تقدم راشيل بار خمس أفكار رئيسية من كتابها الجديد "ميثاق الصداقة مع دماغك: دليل من عالمة أعصاب لحياة أصحّ وأهنأ".
راشيل عالمة أعصاب حاصلة على الدكتوراه في الفيزيولوجيا الكهربائية للذاكرة والنوم. أما خارج المختبر فتقدم فيديوهات تحت عنوان راشيل عالمة الأعصاب Rachel the Neuroscientist لما يزيد على مليون متابع، حيث تبسّط المبادئ الأساسية لعلوم الدماغ، مما يمكّن الجمهور من اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن صحتهم النفسية.
ما الفكرة الرئيسية؟
إن فهم الدماغ وتوثيق عرى الصداقة معه هو السبيل للتعامل الأمثل معه والارتقاء بحياتك، فلا يسعك أن تُثقله بالحديث النفسي السلبي، ومقاطع الفيديو التي تفيض غضبًا، ومهام تفوق قدرته التي خُلق عليها؛ ثم تتوقع منه أداءً سليمًا أو مبهجًا. لا يغدو اليُسر والبهجة أساسًا في يومك إلا حينما يصبح دماغك صديقك الأول.
- لا تعامل عقلك كعدو مقاتل
يسود نوع من الفخر الثقافي في الكدح ومغالبة الصعاب، فقد رُسخ في أذهاننا أن المتعة ترف والعناء شرف، وإن لم يكن ما نفعله شاقًا يُشكَّك في جدية مساعينا.
لكن الحياة نفسها صعبة؛ عاطفيًا وجسديًا وحتى على مستوى التمثيل الغذائي. يتضمن أكثر أيامنا قدرًا لا بأس به من المشقة التي لا اختيار لنا فيها، كاجتياز يوم العمل بجهد مضن، أو رعاية طفل صغير، أو مكابدة الأسى، فلا داعي لأن تحمّلها أكثر من ذلك.
على عكس ما تروّجه أدبيات المساعدة الذاتية، ليست قوة الإرادة هي الدافع الذي يحفز سلوك البشر. فالأدمغة تدير طاقتها، وعندما تبدي مقاومة لأمر ما فلا بد من وجود سبب، أو على الأقل إشارة تستحق الاهتمام.
لنضرب مثالًا بالرغبات الملحة. أظهرت الأبحاث أنه عند استنفاد المخزون العاطفي يسعى الدماغ للحصول على جرعة سريعة من الدوبامين، من البيتزا مثلًا أو تصفح إنستغرام، لأنه متعب ويحاول أن يتحسن. وعندما نحاول بالقوة الغاشمة أن نقاوم رغباتنا بالاعتماد على العزيمة، فالأمر لا يجدي غالبًا ثم نشعر بالخزي من أنفسنا جراء ذلك. الأسلوب الألطف من ذلك هو إعادة تصميم الظروف بحيث يكون الخيار الأفضل هو نفسه الأسهل.
لبِّ حاجتك الكامنة. لا بأس من تناول الوجبة المقلية التي تشتهي لها، لكن مع ذلك زوّد دماغك بمصدر الطاقة الذي يلحّ في طلبه: شعور العافية. اخرج، لاعب حيوانًا أليفًا، راسل شخصًا لا ترتاع لرؤية اسمه وتحدثا في موضوعات تافهة. هذه الجرعات اليومية الصغيرة من البهجة أجدى من التعويل على قوة الإرادة.
- المهام الفردية من الإحسان إلى النفس
نحن نتعامل مع الانتباه وكأنه بلا حدود. نجلس على مكاتبنا وأكتافنا مشدودة إلى آذاننا، شبه منصتين إلى اجتماع زوم ونحن نستخدم سلاك أو نتواصل عبر البريد أو نتصفح وسائل التواصل الاجتماعي. ثم ينهار الدماغ أمام هذه الفوضى.
الحقيقة هي أن الانتباه محدود، وتعدد المهام الإعلامية يستنزف الذاكرة العاملة وشبكات التحكم، وقد يفضي التبديل بين المهام -وإن كان وجيزًا- إلى الإجهاد والتعب. والأسوأ من ذلك، تشير الدراسات إلى أننا أكثر عرضة لتصديق المعلومات المضللة عندما نتعرض لها أثناء الانشغال بأكثر من مهمة، وما إن تسللت المعلومات المضللة إلى الدماغ، صعُب عليه التخلص منها. يقلل تقسيم الانتباه قدرتنا على التمييز، ويستهلك طاقتنا المعرفية اللازمة حتى لمحاولة التمييز.
إن كنت ستتصفح تيك توك فاقتصر على تيك توك وأعطه كامل انتباهك. هذا لن يضفي ميزة أخلاقية على الخوارزمية، لكنه سيشحذ ذهنك عندما تشتد حاجتك له.
- الجرعات الصغيرة من البهجة
ليست الأخطار المفاجئة هي ما تنهكنا في العالم الحديث، بل الطنين المستمر للإجهاد الخفيف. وعندما يتجاوز الإجهاد حدًا معينًا يفقد الدماغ قدرته على السيطرة على جهاز الاستجابة للإجهاد -يسمى المحور الوطائي النخامي الكظريHPA- وحينها يستجيب الجسم له كما لو كان جرحًا. هذه الحالة المحفزة للالتهاب قد تدمر الصحة النفسية والجسدية، ولهذا علينا أن نضغط على مكابح الإجهاد بأنفسنا مرات عديدة في اليوم من خلال الجرعات الصغيرة من البهجة.
فتش عن المتع الصغيرة والمسرّات الخاطفة التي لا تكاد تلمحها؛ ملاعبة حيوان أليف، زقزقة العصافير في طريقك، الاستلقاء على ملاءة نظيفة، رؤية متحابين مسنّين يتبادلان الضحكات كالصغار. هذه اللحظات القصيرة التي تفيض ببهجة حقيقية تمنح جهازك العصبي تنهيدة راحة مؤقتة، فتقوم مقام إرشادات الأمان التي تبطئ الاستجابة للخطر. ليس ينبغي أن تنتظر إلى نهاية الأسبوع أو الإجازة المطولة حتى تنال جرعة كبيرة من الاسترخاء، حينها سيكون جسدك وعقلك قد عانوا تحت سياط الضغوط على مدى أيام أو أسابيع.
ولهذا السبب تحديدًا عليك أن توجد فرصًا لإسعاد نفسك مرات عديدة في اليوم. ابتعد عن مصدر التشتت وتوجه إلى مساحة تجد فيها بهجة. اخرج خمس دقائق إن كنت في العمل، خذ استراحة الغداء في مقهى للقطط إن أمكن. الفكرة ليست في السعادة الدائمة، بل أن تكسر استمرارية الضغوط والإجهاد حتى يتذكر نظامك أنه قادر على تغيير حالته شيئًا فشيئًا وبصورة متكررة.

