يستعرض جورج نيومان في هذه المقالة خمسة أفكار رئيسية من كتابه الصادر حديثًا "كيف تنشأ الأفكار العظيمة: الخطوات الكامنة وراء النجاح الباهر".
جورج نيومان أستاذ مشارك في كلية روتمان للإدارة بجامعة تورنتو، أفنى مسيرته في محاولة كشف أسرار الإبداعية ومنابعها. وقد نُشرت أبحاثه في صحف ومجلات مرموقة، مثل نيويورك تايمز والإيكونوميست وبي بي سي وساينتفك أمريكان وفوربس وول ستريت جورنال وواشنطن بوست.
الفكرة الرئيسية
يظن أكثرنا أن الأفكار العظيمة تُستحضر من الداخل، كأنها تتدفق من ينبوع عبقرية غامض يتفرد به قلة من البشر. لكنك لو أصغيت إلى أشهر المبدعين عبر التاريخ ستسمع رواية مغايرة تمامًا، فهم لا يعدون أعظم أعمالهم شيئًا اختلقوه أو اخترعوه، بل وجدوه. الفكرة لا تكمن في الابتكار، بل في الاكتشاف.
- قاعدة الخمسة بالمئة من الجدة
تُروى قصة شهيرة عن ابتكار الملاحظات اللاصقة: في عام 1968 كان الكيميائي سبنسر سيلفر يحاول صنع مادة لاصقة قوية بحيث تستخدم في هياكل الطائرات، لكنه انتهى إلى اكتشاف عكس ما كان يرمي إليه: غراء بالكاد يلصق ورقتين معًا، إلا أنه يمكن استخدامه مرارًا وتكرارًا دون أن يفقد لزوجته.
ظل سيلفر يفكر على مدار سنوات في منتجات مختلفة. كانت أولى أفكاره الكبرى إنتاج لوحة إعلانات لاصقة، لكنها لم تلق رواجًا. ثم تلتها فكرة صنع إشارة مرجعية قابلة لإعادة الاستخدام -اقترحها زميله آرت فراي- لكنها أيضًا باءت بالفشل. وأخيرًا بعد قرابة عقد من العصف الذهني استقر على فكرة الملاحظات اللاصقة، وبقية القصة معروف.
تُساق قصة سيلفر غالبًا كمثال على العزيمة والإصرار. لا شك أن المثابرة جزء مهم من الإبداعية. لكن لو أمعنت النظر ستجد أن لوحة الإعلانات اللاصقة والإشارات المرجعية القابلة لإعادة الاستخدام والملاحظات اللاصقة كلها نسخ مختلفة فكرة واحدة: ورق + مادة سيلفر اللاصقة. إلا أن واحدة منها فحسب هي التي حققت نجاحًا باهرًا.
غالبًا عندما نفكر في سر عظمة أفكار بعينها نميل إلى التركيز على الاختلافات: أي مدى تفوق الفكرة المبتكرة على ما سواها. لكني أدعوك إلى التفكير في أوجه التشابه عوضًا عن مواطن الخلاف: ما مدى قرب تلك الأفكار المذهلة من الأفكار الأخرى الكثيرة التي تشبهها؟
كذلك كل فكرة عظيمة خلّدها التاريخ، مثل قصة الملاحظات اللاصقة، سبقها عشرات بل وربما مئات الأفكار المماثلة: نسخ تكاد تكون متطابقة لنفس الفكرة لكنها لم تلق رواجًا لافتقارها إلى عنصر صغير، لكنه مهم. على سبيل المثال، لما كتب جون لينون أغنية فرقة البليتز “Please, Please Me,” جعل إيقاعها بطيئًا، فاقترح جورج مارتن على الفرقة تسريعها. هل كانت الفرقة ستبلغ ما وصلت إليه دون هذا التغيير البسيط في الإيقاع؟ يصعب تصور ذلك، غير أن التاريخ مليء بمثل هذه الأمثلة. كم من أفكار مذهلة حبيسة الأدراج الآن لا يفصلها عن الريادة العالمية سوى تعديل طفيف؟
لا تكمن الأفكار العظيمة في اختراع شيء جديد جذريًا، بل مدار الأمر كله حول اكتشاف ذلك التحسين أو التعديل الطفيف المفقود الذي سيحرر الفكرة ويجعلها ملكك. إن فهمنا عن الإبداعية مغلوط، فقد توصلت أبحاثي أن الناس عندما يعزمون على فعل شيء "إبداعي" فإنهم يركزون بشدة على الأصالة والاختلاف عن الآخرين. وفي إحدى الدراسات طلبنا من طهاة منزليين تحضير شطائر لعربة طعام، فوجدناهم ظنوا أنه كلما كانت وصفتهم أصيلة زادت جاذبيتها للناس. إلا أننا لما قدمنا تلك الشطائر للعملاء وجدنا العكس: فكلما بالغ الطهاة في الأصالة، قلّت رغبة العملاء في تجربة الشطائر. لقد نسي هؤلاء الطهاة أهم مكوّن على الإطلاق: أن يكون طعامهم طيّب المذاق.
