header

تأملٌ في الكلام: مراجعة لكتاب أكثر من مجرد كلمات

يارا عمار
يارا عماريارا عمار
28 نوفمبر 2025
٧ دقيقة قراءة

ماري إيلين ماكدونالد باحثة في علم النفس اللغوي، وهو مجال يُعنى بدراسة كيفية تعلم الدماغ للغة وآلية استخدامها، كما أنها أستاذة فخرية شغلت الكرسي الأكاديمي (دونالد بي هايز) في قسم علم النفس وعلوم اللغة في جامعة ويسكونسن ماديسون.

الفكرة الرئيسية

عندما نتحدث نركز غالبًا على المستمع: هل فهم فكرتي؟ هل يتقبّلني؟ إلخ. لكن ما لا يدركه كثير من الناس أن فعل التحدث نفسه له آثار عميقة على المتحدث. هذه الآثار خفية غالبًا، لكنها إيجابية في مجملها. "أكثر من مجرد كلمات" كتاب يسلط الضوء على تلك الفوائد.

تشاركنا ماري إيلين فيما يلي خمس أفكار رئيسية من كتابها الجديد (أكثر من مجرد كلمات: كيف يشحذ التحدث العقل ويشكّل عالمنا).

  1. التحدث يصقل الذهن

إن عملية تحويل الأفكار الداخلية إلى كلام ترفع مستوى التركيز الذهني وتصقل الحواس الإدراكية وتعين على إنجاز الأهداف. وهذه المنافع تحصّلها مهما كان نوع حديثك، سواء كان حديثًا مباشرًا مع شخص آخر، أو إشارات بلغة الصمّ، أو كتابة مذكرة لفريقك، أو حتى حديثك النفسي. ومن الآن فصاعدًا سأطلق على كل هذه الطرق لإنتاج اللغة مسمى "التحدث".

تعد فوائد التحدث نتيجةً طبيعية لآلية التحدث نفسها. لنفترض أنك تريد أن تقول "أود إضافة البطاطا المقلية إلى الوجبة"، وراء الكواليس في دماغك يُبذل جهد ذهني كبير حتى تتمكن من التفوّه بهذه الجملة اليسيرة. تخزن ذاكرتنا ما يزيد على 50000 كلمة، ولتحويل فكرتنا الداخلية إلى جملة لطلب البطاطا المقلية، علينا أن نجد الكلمات الست المطلوبة بالضبط: أود، إضافة، البطاطا، المقلية، إلى، الوجبة. واسترجاع الكلمات المناسبة من بين خمسين ألف كلمة مستقرة في الذاكرة يتطلب تركيزًا ذهنيًا حقيقيًا على الأفكار المراد التعبير عنها. هذا التركيز الذي نبذله لاستخراج الكلام يمتد أثره إلى جوانب أخرى من حياتنا.

جرب التحدث عندما تريد أن تركز، فمثلًا إن كنت تبحث عن مفاتيحك في مكتبك الفوضوي جرّب ترديد "المفاتيح، المفاتيح" في أثناء بحثك. وإن أردت أن تعكف على مهمة، بيّن هدفك وأهميتها. أظهرت الأبحاث ان هذا النوع من الحديث الذاتي -سواء جهريًا أو في ذهنك- له فوائد ملموسة على التركيز الذهني والمتابعة. ربما سبق أن سمعت أنّ الرياضيين يتدربون على مثل هذا الحديث الذاتي لتحسين تركيزهم وعزيمتهم وأدائهم في رياضتهم. ولا يلزم أن تكون رياضيًا حتى تستفيد من التحدث في شحذ ذهنك.

 

  1. التحدث يضبط المشاعر

عندما نكون في حالة عاطفية شديدة فإنا لا ندرك كُنه ما نشعر به. قد نقول "إننا مستاؤون" لكن هذه الكلمة قد تعني أشياء كثيرة، مثل الخوف أو الغضب أو القلق، إلخ. إن التحدث عما نشعر به -وبذل مجهود لتسميته- يزيد مشاعرنا وضوحًا، والتمعّن في مشاعرنا لإيجاد الكلمات التي تصفها يرتّب ما الفوضى التي كانت تعتريها.

