header

تحفيزٌ بلا قوانين: عرضٌ لكتاب نظرية سياسات التبصير والتوجيه السلوكي

عا
عبدالله الحسينباحث قانوني
14 يونيو 2026
١٥ دقيقة قراءة

من الأوصاف التي كثيراً ما تُلصق بالقانون عند الحديث عن مدى مواكبته للتطورات أنه من آخر المجالات التي يصلها التغيير أو التطوير، وهذه مَنقبةٌ إذا كنّا نتحدث عن انعكاس القانون بنصوصٍ ملزمة؛ إذ التريّث في تشريعها حصافةٌ من المشرّع إلى حين التحقق من الآثار المحتملة لذلك التشريع، واكتمال الصورة عنه قبل اتخاذ قرار سنّه.

وفي المقابل قد يكون هذا الوصف مَثلبةٌ عندما يتوانى الفكر القانوني عن تطوير أدواته، ويبقى الممارس القانوني أسيراً للنصوص لا موّلدًا ومبتكرًا لها، ولا شك أن في ذلك ابتعادًا عن جوهر القانون وأساس وجوده.

ومجالات الابتكار القانوني كثيرةٌ متعددة، فإما أن تكون متصلةً بقوانين جديدة، وإما من خلال القضاء الذي يبتكر نظريات ويعالج الوقائع باجتهاداتٍ تطوّر لتكوَّن مبادئ قضائية، وإما من خلال عمل الممارسين القانونيين الذين يبدعون في صناعة الحجة وابتكار الحلول القانونية، إلى غير ذلك من مجالات الابتكار التي يوازن فيها القانون بين اعتبارات العدالة والاستقرار وبين اعتبارات مواكبة التطورات والتحديثات، وفي ذلك يقول (دينيس لويد):

«فهناك الكثير من المفاهيم القانونية الجوهرية التي هي إلى حد كبير إبداع قانوني … يُضاف إلى ذلك أن معظم هذه المفاهيم القانونية كبرت حتى أصبحت ميادين قانونية هائلة متشعبة تحتوي على أحكام مصقولة منفتحة ما إن رأت النور حتى ازدهرت وأعطت ثماراً رائعة».

 

نشأة نظرية الوكز وأسسها الفكرية

ومن المجالات الحديثة والمبتكرة -تأطيراً لا وجوداً- في صناعة التشريعات نظرية الحفز أو الوكز أو التنبيه أو الدفع -على اختلافٍ بين مترجمي كلمة (Nudge)- التي حاز سبْق الكتابة فيها الباحثان (ريتشارد ثالر) و(كاس سنستاين) في عام ٢٠٠٨م وذلك من خلال كتابهما المعنون بـ(Nudge)، وتتلخص فكرة الكتاب في إمكانية استخدام النتائج التي توصلت إليها العلوم الاجتماعية والسلوكية لمساعدة الناس على تحقيق أهدافهم، وتحسين فعالية وكفاءة السياسات الحكومية دون الحاجة لأن يقوم الشخص بأي شيء، ومصطلح (Nudge)، حسب تعريف (سنستاين) و(ثالر):

«هو أي جانب من جوانب تصميم الخيارات يغير سلوك الناس بطريقة متوقعة من دون منع أي خيار أو إدخال تغيير كبير على حوافزهم الاقتصادية. ولكن يعد التدخل مجرد تنبيه، يجب أن يكون من السهل وغير المكلف تجنّبه.

التنبيهات ليست إملاءات؛ فوضع فاكهة على مستوى العينين يعدّ تنبيهاً، لكن حظر الأطعمة الخالية من القيمة الغذائية لا يعتبر كذلك».

ولم يحظَ الكتاب في الفترة التي ظهر فيها باهتمام دور النشر التجارية في الولايات المتحدة الأمريكية، مما لم يُبقِ أمام الكاتبيَن سوى خيار تقديم الكتاب للنشر الأكاديمي لا التجاري، يقول (ريتشارد ثالر) بعد دفعه للنشر الأكاديمي: «ونحن نأمل أن يقرأ الكتاب ولو قلّة من زملائنا، وأن يواصلوا دفع عجلة أجندته الفكرية»، ولعل ما يرمي إليه (ثالر) بعبارة "أجندته الفكرية" هو الفلسفة الليبرالية التحررية التي انطلق منها الكاتبان والتي تعززها نظرية الوكز، فالليبرتاريون يرفضون وضع القوانين الأبوية (No Paternalist Legislation)، ويقصد بالقوانين الأبوية القوانين التي تحمي الفرد من أي خطر قد يواجهه ما دام أنه لن يضر بالغير، فأي قانون يُلزم بارتداء حزام الأمان للسائق، أو لبس الخوذة لسائق الدراجة مرفوض! وحجتهم في ذلك أنه طالما أنه لن يتأذى طرف آخر، وأنَّ قادة السيارات أو الدراجات هم من سيتحمل عبء العلاج، فلا حق للدولة في تقرير المخاطر التي سيأخذونها تجاه أجسادهم وحياتهم.

