header

كيف يتخذ القادة العظام قرارات حاذقة

يارا عمار
يارا عماريارا عمار
06 أكتوبر 2025
٧ دقيقة قراءة

كان ديفيد ماركيت قائدًا سابقًا للغواصة النووية  USS Santa Fe، وهو مؤلف الكتاب الأعلى مبيعًا "أدر السفينة" الذي يروي قصة تحويل تلك الغواصة من أدنى الغواصات أداءً إلى أعلاها أداءً في الأسطول. وقد عمل مستشارًا قياديًا مع شركات عالمية منذ تقاعده من البحرية.

مايك جيليسبي أستاذ مشارك في علم النفس في جامعة جنوب فلوريدا، يختص بدراسة أساليب تحسين فعالية المنظمات. كما يدرّس علم النفس التنظيمي ويدير مختبر  Human Applied Cognition and Decision-Making.

ما الفكرة الرئيسية؟

يتمتع القادة العظماء بقوة خارقة تمكّنهم من التخلي عن التحيزات، ورؤية الواقع بوضوح، واتخاذ قرارات أحسن: البُعد عن الموقف، وذلك على ثلاثة أبعاد: الهوية (ماذا لو كنت شخصًا آخر؟) والمكان (ماذا لو كنت في موقع مغاير؟) والزمان (ماذا لو كنت في المستقبل؟)؛ وبالتالي يصلون إلى جوهر ما يهم حقًا.

يقدم أدناه المؤلفان المشاركان ديفيد ماركيت ومايك جيليسبي خمسة أفكار رئيسية من كتابهما الجديد (التباعد: كيف يعيد القادة العظام صياغة المواقف لاتخاذ قرارات أفضل).

  1. نحن نعيش في واقع منسَّق

وقع غوردون مور وأندرو غروف في معضلة حرجة حينما كانا يديران شركة إنتل في بداية الثمانينات. كانت إنتل، التي تأسست قبل خمس عشرة سنة، تفقد مكانتها في عملها الأصلي -تصنيع شرائح الذاكرة- لكنها طورت منتجًا جديدًا: المعالج الدقيق 4004. ظل القائدان ما يزيد على سنة عاجزين عن اتخاذ قرار تحويل تركيز الشركة إلى المعالجات الدقيقة، لأن فكرة التخلي عن شرائح الذاكرة كانت شاقة للغاية.

جاءت نقطة التحول عندما طرح غروف على مور سؤالًا محوريًا: "إن طُردنا وجلب مجلس الإدارة رئيسًا تنفيذيًا جديدًا، فماذا سيفعل برأيك؟" فأجاب مور على الفور "سيتخلى عن صناعة شرائح الذاكرة". وهكذا فعلوا. من دون معلومات جديدة أو مستجدات للسوق أو إعادة معالجة البيانات، بل كل ما كان مطلوبًا هو إعادة صياغة وجهة النظر، مما وضع عن كاهلهم ثقل جميع القرارات الماضية وأنهى عامًا من الجمود.

كان هذا الوضوح المفاجئ نتيجة تخلص مور وغروف من حالة الانغماس الذاتي، حيث كانت هويتهم مرتبطة بشدة بشرائح الذاكرة. كان مفتاح الرؤية بوضوح هو النظر إلى الموقف بعدسة شخص آخر غير مثقَل بأعباء القرارات المتراكمة، ورغم أن كل ذلك كان مجرد خيال فقد أتى ثماره.

إن أدمغتنا تختار وتنسق ما ندركه دون وعي منا، وتشجعنا على حماية صورتنا الذاتية وإحساسنا بالهوية وكبريائنا الثمين. هذه التحيزات التي تخدم الذات تشوّه الواقع وتعرقل النمو وتؤدي إلى اتخاذ قرارات أسوأ؛ واعتماد منظور مختلف طريقة يسيرة لنبذ هذه التحيزات.

