header

في رحاب الكتب نجاة

يارا عمار
يارا عماريارا عمار
22 يناير 2026
٥ دقيقة قراءة

 

يتأمل شانون بيرنز في كتابه "الطفولة" في سبب انتقاله إلى الطبقة المتوسطة المتعلمة بعد سنواته المبكرة المضطربة -وقد كان "ابن الطبقة المعدمة المعتمدة على الإعانات"- خاصة وأن كثيرًا من أهله لم يستطيعوا ذلك. أعلم يقينًا أن هذا السؤال يؤرق كثيرًا ممن نشأوا في ظروف مشابهة لتلك التي نشأ فيها بيرنز، وقد طرحته أنا كذلك وحاولت الإجابة عليه. هذه النزعة التحليلية بالتحديد هي الدافع الأول لكتابة هذه الأنواع من الكتب التي تسمى تسمية غير دقيقة "مذكرات الصدمة".

يعطينا بيرنز إجابة مشروطة:

«أعزو ارتقائي الاجتماعي المبهر إلى الحظ في المقام الأول، غير أن حظي كان له أبعاد كثيرة. فمن بين المكاسب الكبرى التي نلتها دون تعب: العيب الاجتماعي الجلي -تسميه عائلتي خجلًا أو جبنًا أو حماقة- الذي أبعدني عن بيئتي المباشرة. كنت طفلًا منطويًا، على غير المعهود، فلجأت إلى الانغماس في عوالم خيالية أو اجترار الذكريات والتأملات».

يمضي بيرنز في سرد تلك الذكريات -من سن الخامسة إلى التاسعة عشرة- وهي سنوات فُصل فيها مرارًا عن أمه، تخللتها أوقات قضاها في دور الرعاية وأخرى في كنف أجداده لأمه، وصولًا إلى السنوات الأليمة التي قضاها مع والده وزوجة أبيه حيث بدأ في شق طريقه نحو الاستقلال. عانى بيرنز أغلب تلك المدة من الجوع والضرب وصنوف أخرى من الإساءات، وشهد صدمات يومية ما بين اعتداءات عنصرية وضرب مبرح واعتداءات جنسية.

يستخدم المؤلف ضمير الغائب في الجزء الثاني من الكتاب، ويطرح السؤال مجددًا، لكن هذه المرة وهو يتأمل في سبب اندفاع أقرانه في المدرسة نحو المشاجرات بسهولة بينما هو ينأى عنها، يقول "ما سبب اختلافه؟" وهنا يقدم -إجابة جزئية أخرى تفترض أن آلية عمل ذهنه تختلف عن الآخرين: فهو قادر على حساب المخاطر وتوظيف المنطق السليم.

كان لي أيضًا وقفات طويلة مع هذا السؤال "ما سبب اختلافي؟" وتشابهت إجابتي في بعض الأحيان مع بيرنز. بين كتابينا صلة تجمعهما من عدة وجوه: كلاهما تأهل لنيل جائزة فيكتوريا الأدبية لعام 2022 في الأعمال غير الروائية، وكلاهما يعكس بعمق دور الأدب في نجاتنا، أو في مساعدتنا في الانفصال عن ظروفنا الأليمة. ورغم اختلاف خلفياتنا وتجاربنا الحياتية اختلافًا كبيرًا، فإني مثل بيرنز تُركت أواجه أقداري وحدي في طفولتي، ولُذت بالعزلة والانكباب على الكتب الضخمة -مدفوعة بنهم غريب- والكتابة الدؤوبة سعيًا لأكون شخصًا ذا شأن. عندما قرأت الكتاب قلت مازحةً لأحد أصدقائي إن كتبنا متشابهة للغاية لدرجة أننا نذكر بالتفصيل كيف كان الأدب بمثابة أبًا أو أمًا لنا.  

تركز المواد الدعائية والتسويقية للكتاب على جانب واحد من هذه السردية: أن القراءة والكتابة فيهما الخلاص والسلوى والأمل والمخرج. أعتقد أن مثل هذا التأطير -القراءة تنجينا!- هو ما يجذب القراء الشغوفين لشراء الكتب، أولئك الذين يضخمون من شأن القراءة وينسبون لها قيمة أخلاقية تفوق جوهرها الحقيقي. لكن هذا الطرح سهل ومثالي ومنمق جدًا، وليس هو الجواب الذي يقدمه كتاب "الطفولة" بالضبط، هذا رغم تكرر الإشارات الأدبية التي توحي بشعور بيرنز بأنه مدين للأدب بوصفه قوة مثمرة في حياته، ورغم تقييم عدد من المراجعين الذي فسروا الكتاب من هذا المنظور.