- النوم يبني الدماغ
النوم ليس مجرد راحة، ففي أثنائه يدمج الدماغ المعلومات، حيث يستعرض اليوم كمحرر أفلام مشوش قليلًا، فيقص ويجمع ما يحتفظ به وما يتخلص منه: المشاعر المؤثرة، التفاصيل التي بدت مهمة، التعليق الغريب لمديرك على قصة شعرك، المزحة التي ذكرتها على منصة سلاك ولم تلقَ استحسانًا. والأهم من ذلك كله، ما تفكر فيه قبل النوم مباشرة هو ما يترسخ. فإن كررت على نفسك شريطًا من النقد الذاتي فسيسجله وسيثبته دماغك على الأرجح.
بالطبع ليس سهلًا ألا تفكر في تعليق مديرك الغريب، تمامًا كما لا يمكنك أن تمنع نفسك من التفكير في فيل وردي اللون. لكن يمكنك أن تزاحمه بمُدخلات لطيفة؛ شيء تفخر به، شيء أحببته في نفسك اليوم. تصور الأمر بمثابة ضبط للمزاج الكيميائي العصبي لفريق المناوبة الليلية.
- لن تشعر بالانتماء ما دمت تضمر الكراهية للجميع
تعد الوحدة خطرًا على الصحة يضاهي خطر السمنة والتدخين، لكنها لا تعالَج دائمًا بمجرد مقابلة صديق، بل أحيانًا تكون إشارة إلى أننا فقدنا شعورنا بالانتماء إلى البشرية.
الانتماء ليس منوطًا بالقُرب، بل بالهوية. أي أن تنظر إلى بني جنسك وتشعر بأنك واحد منهم. وهذا ما يصعّبه العالم الرقمي كثيرًا، فعندما يكون محتوى تيك توك الذي تشاهده معَدّ بالكامل لإظهار أسوأ ما فينا، فكيف تشعر بأنك من بني البشر؟
هل تستشيط غضبًا من بعض الفيديوهات واسعة الانتشار؟ كثير منها مفبرك ومصمم خصيصًا لاستثارة مشاعر الغضب فيك. ودماغك المسكين يسجل كل ذلك على أنه "سلوك بشري معتاد" بسبب تحيز في المعالجة يدعى "انحياز التوافر". قد تشعر برضا غريب وأنت تثور على الغرباء عبر الإنترنت، لكن ما تفعله حقًا هو أنك تدرب نفسك على كراهية البشرية. إن رؤية الجميع أنانيين وبغيضين ومحتقرين هو الإعداد الافتراضي للشعور بالوحدة.
نعم، نم صداقاتك وابن علاقات وحاول أن تكون إنسانًا محبوبًا، لكن لا تهمل تنمية قدرتك على حب الآخرين. انتق مدخلاتك، اختر الوسائط التي تُشعرك بالقرب من البشر، لا الاشمئزاز منهم. رؤية دماغك للعالم مرهونة بما تغذيه به.
شارك الصفحة
المزيد من المراجعات

ما لا ينبغي للمقارِن جهله: مراجعة لكتاب الأدب المقارن
محمد ناصر الكُربْي

تحفيزٌ بلا قوانين: عرضٌ لكتاب نظرية سياسات التبصير والتوجيه السلوكي
عبدالله بن إبراهيم الحسين

