مع تقدّم الزمن، واختلاط الحقول المعرفية في بعضها البعض، واندساس بعضها في جعبة حقلٍ آخر، حتى ليكاد قارئ الأدب المتواضع يجد صعوبةً في إيجاد تعريفٍ واضحٍ يُميز بين تعريف ذلك الحقل والحقل الآخر، خصوصًا مع توهان الباحث وغوصه في رمال التاريخ المتحركة التي لا تفتأ تحرّك كل ساكن، وخصوصًا في الحقول الأدبية التي غالبًا ما يُعزى اختلاطها إلى انبعاثها من إحساسات الإنسان ومشاعره، لا من التحليل والاستنتاج العقلي فحسب كما يقوم عليه البحث العلمي. ولا شكّ أن في محاولة تقييد إحساسات الأديب ومشاعره بقوالب أكاديمية مجرّدة؛ قدرٌ عالٍ من التعقيد الذي يتطلّب خبرةً طويلةً في سبر أغوار الأبحاث الأدبية، والذي يستلزم في نهاية المطاف أن يصل بالباحث إلى خبرةٍ موازيةٍ لجهده في الوصول إلى التقعيد المنهجي المناسب.

في كتاب "الأدب المقارن" للدكتور محمد غنيمي هلال، والذي صدر لأول مرةٍ عن مطبعة "مخيمر" في عام 1952 -وهي الطبعة التي أملكها-، والذي أعادت دار نهضة مصر طبعه في عام 2014، يأخذ المؤلف بيد طالب الأدب المبتدئ ليطوف به في رحلة تطور الأدب المقارن، بدءًا بتعريف الأدب على اختلافه عند الأدباء، ومرورًا ببزوغ فجر الأدب المقارن من بين عددٍ من الحقول المتداخلة معه، ثم يتفرّع في رحلته للحديث عن عوامل عالمية الأدب، ودراسة الأجناس والموضوعات والمصادر، ويبيّن موضع الأدب المقارن من دراستها، ثم ينتهي بالتفريق بين الأدب المقارن والأدب العام.
مقدمةٌ تعريفيةٌ لا بد منها
لا بد لنا كطلابٍ للأدب أن نستقرّ على تعريفٍ واضحٍ يبيّن لنا ماهيّة ما نحن بصدده، حتى لا نتوه بين المتشابه من التعريفات، ومن هنا يأخذ المؤلف على عاتقه وضع تعريفاتٍ تفرّق بين الأدب المقارن وبين تاريخ النقد وبين تاريخ الأدب، فيقول بإيجازٍ أن تعريف الأدب المقارن هو: "دراسة الأدب القومي في علاقاته التاريخية بغيره من الآداب خارج حدود اللغة القومية التي كُتب بها".
ولا يفوتُ المؤلف انطلاقًا من هذا التعريف أن: "الأدب المقارن لا يُعنى بدراسة ما هو فردي في الإنتاج الأدبي فحسب، بل يُعنى كذلك بدراسة الأفكار الأدبية، وبالقوالب العامة"، ولا يخفى على المطّلع أن القوالب العامة تشمل القصة والمسرحية، وهو ما يُطلق عليه الأجناس الأدبية.
ولأن تعريف الأدب المقارن ينبعث من أصولٍ تاريخيةٍ، فيرى المؤلف أن ضمن ما يشمله الأدب المقارن؛ أدب الرحلات، ودراسة الرحالة من الأدباء، وبيان مواقفهم من البلاد التي رأوها، ويؤكد الدكتور محمد غنيمي هلالل كثيرًا أن مدلول كلمة الأدب المقارن تاريخيٌ قبل كل شيء، وأن من الدقة أن نسمّيه "التاريخ المقارن للآداب" أو "تاريخ الآداب المقارن".