بصفتي قائد غواصة نووية، كان أحد الضباط يأتيني من حين لآخر بخطة مثالية لقسمه لكنها لا تصلح للغواصة ككل، فأطرح عليه سؤالًا بصيغ مختلفة جوهره: ماذا ستفعل لو كنتَ مكاني؟ وأتركه وحده برهة (عادة لإحضار فنجان من القهوة)، وعندما أعود أجده وضع خطة جديدة أفضل تخدم مصلحة الغواصة ككل. مرة أخرى، من دون معلومات جديدة ومن دون تحليلات إضافية، بل مجرد إعادة صياغة للموقف من منظور شخص آخر.

  1. البُعد عن الموقف يمنحنا رؤية أفضل

كلما ابتعدنا عن شيء ما تلاشت التفاصيل ولا يبقى سوى الجوهر. إن كان ذلك الشيء قرارًا: فإن البعد يوجه تركيز عقولنا إلى ما هو مهم في الصورة الكبرى بحيث لا يتشتت بالتفاصيل التي لا تبدو مهمة سوى هنا والآن.

لنضرب مثالًا بشجرة: إن وقفت بجانبها مباشرة سترى تموجات لحائها وخنفساء تزحف على جذعها. ولن ترى أوراقها ورقة ورقة فحسب، بل سترى العروق المتشعبة على كل ورقة أيضًا. ثم إن رجعت إلى الخلف سيتشوّش اللحاء وتختفي الأوراق الفردية، والآن أنت ترى شجرة. قد تقول إنها شجرة بلّوط وتميّز شكل فروعها الكبرى. لكن إن ابتعدت أكثر ستراها مجرد نقطة خضراء في الأفق، مجرد شجرة، وهكذا وصلت إلى جوهر الشيء.

والآن استبدل بالشجرة قرارًا: فيمَ أتخصص؟ هل أحضر هذا المؤتمر؟ هل أبحث عن وظيفة جديدة؟ متى ينبغي أن أتقاعد؟ والنتيجة واحدة: كلما ابتعدت عن القرار، اتضحت لعقلك رؤية ما هو مهم.

يجدي البُعد نفعًا سواء غيرت منظورك ماديًا (كما في مثال الشجرة) أو إن تبنيت منظورًا مختلفًا، كأن تتخيل نفسك شخصًا آخر. وكذلك لو تخيلت نفسك في مكان آخر أو في زمن آخر. نستكشف هذه الأبعاد الثلاثة في الكتاب: أن تتخيل نفسك شخصًا آخر، في مكان آخر، في زمن آخر. هذا ما يطلق عليه التباعد النفسي الذي يدفعنا نفكر في الأمور والأفكار والقرارات بطريقة مختلفة.

يغيّر البُعد طريقة تفسيرنا الذهني للأمور، والأساس العلمي لهذه الفكرة هو نظرية مستوى التأويل. فكلما كانت الأمور أبعد، تحوّل تفكيرنا من مستوى التأويل المنخفض، أي التفاصيل، إلى مستوى التأويل المرتفع، أي الجوهر أو الغاية. ترتبط مستويات التأويل المرتفعة ارتباطًا وثيقًا بالأشكال التباعد النفسي المختلفة، ومن هنا فقولنا "منذ زمن بعيد في مجرة بعيد للغاية" يبدو منطقيًا، في حين أن عبارة "منذ زمن بعيد في مجرة قريبة" تبدو شاذة وغريبة.

بعبارة أخرى، إننا في مستويات التأويل المنخفضة نركز على الكيفية، وكلما انتقلنا إلى مستويات أعلى زاد تركيزنا على ماهية الشيء والغاية منه. كما انتقل مور وغروف من كيفية صنع شرائح الذاكرة إلى التفكير فيما ينبغي أن يركزوا عليه ولماذا.

  1. تخيل نفسك شخصًا آخر

من الطرق الممتازة للتحرر من أسر أفكارنا أن نتقمص شخصية أخرى. بالعودة إلى قصة إنتل سنرى أن مور وجروف قد طبقا هذا البُعد من التباعد النفسي بطرحهما سؤال "ما الذي سيفعله بديلنا؟" هذا الأسلوب فعال بوجه خاص إن كنت تعتقد أن تعلقك بالوضع الحالي يمنعك من رؤية الواقع والبدائل بحيادية.