ولو رجعنا للفلسفة التي بُنيت عليها نظرية الوكز نجد أنها لا تُلزم الفرد بارتداء حزام الأمان أو لبس الخوذة وإنما تحفّز سلوكه دونَ إلزام، إلا أنها لم تخلُ في الفترة التي ظهرَ فيها الكتاب من معارضة من يرفضون فكرة (الوصاية غير الجبرية) أو (الأبوية المتحررة)، وبحسب (ثالر) و(سنستاين) فإن أكثر أولئك المعارضين لنظريتهما هم المتبنين لهذه الفلسفة، ولكنّهم يعتقدان أن ارتياب هؤلاء المعارضين لنظريتهما قائم على افتراضات خاطئة لسوء فهمهم للنظرية:

«فإن دعاة الأبوية التحررية يحثّون على أن يكون الناس (أحرارًا في الاختيار)، إننا نسعى إلى تصميم سياسات تحافظ على حرية الاختيار أو تزيدها، وعندما نستخدم مصطلح (تحرري) لوصف كلمة (أبوية)، وعندما نقول المحافظة على الحرية، فإننا نعني ما نقول. إن دعاة الأبوية التحررية يريدون أن يسهلّوا على الناس التصرف كما يشاؤون، ولا يريدون أن يُثقلوا على من يريدون ممارسة حريتهم».

«ونحن نعتقد أن السياسات التي تقترحها الأبوية التحررية ستجد القبول لدى الجمهوريين والديمقراطيين على حدٍّ سواء، ومن الأسباب المركزية أن العديد من هذه السياسات تكلّف القليل أو لا شيء، ولا تفرض أعباء البتة على دافعي الضرائب»، «إننا نعتقد أن الأبوية التحررية أساس واعد لإيجاد أرض مشتركة بين الحزبية»، «باختصار، الأبوية التحررية ليست يميناً أو يساراً، ولا ديمقراطية ولا جمهورية».

وبعد ذلك، انتشرت فكرة الكتاب في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن أسباب انتشاره أن الرئيس الأمريكي (باراك أوباما) كان زميلًا لـ(كاس سنستاين) في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو، فعين (سنستاين) مديراً لمكاتب المعلومات والشؤون التنظيمية في البيت الأبيض، وكانت وظيفة هذا المكتب الأساسية التأكد من كون نفع اللوائح والأنظمة الحكومية أكثر من ضررها، فبعد تولي (سنستاين) إدارة هذا المكتب، طُبقت نظريته على التشريعات التي صدرت في تلك الفترة، مثل التشريعات المتعلقة بالإصلاح المالي والرعاية الصحية وكفاءة الطاقة، وظهر أثرها كذلك في عمل العديد من الوكالات الحكومية الأمريكية.

 

من الفكرة الأكاديمية إلى السياسات الحكومية

وحَظيت فكرة الكتاب كذلك باهتمامٍ واسع لدى الحكومات حول العالم، وكان من نتائج هذا الاهتمام أنِ استُحدثت دوائر حكومية جديدة في دول متفرقة قامت بإدراج مبادئ العلوم السلوكية ضمن عملية رسم ووضع السياسات، ويُرجع (ثالر) ازدهار النظرية التي رسم حدودها رفقة (سنستاين) عندما أُعلن في مايو 2010م عن اتفاقية الائتلاف البريطاني (UK Coalition Agreement)  بين حزبي المحافظين والديمقراطيين، والتي أسست أول حكومة ائتلافية في بريطانيا منذ الحرب العالمية الثانية، وكان النهج الجديد للحكومة الذي أعلنه رئيس الوزراء (ديفيد كاميرون) ونائب رئيس الوزراء (نيك كليغ) هو الاعتماد على بحوث العلوم السلوكية والاجتماعية في صناعة التشريع:

«كان هناك فرضية مفادها أن الحكومة المركزية غير قادرة على تغيير سلوك الناس إلا من خلال القوانين واللوائح. ستكون حكومتنا أكثر فطنة، وستبتعد عن عتاد الماضي البيروقراطي، وستجد طرقاً ذكية لتشجيع الدعم وتمكين الناس من اتخاذ خيارات أفضل لأنفسهم».

