها على القلم أكبر من متحدثي الإنجليزية. وهذا يدل على أن متحدثي اللغات المختلفة لا يتفرّدون في رؤية الأشياء فحسب، بل في تذكرها أيضًا.
بل قد يتخذون قرارات مختلفة بناءً على اللغة التي يستخدمونها. في إحدى نسخ معضلة القطار الكلاسيكية الموضوعة لدراسة الأخلاق: عربة قطار تتجه مسرعة نحو خمسة عمال لا يرونها، وأنت تقف بجانب شخص آخر على جسر فوق القضبان، إن دفعت هذا الشخص على القضبان سيموت، لكنه سيوقف القطار وسينقذ العمال الخمسة. فهل التضحية بحياة واحد في سبيل إنقاذ خمسة أمر مقبول؟
عند الإجابة باللغة الأم ذكر 20% من ثنائيي اللغة أن التضحية بشخص لإنقاذ خمسة كان مقبولًا، وعند الإجابة بلغة ثانية ارتفعت النسبة إلى 33%. كان هذا التغيير في النسبة (13%) نتيجة التحول إلى لغة ثانية. تُعرف هذه الظاهرة بـ "تأثير اللغة الأجنبية"، وهي تشير إلى أن الناس يتخذون قرارات أكثر رشدًا ونفعًا وأقل عاطفة عندما يستخدمون لغة بخلاف اللغة الأم في مختلف المواقف، بدءً من الأخلاق إلى الأمور المالية.
- يمتد تأثير تعدد اللغات إلى المستوى المجتمعي.
إليك مثالان: أولهما عن الصحة في مرحلة الشيخوخة. من المعروف أن هناك عوامل متعددة تساهم في التمتع بالصحة في مرحلة الشيخوخة، أبرزها ممارسة الرياضة والتغذية السليمة والتعليم. تعد ثنائية اللغة عاملًا آخر ثبت أنه يحمي من التدهور المعرفي الذي يرتبط أحيانًا بالتقدم في العمر والذي هو سمة من سمات الخرف.
ينخفض معدل الإصابة بالزهايمر لدى المجتمعات متعددة اللغات. فالبلدان التي يتحدث سكانها لغة واحدة في المتوسط تشهد معدلات إصابة بالزهايمر أعلى من تلك التي يتحدث سكانها لغتين أو أكثر. يظل ينخفض المعدل الإصابة بالزهايمر مع كل لغة إضافية يتحدث بها المجتمع، مما يدل على وجود علاقة مباشرة بين عدد اللغات المستخدمة في بلد ومعدل الإصابة بمرض الزهايمر.
هذا من أبرز الاكتشافات الحديثة في علم الأعصاب المتعلق بالتعدد اللغوي. إتقان أكثر من لغة يؤخر الإصابة بالزهايمر وأنواع الخرف الأخرى من أربعة إلى ستة أعوام في المتوسط.
تخيل أنك تسلك طريقًا معينًا للعودة إلى المنزل من العمل كل يوم لسنوات طويلة حتى دُمر هذا الطريق ولم يعد صالحًا. إن كنت تعيش في منطقة فيها أكثر من طريق، فإن انهيار أحد الطرق لن يمنعك من الوصول إلى وجهتك لأن بإمكانك أن تسلك طرقًا بديلة. أما إن كان هذا هو الطريق الوحيد الموصل إلى منزلك أو الطريق الوحيد الذي تعرفه فستقع في مأزق. وكذلك إن تدهور أحد مسارات الدماغ ولم يعد قادرًا على استرجاع الذكريات أو المعلومات، فصاحب اللغتين قد تكونت لديه مسارات أخرى بمرور الوقت نتيجة الربط بين الكلمات والذكريات والتجارب المتراكمة عبر اللغتين.