 

لا يعتمد الكتاب على الكليشيهات الشائعة في "مذكرات الحثالة البيضاء"، وهو مصطلح آخر أخرق: فلم يتغنَّ بيرنز بأهمية العمل الجاد والجدارة، بل تحدث عن مشقة العمل البدني الذي يقصم الظهر، والفخ الذي ينصبه لأبناء الطبقة العاملة المجبرين على العمل عشر ساعات يوميًا في حرارة مضنية، كل هذا ليس إلا لجمع الإيجار وتدبير طعام بالكاد يسد رمقهم، مما يخلفهم منهكين وعاجزين عن التخطيط للخروج من هذا الوضع المزري. لم يشق بيرنز ولا زملاؤه طريقهم للخروج من تلك الوظائف التي لا مستقبل لها، حيث كان يعمل في مصنع إعادة تدوير من سن الرابعة عشرة، فلم يرو كيفية انتقاله من الطبقة الفقيرة إلى الطبقة المتوسطة: بل يختم الكتاب فعليًا عندما يبلغ بيرنز التاسعة عشرة، وحينها كان لا يزال في حالة ضياع وفقر مدقع. ثم يظهر في الخاتمة قد أتم دراسته الجامعية وكوّن أسرة مستقرة. أما ما بين هاتين المرحلتين فلم يأت له ذكر. ينتهي الكتاب، كما يوحي العنوان، بانتهاء طفولة بيرنز، ثم يعود إلى القارئ من الضفة الأخرى متأملًا بصفته أبًا فحسب، دون أن يقدم أي تفسير لهذا العبور. وهذا اختيار جريء، وصائب أيضًا، لأنه لا يستسلم لمطالبة القوالب النمطية التي تفرض عليه توضيح الأسباب والوسائل، أو افتراض وجود منطق متسق وراء ما حدث.

أعترف أني أقرأ هذه الكتب بنهم لأني أتوق بشدة لمعرفة التفسير. ومع أني أرجّح عدم وجود إجابة محددة -كما ذكرت- إلا أن الكتابة غالبًا تجبرنا على ابتكار تفسير ما. إن أي محاولة لرواية قصة الطفولة تتطلب من صاحبها أن يختار سردية، كأن يعزو السبب إلى صلاحه أو طيبته، زاعمًا أن سخاءه ألحقه بركاب الأخيار، فالطيور على أشكالها تقع. أو ربما حساسيته الفطرية التي تمكنه من رؤية الجمال فيما حوله وإنتاج فن آسر يهز الوجدان. هذه السردية تتخلل الأساطير التي تُحاك حول فنانين كُثر: يقولون إن الورود قد تنبت من بين الصخور. إلا أن امتناع بيرنز عن تقديم تفسير -أي رفضه مد جسر يربط بين ذلك الصبي الذي يحكي عنه النص والرجل الذي نلقاه في الخاتمة- يحبط توقعات القارئ. لا يترك لنا الكتاب مجالًا لأن نقول إن بيرنز نجا في الساعة الأخيرة بفضل غريب عطف عليه، أو أنه دأب على ادخار أمواله بالاستيقاظ مبكرًا قبل الجميع والخلود إلى النوم متأخرًا والعمل بجد والأحلام الكبيرة.

ذكرت آنفًا أن الكتابة تجبرنا على الوصول لتفسيرات قد لا تكون حاضرة في الواقع. فالكتابة ليست ممارسة مثمرة من ناحية كونها عملًا إبداعيًا فحسب، لكنها أيضًا قد تخلق ما لم نكن نقصد سوى وصفه. إن أعطيت قلمًا لشخص في ذروة أزمة فقد يعجز عن تأليف كتاب، مع أن تدوين المذكرات واليوميات أحد أساليب علاج الصدمات النفسية، لأن القراءة والكتابة قد تكون شفاءً. رغم اختلاف نشأتي عن نشأة بيرنز فإن مصائرنا متشابهة، ولعل هذا يرجع إلى اختيارنا آليات التكيف ذاتها: فإلى جانب القراءة والكتابة، يشترك كلانا في الانفصال عن الواقع والنسيان بسهولة، ما دفعنا إلى توثيق ذكرياتنا في سيرة ذاتية، وقد تبيّن أنها وسيلة مُجدية. وهذا بحد ذاته يؤكد فرضية أننا نجد الخلاص بين ثنايا الكتب والأدب.

 

صدر لكاتبة المراجعة كتاب بعنوان Root & Branch: Essays on Inheritance عام 2022، تحدثت فيه الارتقاء الطبقي.

المذكرات التي تصف الواقع الأليم للطبقات الفقيرة، والمصطلح أطلقته النخبة على الفقراء البيض لإنشاء تسلسل طبقي اجتماعي. 

المصدر

 

شارك الصفحة

المزيد من المراجعات