 

الخصوصية الثقافية وأثرها في تطبيق النظرية

استيعاب هذه المقدمة التاريخية الفكرية المختصرة لنشأة هذه النظرية وتطوراتها يؤكّد ما أشار إليه الباحث (سطام الطيار) بأن هذه النظرية قامت ونشأت في ظل ظروف وأنظمة وثقافة تختلف عن ظروف مجتمعنا، «لذا سنجد أن بعض التطبيقات التي قد تطرحها النظرية قد تكون مقبولة وناجحة في سياقها الثقافي والاجتماعي الذي نشأت فيه، ولكن قد لا تكون كذلك في بيئات وثقافات أخرى، لذا قد يكون هناك -أحياناً- حاجة إلى ابتكار تطبيقات محلية تنسجم مع ظروف المجتمع وثقافته»؛ وهذه النقطة من الأهمية بمكان استيعابها لمن يقومون بالدراسات المعيارية المقارنة (Benchmarking)، ويتأكد هذا عند صناعة التشريع في المملكة العربية السعودية، فبموجب الضوابط المطلوب مراعاتها عند إعداد ودراسة مشروعات الأنظمة واللوائح وما في حكمها، الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم (٧١٣) وتاريخ: ٣٠ / ١١ / ١٤٣٨هـ، وتعديلاتها، فإن على الجهة الحكومية عند الرفع بمقترح تشريع أن تقدم نبذة عن التشريعات والتجارب الدولية التي استفيد منها عند إعداده، وأهم النصوص النظامية الواردة في تلك التشريعات؛ إذ ليس نجاح فكرة أو نظرية في سياق معيّن يعني استيرادها كما هي بحجة أنها أفضل ممارسة دولية، بل لا بد من تكييف تلك الأفكار والنظريات مع السياق الذي يناسب بُنيتنا التنظيمية والثقافية والاجتماعية، وقبل هذا كله الدينية.

 

نظرية التوجيه السلوكي في المملكة العربية السعودية

في المملكة العربية السعودية، نجد اهتماماً بهذه النظرية -خصوصاً خلال الخمس سنوات الماضية- عندما أُسست عدد من الوحدات لدراسات السلوك المتخصصة في مختلف الجهات الحكومية، ولم يكن الاهتمام بهذه النظرية مقتصراً على الجهات الحكومية فقط، بل ظهرت مبادرات خاصة كشركة (هوّز)، التي من ضمن خدماتها دعم الجهات الحكومية في تحسين فعالية خدماتها وسياساتها ومبادراتها من خلال توظيف منهجيات العلوم السلوكية التي تُمكّن من فهم كيف يتخذ الأفراد قراراتهم وما الذي يمنعهم من تبني السلوك المستهدف، وذلك عبر تصميم تدخلات سلوكية مخصصة، ودعم بناء قدرات داخلية تضمن التفكير السلوكي في العمليات اليومية، بما يعزز التغيير الإيجابي ويحقق أثرًا ملموسًا ومستدامًا، وفي لقاء عبر برنامج الليوان يقول المؤسس ورئيس مجلس المديرين لهذه الشركة (د. خالد الغنيم) عن تجربة الشركة مع أمانة منطقة حائل وتفعيل نظرية الوكز لمعالجة مشكلة التشوه البصري في اللوحات لدى أصحاب المحلات:

«... أصحاب المحلات تأقلموا مع الغرامة. قال: خلاص، أنا بدفع غرامة كل ما جينا نفتش، بدفع الغرامة! فاستخدمنا تأثير المرسل، جاهم خطاب من أمين حائل بتوقيع الأمين وباسمه، وموجه إلى الشخص: عزيزي فلان، حنا عندنا مبادرة تشوه بصري، نأمل منك الالتزام فيها، وفيها الخطوات القادمة: أن هذه تكلفة الالتزام، تكلفة تعديل اللوحة كذا... واتفقنا مع مقاولين وأخذنا منهم خصم، وهذه قائمة المقاولين، وترى تكلفة الالتزام أقل من تكلفة الغرامة.