كما أن تسمية المشاعر السلبية تساعدنا في التعامل معها، فقد أظهرت دراسات تصوير الدماغ أن فعل تسمية الشاعر المزعجة يهدّئ النشاط العصبي في الجهاز الحوفي، وهو الشبكة المسؤولة عن التحكم في الاستجابات العاطفية. ولمّا ينخفض نشاط الجهاز الحوفي نصير أهدأ ونتمكن من التفكير مليًا في ظل المواقف العصيبة دون الانزلاق إلى استجابات الكر والفر القهرية. ستلمس فائدة تسمية المشاعر عند التواصل مع الآخرين، لكن وجود طرف ثان ليس ضروريًا، وستظل تنتفع من تسمية شعورك، حتى لو كنت تتحدث مع نفسك.

  1. أهمية التحدث للصغار

التحدث ليس مفيدًا للكبار فحسب، لكنه يصقل عقول الأطفال أيضًا. إن حديث الأطفال بذاتهم والمحادثات المتبادلة بينهم وبين الكبار لا يقل أهمية عن عدد الكلمات التي يسمعونها، فتلك المحادثات تمثل تمرينًا ذهنيًا مفيدًا يتلقاه الأطفال. أظهرت الدراسات أن تحدث الأطفال الصغار يزيد من تركيزهم الذهني ويحسّن تعلمهم ويثري مفرداتهم ويجهزهم للالتحاق بالمدرسة.

ولهذه الفوائد التي يجنيها الأطفال من التحدث آثار كبرى على الخيارات التربوية. بما أن معظم الآباء يجهلون فوائد حديث الطفل بذاته، فهم لا يقلقون من مشاهدته الوسائط على التلفاز أو الهواتف أو الأجهزة اللوحية، طالما كانت هذه الوسائط مناسبة للأطفال فقد يُنظر إليها على أنها مدخل لغوي ينهل منه الطفل. غير أن هذا النوع من القرارات التربوية يتغير تمامًا عند إدراك حاجة الأطفال إلى التحدث والمحاورة، لأنهم عندما يلتصقون بالشاشات ينعدم حديثهم، وكذلك لا يحاورهم الآباء.

لقد وجد الباحثون أن المعدلات المرتفعة لاستهلاك الأطفال للوسائط في سن مبكرة يرتبط بالانخفاض في نمو الدماغ وقصور المفردات وضعف الأداء المدرسي. وهذا يفسر توصية الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بألا يتعرض الرضّع للوسائط أبدًا، وألا يزيد تعرض الأطفال بين عمر الثانية والخامسة عن ساعة في اليوم. يحتاج الأطفال إلى التحدث والمحاورة، وهذا لا يحدث عندما توضع الشاشة أمامهم.

أما بالنسبة للآباء فربما عليهم أن يعيدوا النظر في استخدام الهاتف عندما يكون الأطفال بالجوار. لا بأس بأن تنال قسطًا من الراحة أحيانًا، لكن إن كنت منغمسًا في تصفح الهاتف بينما يريد أبناؤك التحدث معك، فإنهم يحرمون من فرصة المحادثة، وهذا ربما ينقل لهم رسالة مفادها أن الشاشات أهم من التفاعلات البشرية.

 

  1. الكتابة تصقل الفكرة

تقول الكاتبة جوان ديديون "لا أكتب إلا لأكتشف ما أفكر فيه". بوسعك وإن لم تكن كاتبًا أن تستخدم الكتابة لاكتساب الوضوح في حياتك، فالكتابة شكل من أشكال إنتاج اللغة، أو "التحدث"، وجميع أشكال التحدث تحمل المنافع ذاتها. لكن إن كنت تسعى إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الوضوح حول موقف مربك أو مقلق، فللكتابة أفضلية على التحدث جهريًا أو سريًا.

غالبًا ما تكون الكتابة الدافع الأقوى للبصيرة لكونها عملية بطيئة، ما يعني استغراق وقت أطول في التأمل. من الضروري أن تقضي وقتًا في التأمل حتى تحظى بالمزايا الإضافية للكتابة، أما مجرد نقش شيء سريع فلن يوصلك إلى التنوير على الأرجح. لقد ثبت مرارًا أن الكتابة المتعمقة والتأملية ممارسة نافعة لكسب الوضوح. كما تصلح الكتابة لتصير عادة يومية، كالمداومة على تدوين المذكرات لمدة 10 أو 15 دقيقة يوميًا.