التداخل .. ثم الاستقرار
يشدّد المؤلف تبعًا للتعريف الذي صاغه أنه من المهم أن نفصم بعض العُرى الزائفة، التي توثّقت عند بعض الجهلاء، بين الأدب المقارن كحقلٍ -أو كعلم- وبين بعض العلائق التي لا تمتّ إلى الأدب المقارن بصلة، ويجمع منها لفيفًا حتى يُعرب لطالب الأدب أنه لا صلة بينها وبين الأدب المقارن، ومنها ما فعله بعض الباحثين في عقد الموازنة بين أدباء شعوب مختلفة لا صلة تاريخية بينهم، مثل الموازنة بين أديبين كبيرين مثل "شكسبير" و "راسين"، أو مثل الموازنة بين "مِلتون" و"أبي العلاء المعرّي"، لمجرد أنه تشابهت بعض آرائهم وأفكارهم.
ثم يؤكد المؤلف على التفريق بين ما يُعقد من صلات داخل الأدب القومي وبين الأدب المقارن، وأن صلة أديبٍ في أدب قومه مع غيره من الأدباء داخل الأدب القومي؛ لا علاقة له بالأدب المقارن، سواءً أكانت هناك صلات تاريخية بين النصوص المقارنة أم لا. ويضرب في ذلك مثالًا، فيقول: "فالموازنة بين أبي تمام والبحتري، أو بين حافظ وشوقي في الأدب العربي، وكذا الموازنة بين كورني وراسين، أو بين بسكال ومونتيني، أو بين راسين وفولتيرفي الأدب الفرنسي يتخلى عنها مؤرخ الأدب المقارن إلى مؤرخ الأدب القومي".
مما يعجبني في هذا الفصل، انطلاق المؤلف من موضع المُعلِّم الذي يعرّف طلّابه حجم التداخل بين الأدب المقارن وبين المتشابه من الحقول، إذ بدأ بالأخطاء التي يرتكبها الدارسون لهذا الحقل حتى يثبّت للطلاب الفكرة الواضحة حول ماهية الأدب المقارن.
بين النقد الأدبي والأدب المقارن
ومن الأمور التي أحسن الدكتور هلال في تتبّع مسار التطوّر الطبيعي للأدب المقارن فيها؛ حديثه عن تطور مسار النقد الأدبي، بوصفه طريقًا لفهم تشكّل الأدب المقارن. فبعد حديثٍ موجزٍ عن التطوّرات التي صحبت الإنسان الغربي في عصري النهضة والتنوير، وانعكاسها على النتاج الأدبي لهذه الأمم؛ يؤكد المؤلف على أن القرن التاسع عشر في أوروبا كان عهد تقدم ملحوظ في الناحية الاجتماعية وفي الأبحاث العلمية، وقد تبع هذا التقدم شدة رغبة في استيعاب نواحي البحث في العلوم الأدبية على وجه الخصوص. يرى محمد غنيمي هلال أن أكثر اتجاهٍ نقديٍ ساهم في تشكّل الأدب المقارن هي "الحركة الرومانتيكية"، وقد صاحبها في عملية تشكّل الأدب المقارن النهضة العلمية التي امتاز بها القرن التاسع عشر.
ويرجع أثر "الرومانتيكية" في تشكيل الأدب المقارن؛ إلى أن مبعث أدب أبناء هذه الحركة كان يدعو إلى: "التعبير عن الإحساسات الفردية والانفعالات الخاصة"، إذ أنهم في دعوتهم هذه كانوا يردون على الحركة "الكلاسيكية"، التي كان همّ أصحابها هو البحث في الإنسان وحالاته النفسية، وفي المجتمع وتقاليده، وقد كان رائدهم في ذلك هو العقل.
وبالرجوع إلى "الرومانتيكية"، فقد ساهم تأمل أبناء هذه الحركة في الجوانب العاطفية إلى تبصّرهم في أحوال الأمم الأخرى، فأكثروا من الرحلات إلى الشعوب الفقيرة، وتغذيةً لهذا النهم الشديد لمعرفة ما عند الأمم الأخرى؛ اتّسع أفق الكُتّاب في دراساتهم لأدبهم، وشعروا بحاجةٍ ماسّةٍ لمعرفة ما عند تلك الأمم من آداب.