[النتيجة]: أكثر من 90% من المحلات التزمت».

ولا زال هذا المجال في تطورٍ مستمر خصوصاً في ظل العمل على تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030، والرؤية القادمة 2040 التي بشّر بها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولتقليص الفجوة بين البحث العلمي وصناعة القرار جاءت دراسة الباحث (سطام بن محمد الطيّار) بعنوان: (نظرية سياسات التبصير والتوجيه السلوكي اتجاه حديث في صياغة الأنظمة واللوائح والسياسات العامة دراسة تأصيلية مقارنة) والذي نشرتهُ الجمعية العلمية القضائية السعودية (قضاء) عام ١٤٤٥م، وقد سارَ الباحث في تقسيم موضوعات دراسته المكوّنة من (٢٣٧) صفحة على نهجٍ أكاديمي، ابتدأه بمقدمة، ثم فصول وتحتها مباحثٌ ومطالبُ وفروع، وأخيراً خاتمة احتوت على توصيات، ولعلَّ ما يميز دراسة الباحث هو معالجته للنظرية من منظور السياسة الشرعية، وتدعيمه للدراسة بأمثلةٍ عملية لتطبيق النظرية في المملكة العربية السعودية، والشمول في معالجة الفكرة نظرياً دون تطويلٍ واستطراد، وأيضاً الميزة الأهم -على الأقل لدى كاتب هذه الأسطر- هو تناول النظرية كاتجاه لصياغة الأنظمة واللوائح والسياسات العامة.

وهذه الميزة الأخيرة، تجعل من المناسب أن نحرر مفهومها من خلال ثلاث أمثلة، الأول منها لم تطبّق هذه النظرية وإنما اتجهت إلى الأسلوب التشريعي المعتاد بالإلزام وترتيب عقوبة حال المخالفة، وهي حملة التسجيل العيني للعقار الذي ألزم ملاك العقارات الواقعة داخل المناطق المعلنة بالتسجيل خلال مهلة محددة، وقد يتعرض المُتأخر عن التسجيل للعقوبة المنصوص عليها في نظام التسجيل العيني للعقار بغرامة تصل إلى ١٠٠ ألف ريال.

الثاني: استُخدمت فيها النظرية كممكن تشريعي بعد صدور التشريع، ويظهر ذلك من خلال حملات الهيئة السعودية للملكية الفكرية -منها مثلاً حملة أنا أحترم حقوق الملكية الفكرية- التي تعاونت فيها مع رابطة الدوري السعودي ووزارة الرياضة، والحملة التي ظهر فيها بعض اللاعبين المحترفين يرددون: "أنا أحترم حقوق الملكية الفكرية"، فاستفادت الهيئة من قوة التأثير الاجتماعي لدى هؤلاء اللاعبين -خصوصاً لدى الشباب- في تمكين تشريعات الملكية الفكرية، وقامت بعدد من الأساليب والطرق التي تنتمي إلى حقل سياسات التبصير والتوجيه السلوكي في عدد من حملاتها الأخرى كذلك.

الثالث: استُخدمت فيها النظرية كأداة لصياغة التشريع، وهذا القسم هو الذي تناوله الباحث في دراسته، وضرب عليه عدد من الأمثلة -كمبادرة حساب المواطن، ومبادرة الهيئة العامة للغذاء والدواء بإلزام المطاعم بوضع السعرات الحرارية للمأكولات- ومن تلك الأمثلة أيضاً ما قام به المركز السعودي لكفاءة الطاقة في مبادرة بطاقة كفاءة الطاقة، حيث أُلزم المنتجون والموردون بوضع بطاقات على منتجاتهم تبصّر المستهلك نحو شراء المنتجات التي تحافظ على الطاقة، فبدلاً من وضع تشريع يمنع تداول مثل هذه المنتجات أو يفرض غرامات إضافية على المنتجين والموردين، أصبح الخيار لدى المستهلك، الذي بدوره سيقوم بشراء المنتجات التي تحافظ على الطاقة، مما سيؤثر على الموردين والمنتجين بتوريد أو جلب منتجات تحافظ على الطاقة.