كما حللنا عدة مواسم من برنامج توب شيف، ووجدنا النتيجة ذاتها، فعندما كان المتسابقون يقولون صراحة إنهم سعوا إلى الأصالة والاختلاف عن البقية، كانت احتمالية حصولهم على أدنى تقييم وإقصائهم أكثر من الضعف. لذا، كف عن محاولة اختراع العجلة، حسبك أن تجعلها تدور بطريقة مختلفة قليلًا.
إن وصفة الفكرة العظيمة أبسط مما تظنون: اجعل الطبق الرئيسي تقليديًا، شيئًا مألوفًا ومعروفًا، ثم أضف لمسة -بهارًا أو نكهة- تجعله جديدًا ومميزًا وخاصًا بك.
- ابحث عن المشكلات
أنت بحاجة إذًا إلى العثور على نسبة الخمسة بالمئة المفقودة، لكن كيف السبيل؟ من أحب الدراسات إلى قلبي حول الإبداعية أجراها عالم النفس القدير (ميهالي تشيكسينتميهالي)، حيث قضى سنوات في استقصاء ما يميز المبدعين بحق، ووجد أن أكثر الناس إبداعًا لم يبرعوا في حل المشكلات فحسب، بل كانوا استثنائيين في إيجادها أيضًا.
أجرى تشيكسينتميهالي وزميله جاكوب جيتزلز دراسة على مجموعة من طلاب الفنون في معهد شيكاغو للفنون المرموق. أُدخل كل واحد من الفنانين على حدة إلى مرسم به طاولتان، وضعت على إحداهما مجموعة من الأغراض التي يستخدمها الفنانون عادة لرسم لوحات الطبيعة الصامتة، وعلى الأخرى أدوات الرسم بما فيها الورق وأقلام الرصاص والفحم.
كانت التعليمات بسيطة وواضحة: اختر بعض الأغراض من الطاولة الأولى، ورتبها كما تشاء، ثم ارسم لوحة. مُنح الفنانون مطلق الحرية في استغراق الوقت وإعادة رسم اللوحة إن شاءوا، على ألا يتوقفوا إلا بعد الرضا التام عن النتيجة.
باشر معظم الفنانين الرسم بسرعة، غير أن فئة منهم فعلت شيئًا مختلفًا: فقد قضوا وقتًا في تقليب الأدوات بين أيديهم واستشعار وزنها والنظر إليها من زوايا مختلفة، مع التركيز على الفراغات البينية. لقد كانوا يبحثون عن شيء ما: مشكلة يجدر حلها أو سؤال يجدر طرحه.
ثم انتظر تشيكسينتميهالي 18 سنة، ولمّا عاد للمتابعة مع الفنانين بعد قرابة عقدين وجد أن الناجحين لم يكونوا من تحدثوا عن الشغف أو الطموح، ولا مَن أسهبوا في الحديث عن أهمية البحث عن الجمال أو الاتساق أو التناغم. لم يكن النجاح حليفًا لأولئك الواثقين بأنفسهم، ولا مَن طوروا نهجًا فلسفيًا عميقًا لممارستهم الفنية. بل كان من نصيب مكتشفي المشكلات، أولئك الفنانين الذين أقبلوا على مهمة الرسم دون أي تصورات مسبقة وتركوا شكل لوحتهم وهيكله ينبع من الموقف نفسه.

من الضروري تبني عقلية كشف المشكلات من أجل العثور على العنصر المفقود الذي يحرر الفكرة المبتكرة. عندما نولي انتباهًا دقيقًا لما حولنا تأخذ الفرص والتحديات في الكشف عن نفسها. ثم تتمثل مهمتنا حينئذ في تعلم رصد هذه الإشارات، لندرك أن الإبداعية ليست في ابتكار الحلول بالإرغام، بل في استجلاء ما تحتاجه الفكرة حتى تكتمل.
يتطلب العثور على الأفكار العظيمة جهدًا بالغًا، والتجربة والخطأ، بل وربما قدرًا من الحظ. لكن بوسعك فعل الكثير لزيادة فرصك في العثور على شيء استثنائي: راقب مواطن الخلل أو التوتر أو بؤر التأثير. لم تعتزل المؤلفة مارغريت أتوود في كوخ بانتظار الإلهام، بل ظلت تنقب في الأرشيفات والسجلات التاريخية وقصاصات الصح حتى تستلهم قصصها. الإبداعية ليست سحرًا، بل تأتي من النظر إلى الخارج والتيقظ الدائم للعالم من حولك.