ويرى أن التداخل الذي نشأ بين الآداب نتيجة هذه التطورات، ساهم في تخفيف التقعيد الذي كان سائدًا في الدراسات الأدبية، والذي أرست مبادئه المدرسة "الكلاسيكية". انحرف حينها النقاد عن فكرة تأسيس النقد على قواعد من الأجناس الأدبية وأنواعها، وتوجهوا -أي الرومانتيكيين- إلى دراسة المؤلفات الأدبية في ذاتها وصلتها بمنتجها من كاتب أو شاعر، مع بيان أثر الأمة التي نشأت فيها، والمجتمع الذي كتبت له.
يورد المؤلف عددًا من الأدباء الذين حاولوا إرساء معالم الأدب المقارن، مثل: "تين" و "مدام دي ستال"، إلا أنه يسخّف إسهاماتهم، ويصفها بأنها حصرٌ لعوامل ذلك الإنتاج في نطاقٍ داخليٍ للأدب الواحد، وإنكار للتبادل الدائم بين الآداب المختلفة. ولا توصف محاولاتهم أكثر من كونها إسهامات ساهمت في الإبقاء على حالة النقص التي كانت تعتري الدراسات المقارِنة. حتى أخذ يكلِّلها الأديب المقارِن "جوزيف تِكِستْ" بنجاح، وذلك عندما وصفه المقارِنون بأنه الأب الروحي للأدب المقارن الحديث.
ما لا ينبغي للمقارِن جهله
بعد أن توسّع الكتاب في التعريفات والتداخلات التي غلبَتْ على الأبحاث والدراسات الأدبية المقارِنة، أورد المؤلف فصلًا قصيرًا يشتمل على بعض الشروط التي يجب على الباحث التنبّه إليها، كأنه بذلك أراد أن ينبّه الطالب إلى ضرورة أن يُعدّ لنفسه عدّةً تعصمه من ذلك الخضم الواسع من التداخل الذي غلب على نتاج أسلافه من المقارِنين.
وبنوعٍ من توثيق العُرى بين المؤلف والطالب، أعدّ جملةً من الشروط التي يجب أن يلتزم الطالب بها، أولًا: "لا بد أن يكون الباحث على علم بالحقائق التاريخية للعصر الذي يدرسه، كي يستطيع إحلال الإنتاج الأدبي محله من الحوادث التاريخية"، ويورد في ذلك مثلًا، فيقول: "فلدراسة نشأة الأدب الفارسي بعد الفتح العربي مثلًا لا بد أن تدرس ألوان النزاع السياسي والجنسي بين الشعبين، والصلات بين الدويلات في إيران، وبين الخلفاء العباسيين في أواخر القرن العاشر وأوائل الحادي عشر". ثانيًا: "الدارس للأدب المقارن يجب أن يعرف معرفةً دقيقة تاريخ الآداب المختلفة التي هو بسبيل البحث فيها". ثالثًا: "تستلزم دراسة الأدب المقارن أن يستطيع الدارس قراءة النصوص المختلفة بلغاتها الأصلية، أما الاعتماد على الترجمة فما هو إلا طريقة ناقصة لا يصح أن نلجأ إليها". أما رابعًا، فيقول المؤلف: "يجب أن يكون الطالب ذا إلمام بالمراجع العامة، عالمًا بطريقة البحث في المسائل، وبمظان مواضعها من الكتب التي يدرسها، فعلى من يدرس الصلات الأدبية العربية والفارسية أن يبحث فيما يخص اللغة العربية ونصوصها في كتب الأدباء والمؤرخين، الذين كتبوا بالعربية وهم من أصل فارسي، كالطبري وحمزة الأصفهاني وابن المقفع. وفيما يخص الفارسية يجب أن يرجع إلى النصوص الأدبية التي تُرجمت عن العربية".