 

هل ينجح استخدام العلوم السلوكية أو الحفز دائماً؟

ناقش (ديفيد هالبيرن) في الفصل الحادي عشر من كتابه (داخل وحدة الحفز) المخاطر والقيود لهذه النظرية وأجاب عن تساؤلات مهمة: مثل هل ستكون السياسات السلوكية كافية ما دامت غير مقترنة بإلزام أو عقوبة؟ ماذا لو استخدمت العديد من الجهات الحكومية هذه الأدوات ألن يتلاشى تأثيرها؟ وغيرها من الأسئلة المهمة التي يجب أن تُستحضر لدى صنّاع القرار، وفي ذات الفصل استعرضَ (هالبيرن) دراسة إحصائية قامت بها شركة البحوث (Ipsos MORI) على عدد من الدول ومن ضمنها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، والتي تهدف إلى قياس مدى ميول وتقبل المجتمع لتدخل الحكومة لمنع بعض السلوكيات، وأظهرت الدراسة أن المجتمع في الولايات المتحدة هو الأقل تقبلاً لتدخل الحكومة بنسبة (٣٣٪)، وأن المجتمع في المملكة هو الأكثر تقبلاً لمثل هذا التدخل بنسبة (٨٧٪).

وهذا المؤشر قد يجعل تطبيق هذه النظرية في المملكة أنجع من غيرها، وبالتالي تكون مقدمة على غيرها من السُبل، ولكن في المقابل قد يكون من الأنسب ألا تُطبق هذه النظرية في بعض الحالات -التي يُظن مناسبة تطبيقها- ومن ذلك مثلاً ما قصّه معالي وزير الصحة السابق (توفيق الربيعة) خلال أزمة كورونا وتحديداً تلك الفئة المناهضة لإلزامية اللقاح:

‏«لقد واجهنا سيلاً شديداً من الذين يتحدثون عن إلزامية اللقاح، وأنه يجب أن يكون اختيارياً لمن شاء دون وضع قيود عليهم، يخرجون متى شاؤوا ولأي مكان يريدون ويختلطون مع من شاؤوا، وأن يكون اللقاح متاحاً لمن يريد أن يأخذه فقط، وألا تنعكس تلك الحالة على تطبيق (توكلنا).

‏وددنا لو نستطيع ذلك، وأن لا نمنع الناس من الأشياء التي يحبونها، أو يختارونها، ولكن الأمر ليس بهذه السهولة، وليس الهدف هو أن نقلّل من حرية الناس في التنقل والالتقاء بمن شاؤوا، ولكن كنا في مركب واحد، ولكي ننجو كان لا بد أن نعمل معاً للنجاة.

‏لم يكن الموضوع يتعلق بحرية الشخص أن يختار ما يشاء؛ بمعنى إذا كان هناك شخص لا يرغب في التطعيم، ولن يأخذ اللقاح، ومع ذلك يريد أن ينتقل حيثما شاء، فهذا يعني أنه قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي مكان، تخيل مثلاً أن الذين لا يريدون التطعيم يتجاوز عددهم أكثر من ٦٠٪، فهذا يعني أن العنايات ستكون مشغولة بهم مثلما وصلنا في بعض المناطق للخط الأحمر من كثرة داخليها، وهذا بالطبع سيؤثر على أصحاب الأمراض الأخرى، لم نكن نذهب لكل شخص في بيته ونخرجه من مسكنه لأجل تطعيمه، لكن عندما يريد الخروج والاختلاط بالآخرين، سواء في العمل أو في أي مكان عام، فإننا لن نسمح بذلك، فهناك في تلك الأماكن أناس مناعتهم ضعيفة، وهناك كبار سن، وهناك أمراض مزمنة تتجول في تلك الأمكنة، كنا نريد الوصول للشاطئ بأمان، وأن ينجو الأغلب، وهذا ما حدث بالفعل بعد فضل الله، إذ قلّت تلك الأعداد التي كانت تدخل ثلاجات الموتى، أو الذين يملؤون تلك الغرف فوق أسرة بيضاء لا يظهر من ملامحهم خلف أجهزة التنفس إلا تلك العيون المتعبة، يسألون الله، ونسأله، أن يخرجوا من ذلك النفق».