- تجاوز منحدر الإبداعية
ما إن تضع يدك على المشكلة يحين وقت التنقيب، وهنا حيث يخذل الناس أنفسهم. طلب الباحثان برايان لوكاس ولوران نوردغرين من المشاركين قضاء خمس دقائق في توليد أفكار لزيادة تبرعات مؤسسة خيرية. لكن قبل البدء استطلعوا توقعاتهم عن إنتاجيتهم: كم فكرة تعتقد أنك ستطرحها في الدقيقة الأولى؟ وكم فكرة في الدقيقة الثانية؟ وهلم جرا.
توقع المشاركون أن تكون الإنتاجية عالية في الدقيقتين الأوليين، ثم يتبعها انخفاض حاد. سحب الخيري، معرض معجنات خيري، طرق الأبواب لجمع التبرعات.. كم فكرة يا ترى توجد لجمع التبرعات؟
غير أنه عندما بدأوا العصف الذهني حدث شيء مبهر. كانت الدقيقة الأولى قوية، والثانية أفضل منها، وبعد ذلك لم يتراجع المعدل، بل واصل المشاركون توليد المزيد والمزيد من الأفكار، حتى كانت الدقيقة الثالثة أكثر إنتاجية من الثانية، والرابعة والخامسة أكثر إنتاجية مما سبقهما. وفوق ذلك، عندما قيّم آخرون تلك الأفكار قالوا إن أفكار النصف الثاني من الجلسة واعدة أكثر من أفكار النصف الأول.
نحن نسمي ذلك بوهم منحدر الإبداعية، حيث يعتقد الناس أن أفكارهم ستنضب، لكن ما يحدث هو العكس، فاللحظة التي تعتقد فيها أنك استنفدت كل الاحتمالات هي في الواقع بداية العملية الإبداعية.
انظر إلى أنجح المبدعين في التاريخ: نال توماس أديسون ما يزيد على ألف براءة اختراع، منها ما باء بالفشل، مثل أثاث إسمنتي ودمية ناطقة مخيفة. وبنى جيمس دايسون ما يزيد على خمسة آلاف نموذج أولي قبل أن يستقر على التصميم النهائي للمكنسة الكهربائية. وعندما سجلت دوا ليبا ألبوم Radical Optimism كانت قد كتبت 97 أغنية ولم يقع الاختيار إلا على إحدى عشرة.
عندما تظن أن أفكارك نضبت لا تتوقف وواصل التنقيب. ائت بمئة بل وخمسمئة اسم لمشروعك، ولا تكتف بعشرة. جدول جلسات متعددة للعصف الذهني على مدار أيام، ولا تكتف بجلسة واحدة. تذكر أن الزيادة خير فيما يتعلق بتوليد الأفكار.
- الأفكار العظيمة تستحق عناء الانتظار
لو أنتجت مئات الأفكار فكيف تعرف ما يستحق السعي فيه؟ توجد قصة عجيبة لألبرت أينشتاين تجسد هذه الفكرة.
كان أينشتاين يناقش عمليته الإبداعية مع صديقه عالم النفس ماكس فيرتهايمر بعد سنوات من تطوير نظرية النسبية. فوضح أنه قبل طفرته العلمية كان يؤرقه أمر ما، لم يكن مجرد حيرة ولا انغلاق في التفكير، بل أرق وانشغال ذهني. كان ثمة توتر لا يجد له حلًا، وفجوة بين ما يلاحظه وما تقرره النظريات السائدة آنذاك. وذلك الضيق -شعوره بأن الوضع ليس على استقامته- كان الشرارة التي أضاءت الطريق لأحد أعظم الاكتشافات العلمية في التاريخ.
تشير الأبحاث إلى أننا لا نجيد تقدير قيمة أفكارنا. من أسباب ذلك أن الأفكار العظيمة -خاصة في بدايتها- قد تبدو مجردة، بل وغير مريحة بعض الشيء. سبب آخر أننا نتمسك بها بشدة لمجرد أنها من نتاجنا. لقد وجدت الناس يعالجون صعوبة بالغة في تقييم جودة أفكارهم لأسباب منها دفعة الحماس المفاجئة التي تغمرنا عند الإتيان بفكرة جديدة.
يكمن أحد الحلول في التمهّل، ذلك لأن تقييمنا لأفكارنا يتحسّن كثيرًا عندما نمنح أنفسنا وقتًا ومساحة. أما الحل الثاني فأن تدعو الآخرين إلى تقييمها، لأن بوسعهم تقييم نجاعة الفكرة بدقة أعلى لكونهم غير مرتبطين بها.
