بريا أناند طبيبة أعصاب في مركز بوسطن الطبي وأستاذة مساعدة في كلية الطب بجامعة بوسطن، تدربت في مجالات علم الأعصاب والأمراض العصبية المُعدية وعلم المناعة العصبية في مستشفى جونز هوبكنز ومستشفى ماساتشوستس العام، ولديها كتاب بعنوان: "العقل الكهربائي: طبيبة أعصاب تستكشف غرائب الدماغ وعجائبه".
ما الفكرة الرئيسية؟
توجد علاقة معقدة بين الثقافة، والمرض، والقصص، والدماغ. حتى نفهم الأمراض والأعراض العصبية نصوغ سرديات عن المناطق الرمادية التي لم نفهمها بعد، وربما لن ندركها تمامًا. تتحدى عقولنا التصنيفات الثنائية. بين الصحة والمرض مساحة شاسعة، والقصص تساعدنا على تحليلها.
تقدم بريا أناند أدناه خمس أفكار رئيسية من كتابها الجديد:
- أدمغتنا مفطورة على سرد القصص.
القصص هي سبيلنا لفهم العالم. إن تعطّشنا للسرد متجذر في أدمغتنا لدرجة أنه عندما يتعرض شخص لإصابة دماغية مدمرة ويفقد بعض وظائف الدماغ الأساسية (مثل القدرة على تكوين الذكريات) فإن قدرته على سرد القصص لا تنجو من الإصابة فحسب، بل تزداد قوة.
من الأمثلة البارزة على ذلك العرَض العصبي المسمى بالتخليق القصصي الذي ينشأ عندما يكوّن الدماغ قصصًا مفصَّلة ومتخيَّلة تتجاوز سيطرتنا الواعية أو حدود إدراكنا حتى. اعتنيتُ بمرضى فاقدين للذاكرة (نتيجة نقص الفيتامينات مدة طويلة أو عدوى دماغية) نسوا جزءً من تاريخ حياتهم بسبب مرضهم. ولجبر هذه الخسارة العميقة والمدمرة، صارت أدمغتهم تختلق قصصًا حياتية جديدة لملئ الفجوات الحادثة.
- غالبًا ما يفسر الأفراد والمجتمعات الأمراض العصبية عبر الحكايات والأساطير.
من الأمثلة على ذلك القصص الشعبية المنتشرة حول شلل النوم الذي يحدث غالبًا عند الخلود إلى النوم أو فور الاستيقاظ. يجد المصاب نفسه عاجزًا عن الحركة وتتراءى له غالبًا صورًا من أحلامه مع أنه مستيقظ تمامًا. أولئك الذين مروا بهذه الحالة وصفوا أصواتًا متخيَّلة سمعوها، وأحسوا بأنهم يرتفعون من أسرّتهم، ورأوا خيالًا شبحيًا على مد بصرهم، وأحسو بثقل كائن جاثم على صدورهم.
شلل النوم حالة شائعة -إذ يقدر أن واحدًا من كل عشرة أشخاص سيمر به في مرحلة ما- ولذلك لكل تقليد ثقافي تقريبًا حكاية أو أسطورة لتفسيره.
يُطلق على شلل النوم مئات التسميات، ففي اليابانية يطلق يُسمى kanashibari، أي تعويذة يلقيها شبح أو مشعوذ، وفي الخميرية يُسمى khmaoch sângkât، أي الشبح الذي يضغط عليك بقوة، وفي الألبانية يُسمى makthi، أي رجل غامض ذو قبعة ذهبية يمنح النساء المنهكات سكينةً تريحهن.