والحقيقة أن تجربة وزارة الصحة في إدارة أزمة كورونا قد تكون فرصةً مميزة للباحثين، لاستكمال الدراسة حول الاقتصاد السلوكي وأثرها على صناعة التشريعات، وقد أشار معاليه في فصلٍ من فصول كتابه بعنوان: (صوتنا للناس) عن عدد من الأساليب التي خوطب بها الناس في ظل الأزمة، وأشار إلى تنوعها، مما يفتح شهية الباحثين لتناولها ودراستها، ولعل ما يؤكد النسبة التي أشرنا لها بخصوص تقبل المجتمع السعودي للتدخلات الحكومية ما أشار له معالي الوزير في كتابه أيضاً عندما انتشرت صورة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين لتكون سبباً لسيلٍ من الحجوزات للمواعيد من أجل تلقي اللقاح فأغنَت تلك الصور عن ألف حملة للحثّ على اللقاح:

"عندما يتخوّف الناس من أمر ما، وتأخذهم الظنون لتلك الأماكن البعيدة من الوهم، فإن أفضل وسيلة تطمئنهم فيها هي أن تعالج هذا الخوف بالقدوة، وأن تسبقهم لما يتوهمون أنه خطر محدق بهم، فعندما يرونك هناك سيلحقون بك، وهذا ما فعله بكل اقتدار خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، عندما خرجوا في مرحلة مبكرة وتلقوا اللقاح أمام أعين الناس وعبر كل شاشات التلفزة، لقد كان هذا الفعل أبلغ من ألف وسيلة ودعاية قمنا بها، وما زلت أذكر الكم الهائل الذي وَصَلَنا فجأة لحجز مواعيد للقاح عبر تطبيق صحتي، كان تصرّفهم هو الطمأنينة التي نزلت على أرواح الناس وقلوبهم".

 

خاتمة

لم يكن هذا العرض تلخيصاً شاملاً لمضامين الكتاب، وإنما تقدمة لقراءته، ومحاولة استعراض فكرته وإكمال الفائدة المرجوة منه، وإني لأرجو أن يكون هذا الطرح -دونَ الحاجة إلى استخدام أدوات التوجيه السلوكي- محفِّزًا للإقبال على مثل هذه الدراسات القيّمة التي تطور من أدوات صناعة التشريع في المملكة العربية السعودية وتنعكس على أرض الواقع، والأهم من ذلك، أن يكون المشتغلون بالقانون أكثر انفتاحًا على العلوم الأخرى القادرة على تطوير المنظومة القانونية وتحديث أدواتها، وأن يُترجم ذلك إلى نتاج بحثي ومعرفي يُثري الفكر القانوني.

هذا، وقد رُجع في إعداد هذه الورقات إلى عددٍ من المراجع والدراسات والمواد العلمية، بالإضافة إلى دراسة الباحث، ومن أبرزها: كتاب العدالة: ما الجدير أن يُعمل به؟، مايكل ج. ساندل، ٢٠١٥م، جداول للنشر والترجمة والتوزيع، وكتاب داخل وحدة الحفز: كيف يمكن للتغييرات الصغيرة أن تُحدث فرقاً كبيراً، ديفيد هالپيرن، ٢٠١٩م، معهد الإدارة العامة، مركز البحوث والدراسات، وكتاب التنبيه: تحسين القرارات بشأن الصحة والثروة والسعادة، ريتشارد ثالر، وكاس سنستاين، ٢٠١٦م، الدار العربية للعلوم ناشرون، وكتاب فكرة القانون، دينيس لويد، تعريب: سليم الصويص، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، العدد ٤٧، وكتاب رؤى سلوكية لرؤية 2030 وما بعدها، مجموعة مؤلفين، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ٢٠٢٦م-١٤٤٧هـ، دراسات، 78، الرياض، وكتاب الوقوف على أطراف الأصابع ذكرياتي مع جائحة كورونا ٢٠٢٠، توفيق بن فوزان الربيعة، ٢٠٢٣م، شركة رف للنشر.

كما رُجع إلى عدد من المواقع والجهات الرسمية، منها: هيئة السعودية للملكية الفكرية، والمركز السعودي لكفاءة الطاقة، والهيئة العامة للعقار، والسجل العقاري، ومركز الدراسات والبحوث القانونية، إضافةً إلى عدد من اللقاءات والمحاضرات المرئية كمحاضرة مراحل إعداد الأنظمة وإصدارها في المملكة ودور هيئة الخبراء، ومحاضرة دور هيئة الخبراء في إعداد التشريعات، ولقاء الدكتور خالد الغنيم ضيف برنامج الليوان مع عبدالله المديفر (حكاية في التقنية)، ولقاء ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مع عبدالله المديفر بمناسبة مرور 5 سنوات على إطلاق الرؤية.

 

شارك الصفحة

المزيد من المراجعات