إن الأفكار العظيمة تستحق عناء الانتظار. أظهرت دراسات أجريت على رواد الأعمال أن النواة الأولى للفكرة تتنبأ بنجاح المنتج تمامًا كالمنتج النهائي نفسه، فالأفكار لها هيكل تشير إلى ما سيأتي بعده. كما قال أندرو ستانتون من شركة بيكسار "أنت تظل تنقب دون أن تدري ما ستكشف عنه، لكن بمجرد أن تلمح طرفًا منه ستعرف الطريقة المثلى للتنقيب".
فلا تفر من شعورك بالانزعاج، بل واجهه وأشرك الآخرين معك. لعل الأفكار التي تؤرقك -التي تبدو غريبة أو مربكة- هي بالضبط ما تبحث عنه.
- فكر فيما تستخلصه
الآن نأتي إلى الجزء الأصعب: ما تبقي عليه وما تستبعده. كان بول سايمون يمر بحالة اكتئاب في عام 1984، فقد فارق زوجته كاري فيشر، ولم تحقق ألبوماته السابقة النجاح التجاري المأمول. حينها أهداه صديق له شريط كاسيت مجهولًا لموسيقى الشارع من جنوب إفريقيا. ظل سايمون يستمع إليه دون انقطاع، ومع انتهاء الصيف حسم قراره بالتوجه إلى جوهانسبرج.
قضى سايمون أسبوعين في استوديوهات التسجيل بجنوب إفريقيا، انغمس حينها في جلسات العزف الحر مع الموسيقيين المحليين وإنتاج أكبر قدر ممكن من المواد الموسيقية. ثم عاد إلى الولايات المتحدة وقضى عامًا كاملًا في تحريرها، فاختار المقاطع الجذابة وألّف بينها وأضاف طبقات صوتية، حتى حوّل تلك الجلسات إلى أغنيات متكاملة. كان التحرير بالغًا لدرجة أن سيمون صار رائدًا في استخدام محطات العمل الصوتي الرقمي في عالم التسجيل. والنتيجة إصدار ألبوم Graceland، الذي يعده الكثيرون أعظم أعمال بول سايمون. لكن المهم في كل ذلك أن سايمون لم يكن يبحث عما يضيفه، بل كان يبحث عما يحذفه.
هذا أمر يتعارض مع ميولنا الطبيعية. أظهرت عالمة النفس غابرييل آدامز أنه عند تحسين نص مكتوب يميل أكثر الناس إلى الإضافة على المحتوى عوضًا عن حذف الحشو. وفي دراسة أخرى تناولت التصاميم المرئية لم يحذف المشاركون أي عنصر تقريبًا، بل ظلوا يضيفون عناصر جديدة.
من السهل أن ترى الإبداعية كبناء برج، فتريد أن ترصّ كل ما عندك مستعرضًا ما بذلته من جهد. غير أن المتلقي لا يعنيه بناء الأبراج، لكنه يبحث عن الفجوات ونقاط الضعف التي ستجهز على المشروع.
لذا، عندما تعمل على تهذيب فكرتك تخيل نفسك في قارب عائم: تخلص من كل ما لا يخدم غرضك، غالبًا ما تتجلى أكبر الإنجازات الإبداعية عندما نجرد العمل من كل ما لا حاجة له.
الإبداعية ليست هبة غامضة اختُصت بها فئة مختارة، بل عملية استكشافية بوسع أي أحد أن يتعلمها. لا تنتظر العبقرية تهبط عليك من السماء، لكن اسع في الاستكشاف والمحاكاة والبحث عن المشكلات. واصل حتى مع انعدام شغفك ورغبتك في الاستسلام، وثق في الانزعاج الذي تثيره الأفكار الواعدة. غالبًا ما تخفى الأفكار العظيمة على الأنظار، كل ما تحتاجه هو معرفة أين تبحث وممّ تتخلص. أدوات الاكتشاف بين أيدينا جميعًا، لا يبقى إلا استعدادك للتنقيب.
وهم معرفي حيث يعتقد الناس اعتقادًا خاطئًا أن قدرتهم على توليد أفكار نوعية جديدة تنخفض بسرعة بمرور الوقت.
شارك الصفحة
المزيد من المراجعات

ما لا ينبغي للمقارِن جهله: مراجعة لكتاب الأدب المقارن
محمد ناصر الكُربْي

تحفيزٌ بلا قوانين: عرضٌ لكتاب نظرية سياسات التبصير والتوجيه السلوكي
عبدالله بن إبراهيم الحسين