وأما المثال الثاني فسأروي قصة من طفولة أبنائي قد يجد فيها الآباء شيئًا مألوفًا. عندما يصل أبنائي إلى سن الثانية تقريبًا كنت أفاجئ الناس بمحادثات مثل هذه: أسأل طفلي الصغير: "كم يساوي أربعة ناقص اثنين؟" فيجيب "اثنان"، "كم يساوي 81 مقسومًا على تسعة؟" "تسعة"، "كم يساوي ضرب 55 في صفر؟" "صفر". وهكذا يبدو أن صغيري يبدو يعرف كل شيء. كيف؟
لقد استخدمت ما أعرفه عن التطور اللغوي حتى أحصل على الإجابات التي أريدها، فطرحت السؤال بحيث تكون آخر كلمة فيه هي الإجابة الصحيحة دائمًا. في مرحلة معينة من مراحل التطور اللغوي يكرر الأطفال آخر كلمة يسمعونها عندما تطرح عليهم خيارات. وهذا بالنسبة لهم جزء من عملية تعلم الكلمات.
وكما استخدمت معرفتي لعلم اللغة النفسي مع أطفالي، كذلك السياسيون والمعلنون والمحامون وزملاء العمل وحتى الأهل يستخدمون اللغة للتأثير على جمهورهم. تُدفع أموال طائلة للتلاعب باللغة بحيث تدفعك لشراء منتجات معينة أو تأييد قضية معينة أو إصدار أحكام معينة، فمثلًا من المرجح أن تعارض "ضريبة الوفاة" أكثر من "ضريبة التركة".
- قد يكمن مفتاح مستقبل البشرية في إتقان أكواد تواصل متعددة.
تعد اللغات أنظمة رمزية، فالكلمات ما هي إلا رموز نستخدمها للتعبير عن المفاهيم الذهنية ونقلها. يستخدم عقلك بالفعل أنظمة رمزية متعددة، وإن لم تدرك ذلك، كالرياضيات والموسيقى واللغات المنطوقة ولغات الإشارة ولغات البرمجة. لقد صُمم العقل البشري بحيث يستوعب أكواد تواصل متعددة، وكلما تعلمناها فُتحت لنا أبواب جديدة للتجارب والمعارف. نحن نعيش في عالم الأكواد، بعضها مرن كاللغة الأم، وبعضها يتجاوز حدود التجربة الإنسانية كالرياضيات.
ولسنا نعيش في عالم الأكواد فحسب، بل نحن أنفسنا عبارة عن أكواد. فشفرتنا الجينية مكتوبة بلغة عالمية مشفرة في أزواج قاعدة الحمض النووي. وكما أن اللغة التي نستخدمها تجمع عددًا محدودًا من الرموز (الكلمات أو الحروف أو الرموز الأخرى) لتكوين عدد لانهائي من الآراء والأفكار، كذلك شفرة الحمض النووي تجمع عددًا محدودًا من أزواج الحمض النووي لتكوين كائنات حية معقدة ومتنوعة تمثل جميع أشكال الحياة على هذا الكوكب. توجد تشابهات كثيرة بين اللغات التي نستخدمها والشفرة الجينية للحياة.
إن أكواد الكون وقدرتنا على تعلمها ستحدد مستقبل البشرية إلى حد كبير، فالتعددية اللغوية تمنحنا فرصة أعظم لإيجاد الحلول وطرح أسئلة ابتكارية. قد تكون العلاقة بين اللغة والفكر والعقل متعدد اللغات محركًا يدفع البشرية نحو آفاق جديدة على أقل تقدير، ومفتاح بقائها على أقصى تقدير. فماذا سنفعل نحن ولغاتنا بعد ذلك؟
شارك الصفحة
المزيد من المراجعات

ما لا ينبغي للمقارِن جهله: مراجعة لكتاب الأدب المقارن
محمد ناصر الكُربْي

تحفيزٌ بلا قوانين: عرضٌ لكتاب نظرية سياسات التبصير والتوجيه السلوكي
عبدالله بن إبراهيم الحسين