- الأطباء ليسوا محصنين ضد الرغبة في سرد القصص عن المرض.
يُغرس في أذهان طلاب الطب تصور ثنائي: الطبيب والمريض، العلم والإيمان، الحقيقة الموضوعية والمغالطات الخرافية، نحن وهم. تعد الجولات الصباحية في المستشفيات تدريبًا على سرد وتكرار قصص المرضى بطريقة توضح أمراضهم، لكنها مغلفة بحس الموضوعيةالذي يوفره المعطف الأبيض. لكن القصص المرويّة في هذه الجولات عرضة للحقائق الكاذبة تمامًا كتقارير المصاب بفقدان الذاكرة، فهي تشكَّل بلا وعي من خلال معتقداتنا السابقة ومجتمعاتنا وسردياتنا الخاصة.
عند تأليف هذا الكتاب أمضيت وقتًا في قراءة النصوص الطبية التي مرّ عليها عقود أو حتى قرون. وقد وجدت في هذه النصوص العديد من أوجه الشبه بين طرق تفسير الطب للأمراض المكتشفة حديثًا أو التي ما زالت غامضة، وبين الطرق التي تتبعها المجتمعات والمرضى لتحقيق الغاية ذاتها. كلنا نجابه الدمار الذي يسبّبه المرض بالأدوات المحدودة التي بحوزتنا، وعلى رأس هذه الأدوات: قدرتنا على سرد القصص.
- تتسلل الأعراض العصبية إلى الفن والأدب.
كان فيودور دوستويفسكي يعاني من الصرع، وكانت تأتيه النوبات مسبوقة دائمًا بالشعور بجو حالم من الابتهاج. كتب دوستويفسكي عن صرعه في رواياته، من "الإخوة كارامازوف" إلى "الأبله". غير أن العلاقة ليست من جانب واحد: فكما أن الأمراض العصبية قد تُثري فنوننا، فالفن أيضًا قد يغذي فهمنا لكل من المرض والدماغ.
كثير مما نعلمه عن تنظيم الدماغ يأتي من الفن، وتحديدًا من رسومات عالم الأعصاب الإسباني "سانتياغو رامون إي كاخال" في القرن التاسع عشر. كان رامون ابن جراح بالبلدة، ورغم أن والده أراده أن يصير طبيبًا فإنه عرّف نفسه كفنان في المقام الأول. كان والده يأخذه إلى المدافن لاستخراج الجثث من القبور التي انتهت عقود إيجارها لإجراء الدراسات التشريحية عليها. رسم رامون إي كاخال الهياكل العظمية، وكان مفتونًا بفكرة أن الإنسان أكثر من مجرد مجموع أجزائه. وفي النهاية صار رامون طبيبًا، لكنه ظل يرسم محوّلًا نظره إلى ما أسماه "فراشات الروح"، أي التركيبات الدقيقة للدماغ والحبل الشوكي. إن رسوماته للجهاز العصبي غريبة وخيالية، حيث تصوّر أدمغتنا عالمًا بأسره يعج بأجنحة الفراشات الريشية، والبساتين المتشابكة، والأشجار المتفرعة، والخيوط الفطرية، والشعب المرجانية المتداخلة كالمتاهات، والأعشاب البحرية الطافية، بالإضافة إلى الكوكبات والتضاريس الغريبة.
فيما لم ير العلماء الآخرون سوى الفوضى، رأى رامون إي كاخال النظام. لقد أدرك أن البساتين المتشابكة التي رآها تحت مجهره كانت شبكات من الخلايا العصبية الفردية، كل منها يومئ إلى التي تليها عبر الشق الدقيق للتشابك العصبي، وكان هذا الكشف -"مبدأ العصبون" الذي توصل إليه بفضل نظرته الفنية- هو الذي استحق به جاهزة نوبل.
- حتى أغرب الأعراض العصبية قد تكشف لنا عن شيء جوهري.
نحن نتخيل وجود فاصل بين الأدمغة السليمة والأدمغة العليلة، بينما الحقيقة أنه لا يمكن تصنيف وظائف أجسادنا بسهولة أو بدقة. توجد منطقة رمادية هائلة تمتد بين العافية والمرض.
قد تكشف الأعراض العصبية عن حقائق كونية حول التجربة البشرية، من اللغة إلى الإدراك والوعي. يدور كتاب "العقل الكهربائي" حول القصص التي نرويها عن أدمغتنا والقصص التي ترويها لنا أدمغتنا من أجل فهم هذه المنطقة الرمادية.
شارك الصفحة
المزيد من المراجعات

ما لا ينبغي للمقارِن جهله: مراجعة لكتاب الأدب المقارن
محمد ناصر الكُربْي

تحفيزٌ بلا قوانين: عرضٌ لكتاب نظرية سياسات التبصير والتوجيه السلوكي
عبدالله بن إبراهيم الحسين