رأينا أناسًا يتخيلون أنفسهم مكان آخرين: بديل في العمل، مدير، حفيد، مدرب، صديق عزيز، إلخ. لا يهم كثيرًا مَن تختاره ما دام مغايرًا لك، فأي مباعدة تقريبًا ستكون مجدية. لذا عندما تكون بصدد اتخاذ قرار تخيل نفسك شخصًا آخر وفكر: ما الذي سيختاره ذلك الشخص؟

  1. تخيل نفسك في مكان آخر

من المفيد أيضًا حتى تكتسب منظورًا جديدًا أن تنتقل ذهنيًا إلى موقع آخر.

ويليام أوري زميل بارز في مشروع هارفارد للتفاوض ومؤلف مشارك للكتاب الأكثر مبيعًا "الوصول إلى نعم". في هذا الكتاب يناقش أوري المشكلات الناتجة عن الانغماس المفرط في المفاوضات، فبمجرد أن نتخذ موقفًا نظل نحاجج من أجله وندافع عنه، وذلك لأننا نندمج معه وندرجه في الصورة التي رسمناها لأنفسنا. وبالتالي فالمساومة على موقفنا تعني التخلي عن جزء منّا، فتترجمه أدمغتنا على أنه خسارة شخصية.

وبذلك يضاف إلى الهدف الأصلي للتفاوض هدف جديد، بل قد يحل محله، وهو حفظ ماء الوجه. هذا يسلب تركيزنا ويحوله من إتمام المهمة إلى صون صورتنا.

لكن أوري يستخدم حيلة لإبقاء تركيزه على المهمة التي بين يديه: الخروج إلى الشرفة.فعندما يحتد الموقف يتراجع ويأخذ مهلة ذهنيًا، فيتخيل نفسه في شرفة يطل منها على المفاوضات، بدلًا من أن يكون جالسًا على كرسيّه على طاولة. هذه الحيلة تفعّل آليات التباعد التي تؤدي إلى مستويات التأويل المرتفعة، وتعيد التركيز إلى جوهر المهمة.

إذًا حتى تنشئ مسافة ذهنية انظر إلى الموقف من الشرفة، سواء كنت تستعد لحدث ضاغط أو في أثناء الحدث، وبذلك ستظل مركزًا على المهمة.

  1. تخيل نفسك في زمن آخر

يعد السفر عبر الزمن ذهنيًا طريقة أخرى لاكتساب منظور جديد. عندما تولى مور وغروف أدوار بدائلهم اكتسبا منظورًا مستقبليًا، حيث صارا شخصًا آخر في مكان آخر. إن تخيل نسخة مستقبلية من نفسك أسلوب فعال لاتخاذ قرارات أفضل.

اتخذ جيف بيزوس قرارًا صعب عندما ترك عمله حتى يؤسس أمازون. كان بيزوس يعمل بوظيفة ممتازة في وول ستريت، فذهب إلى مديره بفكرة بيع الكتب عبر الإنترنت. كان ذلك عام 1994، فأخبره المدير أن تلك فكرة رائعة لمن ليس لديه وظيفة، ونصحه بالتأني في التفكير فيها. تخيل بيزوس الأمر كالتالي: ما أكثر ما سأندم عليه عندما أبلغ الثمانين؟ المحاولة والإخفاق أم عدم المحاولة من الأساس؟ لقد تخيل نفسه بعيدًا عن القرار وتجاوز التفكير في مكافأة هذا العام وإيجار الشهر القادم.

عندما تتجاوز القرار وتنظر إليه من المستقبل يعيد دماغك صياغته ويراه من زاوية الندم لا التغيير، مما يدفعنا إلى العمل عوضًا عن الجمود في الوضع الراهنة. غالبا ما تؤدي إعادة الصياغة هذه إلى اتخاذ قرارات أفضل وعيش حياة أكثر رضًا في ظل التغيير الذي يحدث بسرعة غير مسبوقة في عالمنا الحديث.

إذًا سارع إلى تجاوز القرار، تخيل أنك اتخذته بالفعل وأن الأحداث قد جرت، ثم انظر كيف كانت النتيجة؟ ما شعورك تجاه السيناريوهات المختلفة؟ والآن ماذا ستختار؟

المصدر

شارك الصفحة

المزيد من المراجعات