عوامل عالمية الأدب
يرمي المؤلف بالعالَمية إلى حالة خروج الأدب من نطاق الأمة التي نشأ فيها إلى بلد أخرى ورواجه في تلك البلاد، وكيف يساهم هذا الخروج إلى تجديد الأفكار في الآداب والتقاء المعارف. ويقتصر المؤلف هنا على دراسة عاملَين مهمين، وهما: الكتب ورجال الأدب. ولعلنا في هذا المقام نسوق أمثلةً موجزةً تُبين عن مراد المؤلف من هذين العاملَيْن.
فمن مبلغ أهمية دراسة النتاج الأدبي من كتب؛ أن تُلمّ بالمعارف اللغوية التي تعرفها أمة من لغة أمة أخرى، وأنه على الدارس أن يهتم بدراسة التأثير والتأثّر اللغويين، نظرًا لكونها أولى مظاهر الاحتكاك بين لغتين أو بين أدبين.
ومن الأمثلة التي ساقها المؤلف في كتابه: “فمثلًا كلمة “habler” بالفرنسية ومعناها يثرثر، مستعارة من الإسبانية “hablar” ومعناها يتكلم، ولكنها انتقلت بهذا المعنى إلى الفرنسية لأنها استعيرت في وقت كانت فيه العلاقات متوترة بين الدولتين".
يتبيّن من خلال النص السابق مدى اختلاف الدلالات التي تحملها ذات المفردات التي تحتويها معاجم اللغات على اختلافها، وكيف تؤثر الظروف السياسية في مثل هذه الأمور.
تصوير الآداب القومية للبلاد والشعوب الأخرى
يربط الدكتور محمد غنيمي هذا الفصل بفصل عالمية الأدب السابق له، وذلك كنتيجةٍ حتمية لمآلات عالَميةالأدب، وسنحاول سَوْق نموذجٍ واحدٍ نرى أنه يكفي للإبانة عن مراده بشكلٍ موجز.
يرى أنه من المهم للباحث أن يعرف الطريقة التي تكونت بها أفكار أمة ما في أدبها عن الشعب الذي يقصد إلى وصف صورته في ذلك الأدب. وللمهاجرين والرحالة من الكُتّاب فضلٌ كبير في تكوين هذه الأفكار، فهم الذين يؤولون هذه المشاهد ويشرحونها بما يتفق مع ميولهم، وكما تمليه عليهم أحوالهم النفسية والاجتماعية.
وربما تمثّل هجرة "مدام دي ستال" من فرنسا إلى ألمانيا، نموذجًا واضحًا على اختلاف النظرة من أديبٍ إلى أديبٍ ومن أدبٍ قوميٍ إلى أدبٍ قوميٍ آخر، فقد هاجرت هذه المرأة بعد أن ضاقت ذرعًا من بطش الاستبداد الفرنسي على يد نابليون بونابرت، ومن تحكّمه في حرية الأفكار فيها، فكانت تطمح من هجرتها إلى ألمانيا إلى بلدٍ تملؤه الحرية الفكرية والثقافية. ولهذا جاءت آراؤها في حديثها عن ألمانيا مشوبةً بنوع من المثالية التي حلُمَتْ بها، فظلّت آراؤها عن ألمانيا مسيطرةً على جيلٍ من الكُتّاب والرحالة الفرنسيين، وخصوصًا في كتابها "صلوات طريدٍ ينشد ملاذًا في عالمٍ مثالي"، مع أنها لم ترَ فيه غير الوسط الأدبي الأرستقراطي وبعض الفلاسفة في البلاط في برلين.
وفي هذا الملمح الأخير الذي سقناه؛ تأكيدٌ على سيرورة الأدب المقارن التي نبَعَتْ من الآداب القومية للشعوب، حتى اتّسع لها المقام أن تدرس التأثيرات المختلفة بين الآداب القومية المختلفة، راميةً بذلك أن تبحث عن سرّ الوشائج التي تربط بين هذه الآداب.