أحيانًا يكلف المعالجون النفسيون عملاءهم بكتابة اليوميات، مع أن المعالج في العادة لن يطلع عليها، فما المغزى؟ الفكرة هي أن الكتابة المنتظمة تنفع كاتبها سواء رآها أحد أم لا، فأنواع التحدث التي لا ترتبط بالتواصل مع الآخرين تساعد المرء في فهم ما يفكر فيه ويشعر به. وقد وجدت الدراسات أن الانتظام في تمرينات الكتابة المتعمقة لها فوائد على الصحة النفسية والجسدية على حد سواء، وكذلك تحقيق الأهداف، مع استمرار هذه التأثيرات شهورًا أو حتى سنين.

إن كنت تميل إلى تجربة الكتابة فشبكة الإنترنت تزخر بالمصادر. ستجد أوصافًا لمختلف أنواع تمرينات الكتابة، ككتابة اليوميات مع محفزات لتبدأ بها، أو تمرينات مكثفة على مدار ثلاثة أيام تكتب فيها لمدة 20 دقيقة حول مسألة صعبة تؤرقك. تتطلب الكتابة والتأمل جهدًا ذهنيًا، لكن احرص على تسهيل الجوانب الأخرى قدر الإمكان حتى تناسب حياتك. اضبط تذكيرًا للكتابة، اجعل الدفتر في متناول يدك، اكتب على هاتفك، أي شيء يدفعك للبدء والمواصلة.

 

  1. المجتمع بحاجة إلى تفعيل ثقافة التحدث

للتحدث فوائد لا تعد ولا تحصى، لكن المجتمع يحول دون جني كثير منها. من المعروف أن التحدث يعزز التعلم سواء داخل المدرسة أم خارجها، لكن نظامنا التعليمي يركز على التعلم من خلال تجنب التحدث.

إن طريقة التعلم المتبعة من المرحلة الابتدائية حتى الجامعية تقتضي من الطلاب الجلوس في سكون وهدوء، والاستماع إلى المعلم أو قراءة كتاب دراسي. أظهر كثير من الدراسات أن الطلاب لا يحتفظون إلا بقدر ضئيل من المعلومات مع هذا النمط من التعلم الاستقبالي الخامل، وأنهم يتعلمون على نحو أفضل بكثير عندما يناقشون المادة ويتفاعلون معها.

بالطبع لا يمكن أن يتحدث ثلاثون طلابًا في الصف الرابع كلهم في وقت واحد داخل الفصل، لكن توجد استراتيجيات لزيادة معدلات التحدث في المدرسة، بالاعتماد على مستوى الصف، من ذلك مثلًا تمارين التعلم النشط، حيث يتعاون الطلاب في ثنائيات، أو مجموعات للتناقش، أو حل المشكلات، أو شرح المواد الجديدة. وبما أن الكتابة شكل من أشكال التحدث، فالواجبات الكتابية تعد مسارًا آخر رائعًا للتعلم. لكن يجدر الحذر من أن الطلاب لن يجنوا أي فائدة تعليمية إن اعتمدوا على برنامج ذكاء اصطناعي لكتابة المادة نيابة عنهم. رغم وفرة الأدلة على أن التحدث مسرّع للتعلم، فلم يتضح بعد إن كانت ستطرأ تغيرات على ثقافتنا التعليمية الحالية التي تحظر التحدث.

كذلك أظهرت دراسات أجريت على كبار السن أن التحدث يصقل أدمغتهم، فالمحادثات والتفاعلات الاجتماعية تعد قوة مؤثرة في الحفاظ على الصحة النفسية ودرء الخرف. لكن للأسف معدلات تحدث كبار السن وشبكاتهم الاجتماعية تنهار عند التقاعد، مما يفضي إلى زيادة العزلة والتدهور المعرفي. يقع على عاتق الأفراد والأسر والقطاع الصحي والمجتمع الأوسع تكاليف عاطفية واقتصادية جسيمة جراء زيادة أعداد المصابين بالخرف، ومع ذلك لا يُبذل سوى جهد ضئيل للاستفادة من قوة التفاعلات الاجتماعية والتحدث لدعم الصحة المعرفية لكبار السن.

المصدر

 

 

شارك الصفحة

المزيد من المراجعات